لقاء القدر الجزء الثاني
أشباح الماضي وخطوات المستقبل
بقلم مريم الحسن
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت خيوط الشمس الأولى تتسلل عبر ستائر غرفة سارة، استيقظت بعزمٍ جديد. لقد قررت أن لا تدع القلق يسيطر عليها، وأن تبدأ بنفسها في البحث عن حلولٍ لما يدور في عائلتها. أول خطوةٍ ستكون نحو والدها.
تناولت فطيرةً خفيفة، ثم توجهت نحو مكتب والدها، الذي كان أشبه بقلعةٍ صغيرةٍ داخل القصر. الباب مغلقٌ كالعادة، ولكنها طرقته بخفة.
"أبي، هل يمكنني الدخول؟"
سمعت صوتاً خافتاً يقول: "تفضلي يا بنيتي."
دخلت سارة لتجد والدها جالساً خلف مكتبه الضخم، يتأمل ملفاتٍ قديمة. كان يبدو أكثر شحوباً من ذي قبل.
"صباح الخير يا أبي." قالت سارة، محاولةً أن تبدو طبيعية.
"صباح النور يا حبيبتي. تفضلي، اجلسي." أشار لها إلى كرسيٍ مقابل لمكتبه.
جلست سارة، وقالت بجدية: "أبي، لا يمكنني أن أبقى صامتةً بعد الآن. أرى أنك تمر بضائقةٍ ما، وأخشى عليك."
نظر إليها السيد سليمان بعينين تحملان مزيجاً من الحزن والتأثر. "يا ابنتي، لا تقلقي عليّ. إنها مجرد أمورٌ تتعلق بالعمل."
"أعلم أنك تحاول حمايتي، ولكنني لست طفلةً بعد الآن. والخطوبة من المهندس عبد الرحمن تعني أنني سأبني مستقبلي معه. لا يمكن أن أستمر في بناء بيتٍ جديدٍ بينما أساسات البيت القديم تهتز."
تنهد السيد سليمان بعمق، وأخذ يفرك صدغه. "ربما كنتِ على حق. هناك أمرٌ قديمٌ يعود ليطاردني."
"ما هو يا أبي؟ هل يتعلق بالسيدة فاطمة؟ رأيتها هنا بالأمس، وسمعت بعض الكلمات التي جعلتني قلقة."
حرك السيد سليمان رأسه ببطء. "السيدة فاطمة... إنها تمثل جزءاً من الماضي الذي لم يعد بإمكاني تجاهله. منذ سنواتٍ طويلة، وقبل ولادتكِ بسنوات، كانت هناك صفقةٌ عقاريةٌ كبيرةٌ بين عائلتنا وعائلة أخرى. صفقةٌ كانت ستحقق لنا ثروةً هائلة، ولكنها تضمنت أيضاً بنداً غريباً يتعلق بأمانةٍ يجب أن نحافظ عليها. لأسبابٍ لم أعد أتذكرها تماماً، فشلت تلك الصفقة، وتم التخلي عنها. ولكن، يبدو أن الطرف الآخر لم ينسَ، وأنهم الآن يطالبون بشيءٍ يتعلق بتلك الأمانة."
"ما هي هذه الأمانة يا أبي؟" سألت سارة بفضولٍ ممزوجٍ بالخوف.
"إنها ليست شيئاً مادياً. إنها... وثائق. وثائق قديمةٌ تحمل أسراراً تخص سمعة عائلتنا. وإذا وقعت في الأيدي الخطأ، فإنها قد تسبب لنا ضرراً بالغاً، ليس فقط على المستوى المادي، بل أيضاً على المستوى الاجتماعي."
"ولكن، من هم هؤلاء الأشخاص؟ ولماذا يطالبون بها الآن؟"
"لست متأكداً تماماً. ولكن، أعتقد أن السيدة فاطمة على علمٍ ببعض التفاصيل. كانت تربطها صلةٌ قويةٌ بالعائلة الأخرى، وهي الآن تبدو وكأنها تلعب دور الوسيط، أو ربما... المستفيد."
شعر السيد سليمان بالمرارة وهو يقول ذلك. "لم أكن أتصور أنني سأواجه هذا الأمر مجدداً. كنت أحسب أن كل شيءٍ قد تم طيه وبُرمت. ولكن، يبدو أن الماضي له أذرعٌ طويلة."
"ولماذا لم تخبرني أنتِ أو والدتي بهذه القصة من قبل؟" سألت سارة، وكان في صوتها شيءٌ من العتاب.
"خشيت عليكِ يا ابنتي. وخشيت أن يؤثر ذلك على استعدادكِ للزواج من عبد الرحمن. لا أريدكِ أن تحسّي بأن مصيركِ معلقٌ بأمورٍ لا تمت لكِ بصلة."
"ولكن أبي، هذا يؤثر على حياتنا جميعاً. وعبد الرحمن لن يقبل بأن أواجه هذا وحدي. نحن سنواجه هذا معاً."
شعر السيد سليمان بالراحة وهو يسمع كلمات ابنته. لقد ورثت شجاعة جدتها وقوة عزمها.
"لديكِ حق يا سارة. ولكن، كيف سنفعل ذلك؟ أنتِ تعلمين أنني أحاول منذ فترةٍ العثور على تلك الوثائق، ولكن لا أثر لها."
"ربما نحتاج إلى مساعدة. ربما علينا أن نستشير أحداً. شخصٌ يفهم في هذه الأمور."
"من تقصدين؟"
"المحامي فؤاد. أعتقد أنه يمكنه أن يرشدنا. كان جيداً جداً في مساعدة عمي في قضيته قبل سنوات."
فكر السيد سليمان في الأمر. المحامي فؤاد كان رجلاً نزيهاً، وله سمعةٌ طيبة. قد يكون هو الحل.
"حسناً يا ابنتي. سنفعل ذلك. غداً سأرتب موعداً معه."
شعرت سارة بالارتياح. لقد اتخذت خطوةً أولى. ولكن، كان عليها أيضاً أن تتحدث مع عبد الرحمن. لم يكن من العدل أن تخفي عنه أمراً بهذه الأهمية، خاصةً وأن ذلك قد يؤثر على مستقبلهما.
في تلك الليلة، بينما كانت تجلس بجانب نافذة غرفتها، تتأمل النجوم المتلألئة في السماء، قررت أن تكون صريحةً معه. الحب الحقيقي، مبنيٌ على الثقة والشفافية.
في اليوم التالي، التقت سارة بعبد الرحمن في مقهى هادئ. كان الجو لطيفاً، ورائحة القهوة تفوح في المكان.
"لقد اشتقتُ إليك كثيراً يا عبد الرحمن." قالت سارة، وهي تنظر في عينيه.
"وأنا أكثر يا حبيبتي. ولكن، هل هناك ما يقلقك؟ تبدين شاردة الذهن."
"نعم، هناك أمرٌ أردت أن أخبرك به. أمرٌ يتعلق بعائلتي، ولكنه قد يؤثر علينا أيضاً."
روت سارة لعبد الرحمن قصة الأمانة القديمة، والوثائق السرية، وتهديدات السيدة فاطمة. كان عبد الرحمن يستمع بانتباهٍ شديد، ولم يقاطعها أبداً. عندما أنهت حديثها، نظر إليها بعينين مليئتين بالحزم.
"سارة، شكراً لكِ لأنكِ أخبرتني. هذا يدل على ثقتكِ الغالية بي. أنا أفهم أن هذا قد يكون أمراً صعباً، ولكن تذكري أنكِ لستِ وحدكِ."
"أعلم ذلك، وهذا ما يطمئنني."
"سنواجه هذا معاً. سأكون بجانبكِ في كل خطوة. هذه الأمور القديمة لا يجب أن تمنعنا من بناء مستقبلنا."
"ولكن، هل أنت متأكد؟ قد يكون الأمر خطيراً."
"الحياة مليئةٌ بالمخاطر يا سارة. ولكن، الخوف لا يوقفنا، بل يدفعنا إلى الأمام. سأتحدث مع المحامي فؤاد أيضاً. ربما لديه خبرةٌ في مثل هذه القضايا."
شعرت سارة بفرحةٍ غامرة. لم تتوقع أبداً أن يتقبل عبد الرحمن الأمر بهذه الإيجابية. لقد أثبت لها مرةً أخرى أنه الرجل الذي تستطيع أن تبني معه حياتها.
"أحبك يا عبد الرحمن." قالتها بصدقٍ وعمق.
"وأنا أحبكِ أكثر يا سارة. والآن، هيا بنا نفكر في الخطوة التالية. ربما علينا أن نجد تلك الوثائق بأنفسنا. ربما تكون مخبأةً في مكانٍ ما في القصر."
ابتسمت سارة. لقد بدأت رحلة البحث، رحلةٌ ستكشف لهم المزيد عن الماضي، وستقوي رباطهما في الحاضر. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، ولكن وجود عبد الرحمن بجانبها جعل كل شيءٍ يبدو ممكناً.