لقاء القدر الجزء الثاني
لقاءات مشبوهة وخيوط متناثرة
بقلم مريم الحسن
في صباح اليوم التالي، قرر المحامي فؤاد أن يزور قصر آل الشريف. كان رجلاً في أواخر الخمسينيات من عمره، يرتدي بذلةً أنيقة، ويحمل في عينيه ذكاءً وكياسة. استقبله السيد سليمان وسارة بحرارة.
"مساء الخير سيد سليمان، سارة. تفضلا، اجلسا." قال المحامي فؤاد وهو يضع حقيبته الجلدية جانباً. "أتيت فوراً بعد مكالمتك، وأنا مهتمٌ جداً بمعرفة التفاصيل."
بدأ السيد سليمان بسرد القصة، وقطع عليه سارة بين الحين والآخر لتوضيح بعض النقاط. كان المحامي فؤاد يستمع بانتباهٍ شديد، ويسجل ملاحظاته في مفكرته.
"إذاً، الأمر يتعلق بوثائق تحمل أسراراً تضر بسمعة العائلة، وهذه الوثائق كانت جزءاً من صفقةٍ عقاريةٍ فشلت منذ زمن بعيد، والسيدة فاطمة تبدو متورطةً في المطالبة بها الآن." لخص المحامي فؤاد.
"هذا صحيح." قال السيد سليمان. "ولكن، لا نعرف أين يمكن أن تكون هذه الوثائق."
"هل بحثتم في كل الأماكن الممكنة؟ في أرشيف العائلة، في مكاتب الأجداد؟"
"لقد بحثنا بكل ما أوتينا من قوة، ولكن دون جدوى. يبدو وكأنها اختفت."
"وماذا عن الطرف الآخر في تلك الصفقة؟ هل لديكم معلوماتٌ عنهم؟"
"لا نتذكر الكثير. كانت صفقةٌ كبيرةٌ ومعقدة، ولكننا لم نتعامل معهم مباشرةً في ذلك الوقت، بل عبر وسطاء."
"هذا يجعل الأمر أصعب." قال المحامي فؤاد وهو يتنهد. "ولكن، ربما علينا أن نبدأ بالسيدة فاطمة. إذا كانت متورطةً، فربما لديها مفتاحٌ لحل هذا اللغز. هل يمكنني مقابلتها؟"
"بالطبع." قال السيد سليمان. "سأطلب من سائقنا أن يرتب موعداً لها."
في غضون ذلك، كان عبد الرحمن مشغولاً بخططه لإطلاق مشروعه الثقافي. ومع ذلك، لم يغب عن باله ما قالته سارة. كان يبحث عن أي خيطٍ قد يقودهم إلى حل. كان يتصفح سجلاتٍ قديمة، ويتحدث مع كبار السن في الحي، عله يجد معلوماتٍ عن تلك العائلة الغامضة.
في أحد الأيام، وبينما كان يتجول في سوقٍ شعبيٍ قديم، سمع حديثاً بين بائعين عجوزين. كانا يتذكران أياماً مضت، وذات مرةٍ، ذُكر اسم عائلةٍ كانت معروفةً بتجارتها الواسعة في العقارات، ولكنها اختفت فجأةً من الساحة.
"أتذكر تلك العائلة؟ كانوا يملكون الكثير، ولكنهم كانوا أيضاً غامضين جداً. سمعت أنهم فقدوا كل شيءٍ في صفقةٍ واحدةٍ خسرتهم كل أموالهم." قال أحدهما.
"نعم، أتذكر. سمعت أنهم حاولوا استعادة ما خسروا بطرقٍ ملتوية، ولكنهم فشلوا." رد الآخر.
"ما اسم هذه العائلة؟" سأل عبد الرحمن، وهو يشعر بأن قلبه يدق بقوة.
"عائلة السيد كمال." قال أحدهم. "لقد كانوا شركاء آل الشريف في بعض المشاريع القديمة."
شعر عبد الرحمن بأن خيوطاً كثيرةً تتجمع. ربما كانت عائلة كمال هي الطرف الآخر في تلك الصفقة.
في هذه الأثناء، كانت السيدة فاطمة قد وافقت على مقابلة المحامي فؤاد. كان اللقاء في أحد المقاهي الفاخرة. كانت السيدة فاطمة ترتدي ثوباً أسود أنيقاً، وعقدها اللؤلؤي يلمع تحت أضواء المكان.
"صباح الخير سيد فؤاد." قالت السيدة فاطمة بابتسامةٍ باردة. "تفضل، اجلس."
"صباح الخير سيدة فاطمة. أشكركِ على قبول دعوتي. أنا هنا لكي أسألكِ عن بعض الأمور القديمة، تتعلق بصفقةٍ عقاريةٍ تمت بين عائلتكم وعائلة آل الشريف منذ سنواتٍ طويلة."
نظرت السيدة فاطمة إلى المحامي فؤاد بنظرةٍ تحمل شيئاً من التحدي. "صفقةٌ قديمة... لا أتذكر تفاصيل كثيرة. لقد كانت الأمور معقدةً في ذلك الوقت."
"ولكن، هل تتذكرين عن وجود أمانةٍ كانت جزءاً من تلك الصفقة؟ وثائقٌ هامةٌ تخص سمعة عائلتي آل الشريف."
ابتسمت السيدة فاطمة ابتسامةً ماكرة. "الأمانة؟ نعم، أتذكر. كانت هناك بعض الأوراق التي كان السيد سليمان قلقاً بشأنها. ولكن، لا أعلم أين هي الآن."
"ولكن، سمعت أنكِ تبحثين عنها، وأنكِ على استعدادٍ لتقديم المساعدة مقابل شيءٍ ما." قال المحامي فؤاد بجدية.
"أنا فقط أحاول أن أساعد في حل المشاكل القديمة. ولستُ أطمع في شيء. ولكن، بالطبع، لكل شيءٍ ثمنه."
"وما هو هذا الثمن؟" سأل المحامي فؤاد.
"أعتقد أن السيد سليمان يعلم ما هو. إنها تتعلق ببعض الحقوق التي لم تُمنح لعائلتي في الماضي. وأنا الآن أحاول استعادتها."
"وهل تعتقدين أن هذه الوثائق ستساعدكِ في ذلك؟"
"ربما. أو ربما مجرد التهديد بوجودها يكفي." قالت السيدة فاطمة وهي تعبث بطرف كوب قهوتها.
"ولكن، سيدة فاطمة، هل تعلمين من هم الأشخاص الذين كانوا يتفاوضون معكم آنذاك؟ ومن هم الذين فقدوا كل شيء؟"
"هم... عائلة السيد كمال." قالت السيدة فاطمة ببطء، وكأنها تكشف سراً عظيماً. "لقد كانوا شركاء آل الشريف، ولكنهم خسروا كل شيءٍ في تلك الصفقة. ولديهم الآن رغبةٌ جامحةٌ في الانتقام."
شعر المحامي فؤاد بأن خيوط اللغز بدأت تتضح. عائلة كمال، وعائلة آل الشريف، والسيدة فاطمة، كلهم في شبكةٍ واحدة.
"إذاً، أنتِ على علمٍ بمكان الوثائق؟" سأل المحامي فؤاد.
"لستُ متأكدةً تماماً. ولكن، سمعت بعض الهمسات. ربما تكون مخبأةً في مكانٍ آمن، مكانٌ لن يتوقعه أحد."
"وما هو هذا المكان؟"
"ربما... في مكانٍ قديم، مرتبطٌ بتاريخ العائلتين. ربما في منزلٍ قديمٍ للعائلة، أو ربما... في إحدى المستودعات المهجورة."
هذه الإجابات لم تكن كافيةً للمحامي فؤاد. كان يشعر بأن السيدة فاطمة تخفي الكثير.
"شكراً جزيلاً لكِ سيدة فاطمة. لقد كانت محادثةً مفيدة." قال المحامي فؤاد.
"آمل ذلك. وإذا اكتشفتِ شيئاً، لا تتردد في الاتصال بي." قالت السيدة فاطمة وهي تقوم من مقعدها، وتخرج من المقهى بخطواتٍ سريعة.
عاد المحامي فؤاد إلى قصر آل الشريف، وروى للسيد سليمان وسارة ما دار في لقائه مع السيدة فاطمة.
"عائلة كمال... الآن تبدأ الصورة تتضح." قال السيد سليمان. "لقد نسيت تماماً أمرهم. كان السيد كمال رجلاً طموحاً، ولكنه كان يفتقر إلى الحكمة."
"إذاً، يبدو أن عائلة كمال هي التي تسعى للحصول على الوثائق، والسيدة فاطمة تستغل الموقف لصالحها." قال المحامي فؤاد. "ولكن، ما هو الدافع الحقيقي للسيدة فاطمة؟"
"ربما رغبتها في استعادة ما تظن أنه حقٌ لعائلتها، كما قالت." قالت سارة. "ولكن، أنا لا أثق بها."
"بالتأكيد. ولا يمكننا أن نعتمد على كلامها." قال المحامي فؤاد. "ولكن، إشارةً إلى المستودعات المهجورة... هل لديكم مستودعاتٌ قديمة؟"
"نعم، لدينا مستودعٌ قديمٌ في أطراف المدينة. كان يستخدم لتخزين البضائع منذ زمنٍ طويل، ولكنه الآن مهجورٌ تماماً." قال السيد سليمان.
"إذاً، ربما تكون الوثائق هناك." قال المحامي فؤاد. "يجب علينا أن نذهب ونبحث."
شعر عبد الرحمن، الذي كان حاضراً مع سارة، بالحماس. "سأكون معكم. أنا على استعدادٍ للذهاب في أي وقت."
تلاقت نظرات سارة وعبد الرحمن. كانا يعلمان أن هذه الرحلة قد تكون خطيرة، ولكنها ضرورية. لقد بدأت معركةٌ لاستعادة الماضي، وحماية المستقبل.