لقاء القدر الجزء الثاني
رحلة إلى المستودع والكنز المخفي
بقلم مريم الحسن
في صباح اليوم التالي، وفي وقتٍ مبكرٍ جداً، اجتمع كلٌ من السيد سليمان، والمحامي فؤاد، وعبد الرحمن، وسارة، أمام بوابة المستودع المهجور. كان المبنى ضخماً، ومغطىً بالغبار، وكأن الزمن قد توقف بداخله. البوابة الحديدية صدئةٌ ومتآكلة، ولكنها لم تكن مغلقةً بإحكام.
"يبدو أن أحداً لم يأتِ إلى هنا منذ زمنٍ طويل." قال المحامي فؤاد وهو يتأمل المكان.
"نعم، هذا المستودع كان يستخدم لتخزين الأقمشة والبضائع الفاخرة في السابق، ولكن مع تطور التجارة، تم إغلاقه." قال السيد سليمان.
تسللوا إلى الداخل، وكان الظلام يلف المكان. كان الهواء ثقيلاً، ورائحة الغبار القديم والصدأ تخنق الأنفاس. كانت هناك صناديقٌ خشبيةٌ متناثرة، وأكياسٌ بالية، وكل شيءٍ كان مغطىً بطبقةٍ سميكةٍ من التراب.
"علينا أن نبدأ بالبحث في كل مكان." قال عبد الرحمن بحزم. "ربما تكون الوثائق مخبأةً في صندوقٍ خشبي، أو ربما في خزانةٍ قديمة."
بدأوا في البحث. كان الجهد شاقاً، والوقت يمضي ببطء. كانت كل خطوةٍ يخطونها تثير سحابةً من الغبار، وكانت أصوات أقدامهم تتردد في صمت المستودع. كانت سارة تشعر بخوفٍ خفي، تتساءل عن مدى خطورة ما يبحثون عنه، وعن الأشخاص الذين قد يظهرون فجأةً.
"لقد وجدت شيئاً!" صاحت سارة فجأة، مشيرةً إلى صندوقٍ خشبيٍ كبير، كان مدفوناً تحت كومةٍ من الأكياس القديمة.
هرع الجميع نحوها. كان الصندوق ثقيلاً، وتطلب جهداً مشتركاً لفتحه. وعندما فُتح، وجدوا بداخله مجموعةً من الوثائق القديمة، بعضها متهالكٌ بفعل الزمن، وبعضها الآخر يبدو بحالةٍ جيدة.
"هذه هي!" قال السيد سليمان بلهفة، وهو يمسك بإحدى الوثائق. "هذه هي الأمانة!"
بدأ المحامي فؤاد بتصفح الوثائق بعناية. كانت هناك عقودٌ، ورسائل، وصور، وكلها تتعلق بالصفقة القديمة. ثم، وجد ما كان يبحث عنه. كانت هناك وثائقٌ تحتوي على أسرارٍ حساسةٍ عن عائلة آل الشريف، ولكنها أيضاً كانت تكشف عن فسادٍ كبيرٍ كان يمارسه الطرف الآخر في الصفقة، وهو عائلة السيد كمال.
"لقد كانت صفقةٌ فاسدةٌ بكل المقاييس." قال المحامي فؤاد. "لقد كان السيد كمال يحاول استغلال ضعف آل الشريف آنذاك. ولكن، يبدو أن والدك، سيد سليمان، رفض قبول شروطهم، وتم التخلي عن الصفقة، ولكن كمال لم ينسَ. لقد استخدم هذه الوثائق كذريعةٍ لمطالبته بشيءٍ أكبر."
"ولكن، ماذا عن السيدة فاطمة؟" سألت سارة.
"يبدو أن السيدة فاطمة كانت على علاقةٍ قويةٍ بعائلة كمال. وربما كانت على علمٍ بتفاصيل الصفقة، بل وربما كانت تساعدهم في الحصول على الوثائق." قال المحامي فؤاد. "وهي الآن تحاول استغلال الموقف لتحقيق مكاسب شخصية."
بينما كانوا منغمسين في فحص الوثائق، سمعوا صوتاً غريباً من خارج المستودع. صوت خطواتٍ تقترب.
"من هناك؟" صاح عبد الرحمن، متخذاً وضعيةً دفاعية.
ظهرت من الظلام شخصيةٌ مألوفة. لقد كانت السيدة فاطمة، ومعها رجلٌ ضخم الجثة، يبدو كحارسٍ شخصي.
"ماذا تفعلون هنا؟" سألت السيدة فاطمة بلهجةٍ غاضبة. "هذا المكان لي."
"ليست لكِ يا سيدة فاطمة. هذه ملكٌ لعائلة آل الشريف." قال السيد سليمان بحزم.
"لقد كنتُ على علمٍ بأنكم ستأتون إلى هنا." قالت السيدة فاطمة بابتسامةٍ ماكرة. "ولم أكن أريد أن أترككم تجدون الكنز بسهولة. فلتسلموني الوثائق، وإلا..."
"وإلا ماذا؟" سأل عبد الرحمن بجرأة. "هل ستحاولين تهديدنا؟"
"ليس تهديداً، بل حقيقة." قالت السيدة فاطمة، مشيرةً إلى الرجل الضخم خلفها. "هذا الرجل لن يسمح لكم بالخروج."
شعروا بالخطر يحيط بهم. لقد وقعوا في فخ.
"سيدة فاطمة، لو كنتِ تعلمين ما في هذه الوثائق، لما فعلتِ ذلك." قال المحامي فؤاد بهدوء. "إنها تكشف عن فسادٍ كبيرٍ لعائلة كمال، وربما تضر بسمعتكِ أيضاً إذا تم الكشف عن تعاونكِ معهم."
"لا يهم. لقد تعبتُ من الانتظار. أريد حقي الآن." قالت السيدة فاطمة وهي تقترب بخطواتٍ سريعة.
في هذه اللحظة، سمعوا صوتاً آخر من الخارج. صوت سياراتٍ تقترب بسرعة.
"يبدو أن لدينا زواراً آخرين." قال عبد الرحمن، وهو يبتسم. "لقد اتصلتُ بالشرطة فور سماع صوت الخطوات."
فوجئت السيدة فاطمة، وبدا على وجهها الرعب. "لقد خدعتني!"
"لم أخدعكِ، بل تصرفتُ بحذر." قال عبد الرحمن.
دخل رجال الشرطة المستودع، بقيادة ضابطٍ يبدو عليه الوقار.
"ما الذي يحدث هنا؟" سأل الضابط.
شرح السيد سليمان الموقف، وقدم له الوثائق. بدأ الضابط في تصفحها، وظهرت على وجهه علامات الدهشة.
"هذه الوثائق خطيرةٌ جداً. إنها تكشف عن الكثير من الجرائم." قال الضابط. "سوف نأخذ هذه الوثائق، وسوف نقوم بتحقيقٍ شامل."
تم القبض على السيدة فاطمة ورجلها. أما السيد سليمان، والمحامي فؤاد، وسارة، وعبد الرحمن، فقد شعروا بالارتياح. لقد نجوا من خطرٍ كبير.
"شكراً جزيلاً لكم جميعاً." قال السيد سليمان وهو ينظر إلى عبد الرحمن وسارة. "لقد كنتم شجعاناً جداً."
"قمنا بما يجب علينا فعله." قال عبد الرحمن. "ولا تقلق، يا سيد سليمان. كل شيءٍ سيكون على ما يرام."
عندما خرجوا من المستودع، كانت الشمس قد ارتفعت في السماء، وأشرقت بأشعتها الذهبية على المكان الذي كان مليئاً بالظلام. لقد وجدوا الكنز الذي بحثوا عنه، ليس المال، بل الحقيقة، وهي أغلى من أي شيء.