لقاء القدر الجزء الثاني
همسات الماضي بين أروقة الذكريات
بقلم مريم الحسن
كانت نسمات مساءٍ عليلٍ تداعب ستائر النافذة المفتوحة في جناح فاطمة، حاملةً معها عبق الياسمين المتسلق على جدران قصر جدهم القديم. جلست فاطمة، وقد ارتدت ثوبًا بسيطًا من القطن الأبيض الناصع، تشدُّ بيديها قطعة قماشٍ كانت قد شرعت في تطريزها منذ أيام، لكن خيوطها المتشابكة عكست اضطراب روحها. لم يكن قلبها هادئًا، ولم تستطع أن تُقنع عقلها بما تراه حولها.
منذ زيارة الشيخ أحمد الأخيرة، وهو يرغب في خطبتها لابنه الوحيد، عاد إليها شبح الماضي بقوة. لم يكن الشبح مجرد ذكرى، بل كان صوتًا خفيًا يهمس لها بما قد لا تدركه عيناها. كانت تذكر جيدًا كيف أن والدتها، رحمها الله، كانت دائمة القلق بشأن مستقبلها، وكيف كانت تُلحُّ عليها في ضرورة البحث عن "الشريك المناسب" الذي يضمن لها حياةً كريمةً ومستقرةً. لم تكن والدتها من النوع الذي يبحث عن الثراء الفاحش، بل عن الرجل الصالح، ذي الدين والخلق، الذي يُقدِّر المرأة ويصونها.
وهنا، بدا الشيخ أحمد وابنه، فهد، يمثلان كل ما كانت تتمناه والدتها. فهد، الشاب الهادئ، صاحب العينين الواسعتين اللتين تحملان بريقًا من الالتزام والدفء، كان قد أظهر لها احترامًا وتقديرًا فاق توقعاتها. كان حديثهما دائمًا مفعمًا بالعلم والفكر، ولم يمسَّ يومًا حدود اللباقة والاحترام. لقد أُعجبت بقدرته على الحديث في مختلف المواضيع، من الفقه والشريعة إلى الأدب والتاريخ، كل ذلك بأسلوبٍ سلسٍ ومُقنع.
لكن، هل كان هذا الإعجاب كافيًا؟ هل كان مجرد تقديرٍ وإعجابٍ بصفاتٍ حميدةٍ كافيًا ليُبنى عليه بيتٌ وعائلة؟ هنا بدأت المعضلة. كانت تشعر بأن هناك شيئًا ما ناقصًا، شعورٌ داخليٌّ متغلغلٌ كضبابٍ خفيفٍ لا يمكن تحديد ماهيته. في إحدى الليالي، وبينما كانت تتأمل صور العائلة القديمة، وقع بصرها على صورةٍ لوالدها الشاب، يقف بجانب عمها، والد فهد. كان والداهما صديقين حميمين، وكانا يحلمان بأن تجتمع أسرتيهما في المستقبل. هل كان هذا هو ما يحاول الشيخ أحمد تحقيقه، أم أن الأمر أعمق من ذلك؟
في صباح اليوم التالي، قررت فاطمة أن تتحدث مع جدتها. جلست بجوارها في حديقة القصر، حيث كانت الجدة تتأمل زهور الورد الأحمر التي اعتنت بها بنفسها. "جدتي العزيزة،" بدأت فاطمة بصوتٍ خفيض، "هل يمكنني أن أسألكِ سؤالًا؟" ابتسمت الجدة، ووضعت يدها على يد فاطمة. "تفضلي يا بنيتي، قلبي وعقلي لكِ." "أتذكرين والدي، رحمه الله؟" "بالتأكيد يا حبيبتي. كان نور عيني، وكان نعم الابن والأخ." "هل كان لوالدي علاقةٌ وثيقةٌ بعائلة الشيخ أحمد؟" تغيرت ملامح الجدة قليلاً، وازداد تعبير الحزن على وجهها. "كان والداكِ وعمُّكِ أحمد صديقين حميمين، بل أقرب من الأخوة. كانا يتشاركان كل شيء، الأحلام والآمال. كانا يحلمان دائمًا بأن يكتمل هذا الترابط بين الأسرتين." "وهل كان هناك شيءٌ آخر؟" سألت فاطمة، محاولةً استنتاج ما يدور في ذهنها. تنهدت الجدة بعمق. "كان والداكِ، يا فاطمة، يتفقان على كل شيء تقريبًا. كانا يتناقشان كثيرًا في أمور الحياة، وكيفية تربية أبنائهما. أتذكر أن والدكِ كان دائمًا يرى أن الزواج هو رباطٌ مقدسٌ يجب أن يبنى على الحب والتفاهم، لا على مجرد التقاليد والمصالح." "ولكن،" قالت فاطمة بحذر، "هل كان هناك اتفاقٌ مسبقٌ بينهما بشأن زواجي من فهد، أو زواج أحدهما من الآخر؟" نظرت الجدة إلى عيني فاطمة بتمعن، ثم قالت ببطء: "كان هناك حديثٌ دائمٌ بينهما عن المستقبل. كانا يتمنيان أن يرى أبناءهما معًا، وأن يكتمل ما بدأاه. ولكن، لم يكن هناك اتفاقٌ رسميٌّ قاطعٌ، بل كانت أمنياتٌ طالما رددها قلباهما. والداكِ كانا يؤمنان بحرية الاختيار، حتى في ظل هذه الأماني. لم يكن أبدًا يفرضان شيئًا على أحد."
شعرت فاطمة بأن شيئًا ما قد انفكّ في عقدةٍ ما كانت تُقيد روحها. كان حديث الجدة يؤكد لها أن الأماني كانت موجودة، ولكنها لم تكن قوةً قاهرةً أو اتفاقًا ملزمًا. هذا أعطاها مساحةً أكبر للتفكير. هل كانت ترفض فهد لمجرد أن الأمر يبدو وكأنه تحقيقٌ لرغبةٍ قديمةٍ لوالديها؟ أم أن هناك شعورًا حقيقيًا يغيب؟
في هذه الأثناء، كان فهد يقضي وقته في مكتبة جده، يتصفح كتب التاريخ القديم، يحاول أن يفهم أعمق جذور هذه المدينة العريقة التي ينتمي إليها. كان يبحث عن شيءٍ يربطه بهذا المكان، عن سرٍّ ربما يكمن في صفحات الماضي. كان يشعر بمسؤوليةٍ كبيرةٍ تجاه سمعة عائلته، وتجاه هذه الخطوة الجادة التي سيقدم عليها. لقد أُعجب بفاطمة منذ اللقاء الأول، بذكائها، ورقيها، وحيائها. كان يرى فيها الزوجة المثالية، الأم الصالحة، والشريكة التي يمكن أن يتقاسم معها حياته.
ولكن، في أحد الأيام، بينما كان يتحدث مع عمته، والدة فاطمة، عن أمورٍ تخصُّ المزرعة، ذكرت له بطريق الخطأ، وبشيءٍ من الحزن، أن فاطمة كانت في الماضي، قبل سنواتٍ طويلة، على وشك الارتباط بشابٍ آخر. لم تكشف عن اسمه، لكنها وصفت الشاب بأنه كان "مختلفًا" عن فهد، وأنه كان يمثل "عالمًا آخر" لفاطمة. اكتفت فاطمة بالصمت حينها، ولم تُجب.
شعر فهد بشيءٍ من القلق. هل كانت هذه مجرد ذكرياتٍ عابرة، أم أنها تحمل معنىً أعمق؟ لم يكن فهد رجلاً غيورًا، ولكنه كان يدرك قيمة الارتباطات العاطفية، وكان يريد أن يكون كل شيءٍ بينه وبين فاطمة واضحًا وصافيًا. لم يكن يريد أن يدخل في حياةٍ تحمل ظلالًا من ماضٍ لم يُكشف بالكامل.
بعد هذه المحادثة، بدأ فهد يلاحظ بعض الأمور. كانت فاطمة تبدو أحيانًا شاردة الذهن، وكأنها تبحث عن شيءٍ ما. كانت تتجنب النظر في عينيه مباشرةً لفتراتٍ أطول، وتُسارع بإنهاء الحديث. لم يكن هذا السلوك غريبًا عنها، ولكنه كان واضحًا بالنسبة له.
قرر فهد أن يتخذ خطوةً جريئة. في المساء التالي، بعد صلاة العشاء، ذهب إلى منزل جدته، حيث كانت فاطمة تقضي بعض الوقت مع عمتها. وجد فاطمة جالسةً وحدها في الحديقة، تحت ضوء القمر الفضي. "مساء الخير يا فاطمة،" قال بهدوء، وجلس بجانبها على المقعد الحجري. رفعت فاطمة رأسها، وبدت عليها علامات الدهشة، ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة. "مساء النور يا فهد." "هل أنتِ بخير؟ تبدين شاردة الذهن منذ فترة." ترددت فاطمة قبل أن تجيب. "أنا بخير، ربما بعض التفكير الزائد." "هل هناك ما يُقلقكِ؟" سأله، وعيناه تحملان صدقًا كبيرًا. "إذا كان الأمر يتعلق بالزواج، فإنني أرغب في أن تكوني مطمئنةً تمامًا. لا أريد أن تشعري بأي ضغطٍ أو إكراه." أخذت فاطمة نفسًا عميقًا. "أعلم ذلك يا فهد، وأنا أقدر لكَ هذا كثيرًا." "ولكن؟" سأل فهد، مدركًا أن هناك كلمة "لكن" تنتظر. نظرت فاطمة إلى النجوم المتلألئة في السماء، ثم قالت بصوتٍ بالكاد يُسمع: "هل تعرف شيئًا عن… رجلٍ آخر في حياتي، في الماضي؟" صمت فهد لبرهة، ثم أجاب بصراحة: "سمعتُ شيئًا من عمتي، لكنها لم تُفصِّل. هل كان الأمر مهمًا؟" لم يكن فهد يريد أن يُظهر غيرته، ولكنه أراد أن يعرف الحقيقة. "كان مهمًا في وقتٍ ما،" قالت فاطمة، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها. "كان هناك شخصٌ أردته، وأردتُ أن أكون معه. لكن القدر كان له رأيٌ آخر." "وما هو رأي القدر الآن؟" سأل فهد، وقلبه يتخبط. "الآن،" قالت فاطمة، وهي تمسح دمعةً انزلقت على خدها، "الآن، أحاول أن أفهم. أحاول أن أرى ما إذا كان بإمكاني أن أجد سعادتي مع الشخص الذي أمامي." نظر فهد إلى فاطمة، وقد رأى فيها براءةً وصدقًا لا مثيل لهما. أدرك أن ماضيها، مهما كان، لا يُلغي مستقبلها، ولا يُلغي إمكانية سعادتها معه. "يا فاطمة،" قال بصوتٍ عميقٍ ومُطمئن، "كل إنسانٍ لديه ماضٍ، قد يكون سعيدًا أو حزينًا. المهم هو الحاضر، وكيف نبني المستقبل. أنا هنا، وأريد أن أبني معكِ مستقبلًا مليئًا بالحب والسعادة، بعيدًا عن ظلال الماضي. هل تسمحين لي بأن أحاول؟" نظرت فاطمة إلى فهد، ورأت في عينيه الأمل والصدق. شعرت ببعض الارتياح، ولكن الشبح الذي كان يتجول في أروقة روحها لم يختفِ تمامًا. كان هناك شيءٌ ما لا تزال تشعر به، شعورٌ غامضٌ بأن القصة لم تنتهِ بعد، وأن هناك فصلًا آخر لم يُكشف بعد.