لقاء القدر الجزء الثاني

رياح التغيير ووشوشات الماضي

بقلم مريم الحسن

في قصر الجدة، كانت الأجواء لا تزال مشحونةً بترقبٍ خفي. فاطمة، بعد حديثها مع فهد، شعرت ببعض الثقل قد انزاح عن صدرها، لكنها لم تستطع أن تتخلص تمامًا من الشعور بأن هناك شيئًا ما لا يزال عالقًا في الماضي، شيئًا يتعلق بذاك "الشخص الآخر" الذي ذكرته. لم تكن ترغب في إخفاء شيءٍ عن فهد، الذي بدا صادقًا في رغبته ببناء علاقةٍ سليمةٍ معه.

في أحد الأيام، وبينما كانت فاطمة تتصفح مجموعةً من الصور القديمة التي أخرجتها الجدة من صندوقٍ خشبيٍّ عتيق، وقعت عيناها على صورةٍ لفتاةٍ شابةٍ، ذات ملامحٍ جميلةٍ وبريئة، تبتسم ابتسامةً عذبة. لم تتعرف عليها في البداية، لكن شيئًا في عيني الفتاة، في نظرتها الواثقة، جعلها تتوقف. "من هذه يا جدتي؟" سألت فاطمة، وهي تُشير إلى الصورة. نظرت الجدة إلى الصورة، وتنهدت بحزن. "هذه سعاد. كانت صديقةً لوالدتكِ، وشابةً رائعة. كانت تعيش في القرية المجاورة. كانت علاقتها بوالدتكِ وثيقةٌ جدًا، وكأنهما أختان." "وهل تعرفين ماذا حدث لها؟" سألت فاطمة، وقد شعرت باهتمامٍ مفاجئ. "للأسف، يا ابنتي، اختفت سعاد في ظروفٍ غامضةٍ منذ سنواتٍ طويلة. لم يُعرف لها أثرٌ بعد ذلك. كانت حادثةً مؤلمةً جدًا لوالدتكِ، فقد فقدت فيها صديقةً عزيزةً لم تستطع نسيانها." شعرت فاطمة ببرودةٍ تسري في عروقها. اختفاء؟ ظروفٌ غامضة؟ هل يمكن أن يكون لهذا الاختفاء علاقةٌ بماضيها، بماضي فهد، أو حتى ماضي عائلتها؟ كانت مجرد تخيلاتٍ، ولكنها بدأت تتشابك في ذهنها.

في هذه الأثناء، كان فهد يشعر ببعض التغير في سلوك فاطمة. على الرغم من أن حديثهما الأخير كان قد فتح بابًا للصراحة، إلا أنها كانت لا تزال تتجنب الخوض في تفاصيل ماضيها. كان يحترم ذلك، ولكنه كان يشعر بأن هناك شيئًا ما، ولو كان صغيرًا، يعيق تقدمهما.

في يومٍ من الأيام، قرر فهد أن يذهب إلى القرية المجاورة، يتحدث مع بعض كبار السن، ربما يعرفون شيئًا عن سعاد، أو عن تلك الفترة الزمنية. وصل إلى القرية، وهي قريةٌ هادئةٌ تفوح منها رائحة الأرض بعد المطر. جلس في مقهىً شعبيٍّ قديم، يرتاده أهل القرية. بدأ يتحدث مع أحد الشيوخ، رجلٌ تجاوز السبعين من عمره، يتذكر كل شيءٍ تقريبًا. "يا عمي،" قال فهد، "هل تتذكر سيدةً اسمها سعاد، كانت تسكن هنا منذ سنواتٍ طويلة؟" نظر الشيخ إلى فهد، بعينين ذابلتين ولكنهما تحملان لمعة ذكاء. "سعاد؟ آه، يا بني، سعاد. كانت فتاةً كالزهرة. اختفت ولم نعرف لها خبرًا. حادثةٌ شغلت القرية كلها." "وهل تعرفون سبب اختفائها؟ أو إلى أين ذهبت؟" سأل فهد، محاولاً أن يبدو طبيعيًا. "هناك أقاويلٌ كثيرة، يا بني. بعضهم قال إنها هربت مع رجلٍ غريبٍ جاء إلى القرية. وبعضهم قال إنها تعرضت لظلمٍ ما، ففضلت الاختفاء. لكن الحقيقة، لا أحد يعرف." "وهل كان لهذه الاختفاء علاقةٌ بشخصٍ معين؟" سأل فهد، متذكرًا حديث عمتها عن "الشخص الآخر" في حياة فاطمة. "كانت سعاد مخطوبةً لشابٍ من القرية، شابٌ طيبٌ ولكنه كان فقيرًا. ولكن، قبل زواجها، كان هناك رجلٌ ثريٌّ ومن مدينةٍ بعيدةٍ قد رآها وأُعجب بها. حاول أن يتقرب منها، لكنها رفضته. يقال إن هذا الرجل كان له نفوذٌ كبير، وأنه لم يقبل بالرفض." شعر فهد بقشعريرةٍ تسري في جسده. هل كان هذا الرجل هو نفسه الذي أشار إليه والدها؟ هل كانت هناك مؤامرةٌ ما؟ "وهل تعرفون اسم هذا الرجل الثري؟" سأل فهد، وقلبه يخفق بسرعة. توقف الشيخ للحظة، وكأنه يسترجع ذاكرته. "كان اسمه… آه… كان له اسمٌ غريبٌ بعض الشيء. ولكن، سمعتُ في ذلك الوقت أن عائلةً من المدينة، لها علاقةٌ بأملاكٍ واسعة، كانت قد بدأت تتوسع في تلك الفترة. ربما كان له علاقةٌ بهم."

عاد فهد إلى القصر، وهو يفكر بعمق. كانت المعلومات التي حصل عليها مشوشة، ولكنها كانت تُشير إلى اتجاهٍ خطير. هل كان اختفاء سعاد مرتبطًا بعائلته؟ وهل كان لوالد فاطمة، أو لوالد فهد، أي دورٍ في ذلك؟

في هذه الأثناء، كانت فاطمة تشعر بقلقٍ متزايد. كلما كانت تتحدث مع الجدة عن والدتها، كانت تكتشف تفاصيل جديدة، قصصًا لم تكن تعرفها. كانت والدتها، كما وصفتها الجدة، امرأةً قويةً ومستقلة، ولكنها كانت تحمل في قلبها جرحًا عميقًا بسبب اختفاء سعاد. "كانت والدتكِ، يا فاطمة، تحاول جاهدةً أن تعرف ما حدث لسعاد،" قالت الجدة ذات يوم. "لقد بذلت كل ما في وسعها، ولكن لم يكن هناك دليلٌ قاطع. كانت تشك دائمًا في أن هناك من أخفى الحقيقة." "وهل كان لوالدي أي دورٍ في البحث؟" سألت فاطمة، وهي تشعر بأن خيوط القصة بدأت تتشابك. "كان والدكِ، رحمه الله، دائمًا يدعم والدتكِ. كان يقف بجانبها، ويُشجعها. كانا معًا في كل شيء." "ولكن، هل كان والدكِ يعرف شيئًا عن هذا الرجل الثري؟" سألت فاطمة، وهي تشعر بنبضات قلبها تتسارع. نظرت الجدة إلى فاطمة، وبدت عليها علامات الحيرة. "لا أتذكر تفاصيل كثيرة عن هذا الأمر، يا ابنتي. كانت تلك الأيام مليئةً بالحزن، ولم نكن نتحدث كثيرًا عن التفاصيل."

بدأت فاطمة تشعر بأنها تقف على حافة اكتشافٍ ما، اكتشافٍ قد يُغير كل شيء. هل كان زواج والديها، وزواجها المرتقب من فهد، مرتبطًا بهذه الحادثة القديمة؟ هل كان هناك وعدٌ ما، أو التزامٌ ما، تم بين والدها ووالد فهد، يتعلق بهذه القضية؟

في إحدى الليالي، وبينما كانت فاطمة تتأمل حديقة القصر تحت ضوء القمر، سمعت صوتًا خافتًا قادمًا من مكتبة الجدة. تقدمت بحذر، وفتحت الباب بهدوء. وجدت عمتها، والدة فهد، تجلس وحدها، تتصفح بعض الأوراق القديمة. "عمتي؟" قالت فاطمة بصوتٍ هادئ. "هل أنتِ بخير؟" فزعت عمتها قليلاً، ثم ابتسمت ابتسامةً متعبة. "آه، فاطمة. نعم، أنا بخير. فقط أتصفح بعض الأوراق القديمة." "هل هناك شيءٌ ما يُقلقكِ؟" سألت فاطمة، وقد شعرت بأن هناك شيئًا ما يخفيه. نظرت عمتها إليها، وعيناها تحملان مزيجًا من الحزن والقلق. "يا ابنتي، هناك أمورٌ قديمةٌ قد لا يكون من الحكمة إثارتها. الماضي يحمل معه همومه." "ولكن، يا عمتي، إذا كان هناك ما يتعلق بسعاد، أو بماضي والدي، فأنا أرغب في أن أعرف. أنا لا أريد أن أدخل في حياةٍ وأنا لا أعرف تاريخها." تنهدت عمتها بعمق. "سعاد… كانت فتاةً طيبة. ولكن، كان هناك رجلٌ أراد أن يأخذ ما ليس له. وكان لوالدكِ، رحمه الله، دورٌ في حمايتها. ولكن، هذا الرجل كان قويًا، ولديه علاقاتٌ واسعة." "وهل كان لهذا الرجل علاقةٌ بعائلة الشيخ أحمد؟" سألت فاطمة، محاولةً الربط بين الخيوط. ترددت عمتها، وبدا عليها أنها تكتم شيئًا. "الشيخ أحمد، يا ابنتي، كان دائمًا يحاول أن يُبقي الأمور في نصابها. ولكنه كان لديه مسؤولياتٌ كبيرة." "وهل تعرفين اسم هذا الرجل؟" سألت فاطمة، وهي تشعر باليأس يتسلل إليها. نظرت عمتها إلى الورقة التي في يدها، ثم قالت بصوتٍ خافت: "كان اسمه… بدر. وكان لديه نفوذٌ كبير في المدينة." "بدر؟" همست فاطمة، وشعرت بأن هذا الاسم يتردد في ذهنها. لم تكن تعرف بدرًا، ولكنها شعرت بأن هذا الاسم هو مفتاحٌ لشيءٍ كبير.

بعد هذه المحادثة، شعرت فاطمة بأن عينيها قد انفتحت على عالمٍ جديد. عالمٌ لم تكن تتخيله. عالمٌ من الأسرار والمؤامرات، مرتبطٌ بماضي عائلتيها. أدركت أن رغبتها في معرفة الحقيقة قد تقودها إلى منطقةٍ خطرة، منطقةٍ قد لا تستطيع الخروج منها سالمة. لكنها لم تستطع التوقف، فقد كان وازعها الأخلاقي، ورغبتها في بناء مستقبلٍ واضحٍ وصادق، يدفعانها إلى الأمام.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%