لقاء القدر الجزء الثاني
سر الظلام ووشوشة القدر
بقلم مريم الحسن
في تلك الليلة، لم تستطع فاطمة أن تنام. كانت الكلمات التي نطقت بها عمتها، "بدر"، تتردد في أذنيها كصدىً لحنٍ غريبٍ ومُقلق. شعرت بأنها تقف على حافة هاويةٍ سحيقة، وأنها إذا ألقت نظرةً إلى الأسفل، فإنها قد ترى حقائق مُرةً لم تتوقعها أبدًا.
قررت فاطمة أن تبحث عن أي شيءٍ يتعلق بهذا الاسم، "بدر"، في سجلات العائلة القديمة. في صباح اليوم التالي، توجهت إلى مكتبة الجدة، وبدأت تتصفح الكتب القديمة، والصناديق المملوءة بالوثائق. كان الجو داخل المكتبة يوحي بالقدم، برائحة الورق العتيق والغبار المتراكم. بدأت تتفحص رسائل قديمة، سجلات مالية، وحتى مذكراتٍ لم تنتبه لها من قبل.
وبينما كانت تقلب في أحد الصناديق، وقع بصرها على حزمةٍ من الرسائل مربوطةٍ بشريطٍ حريريٍّ قديم. كانت الخطوط المكتوبة على هذه الرسائل مختلفةً عن خطوط والدتها، وأكثر جرأةً. فتحت إحداها، وكانت المفاجأة. كانت الرسائل موجهةً من "بدر" إلى والدتها، وكانت تحمل عباراتٍ لا تليق برجلٍ متزوج، بل تحمل غزلًا صريحًا، وعروضًا لا أخلاقية. شعرت فاطمة بالصدمة والإشمئزاز. هل كانت والدتها، تلك المرأة الصالحة التي وصفتها الجدة، على علاقةٍ بهذا الرجل؟
تراجعت قليلاً، وحاولت أن تستجمع أنفاسها. ربما كانت هذه الرسائل مجرد محاولاتٍ فاشلةٍ من بدر، وأن والدتها لم تستجب لها. بدأت تقرأ رسائل أخرى، وفي كل رسالةٍ كانت تجد ما يُؤكد شكوكها. كان بدر يصف والدتها بأنها "جوهرةٌ لا تقدر بثمن"، وأنها "الوحيدة التي تفهم روحه". كانت العبارات تحمل مزيجًا من الإعجاب والشهوة، وكانت تُشير إلى لقاءاتٍ سريةٍ بينهما.
هنا، بدأت الأمور تتضح، ولكن بطريقةٍ مؤلمة. هل كان اختفاء سعاد مرتبطًا برغبة بدر في التقرب من والدة فاطمة؟ هل كان بدر قد استخدم نفوذه للتخلص من سعاد، التي ربما كانت عقبةً أمامه؟ وماذا عن والد فاطمة؟ هل كان يعرف شيئًا عن هذه العلاقة؟
قررت فاطمة أن تواجه جدتها. جلست بجوارها، وقد بدت على وجهها علامات الحزن والاضطراب. "جدتي،" قالت بصوتٍ مرتعش، "هل لي أن أسألكِ عن رسائلٍ وجدتها؟ رسائلٌ من رجلٍ اسمه بدر، موجهةٌ إلى أمي." تغير لون وجه الجدة، وازداد شحوبًا. نظرت إلى فاطمة بعينين مليئتين بالأسى. "يا بنيتي، هناك أمورٌ قديمةٌ أفضل أن تبقى مدفونةً. لا أريد أن أُعكِّر صفو ذاكرتكِ عن والدتكِ." "ولكن يا جدتي، هذه الرسائل تُشير إلى علاقةٍ غريبةٍ بين أمي وبدر. بل إنها تُشير إلى أن بدر كان مُعجبًا بأمي بشكلٍ غير لائق، وأنها ربما كانت تلتقي به." تنهدت الجدة تنهيدةً عميقةً، وكأنها تحمل عبء العالم كله. "يا فاطمة، والدتكِ كانت شابةً جميلةً وذكيةً. وكان هناك الكثيرون يطمعون بها. ولكن، والدكِ كان رجلًا عظيمًا، أتاح لها كل الحب والاحترام. لم تسمح والدتكِ أبدًا بأن تُمسّ كرامتها." "ولكن يا جدتي، هذه الرسائل…" "كانت محاولاتٍ من بدر، يا ابنتي. كان يحاول أن يُقنع والدتكِ. ولكن، والدتكِ كانت دائمًا وفيةً لوالدكِ. بل إنها، في فترةٍ ما، استخدمت هذه الرسائل، وبعض المعلومات التي حصلت عليها، لتُحرج بدرًا وتُبعده." "هل تقصدين أنه كان لديه دورٌ في اختفاء سعاد؟" سألت فاطمة، وقد شعرت بأن خيوط المؤامرة بدأت تتكشف. نظرت الجدة إلى فاطمة، وقالت ببطء: "في تلك الفترة، كان بدر قد بدأ يتوسع في تجارته. وكان يسعى للسيطرة على أراضٍ في محيطنا. كانت سعاد، وحبيبها، معارضةً لذلك. كانت سعاد فتاةً شجاعةً، ولم تخف من مواجهته. يقال إن بدر قد حاول أن يُهددها، وأن يبتزها. ولكن، والدتكِ، يا فاطمة، كانت تعلم بذلك. لقد كانت تحاول أن تحمي سعاد، وفي نفس الوقت، كانت تحاول أن تُبعد بدرًا عن حياتها. ربما… ربما كان لما فعلته والدتكِ، من إحراجٍ لبدر، وتحدٍّ له، دورٌ في دفعه للتصرف بشكلٍ قاسٍ تجاه سعاد." "ولكن، كيف؟" "لا أعرف التفاصيل الدقيقة، يا ابنتي. ولكن، كانت والدتكِ تشعر بالذنب تجاه سعاد. لقد شعرت بأنها لم تستطع حمايتها بالكامل. وأن تصرفاتها، التي كانت تهدف إلى إبعاد بدر، ربما قد ساهمت في النهاية في إيذائها." أدركت فاطمة أن قصة والدتها لم تكن بسيطةً كما كانت تعتقد. والدتها كانت تحمل عبئًا ثقيلًا، عبء ذنبٍ قديم.
في هذه الأثناء، كان فهد يشعر ببعض القلق تجاه فاطمة. كانت تبدو شاردة الذهن، وعيناها تحملان حزنًا عميقًا. حاول أن يتحدث معها، ولكنها كانت تُجيب بإيجاز، وتُحاول أن تتجنب أي حديثٍ عن مشاعرها. "يا فاطمة،" قال لها في إحدى الأمسيات، "ما الذي يُزعجكِ؟ أرجوكِ، تحدثي معي." نظرت فاطمة إليه، وبدت عليها علامات التردد. "لا شيء يا فهد. فقط… بعض الأفكار القديمة." "الأفكار القديمة التي تتعلق بمن؟" سأل فهد، وقد شعر بأن هناك شيئًا مهمًا يخفى عليها. "تتعلق بوالدتي، وبماضيها، وبقصةٍ قديمةٍ لم تنتهِ." "هل يمكنني أن أساعدكِ؟" ترددت فاطمة، ثم قالت: "أعتقد أن كل ما يحدث الآن، هو نتيجةٌ لقراراتٍ اتُخذت في الماضي. قراراتٌ لم تكن كلها صائبة." نظر فهد إليها، وبدا عليه أنه يفهم. "إذا كانت هذه القرارات تتعلق بعائلتي، أو بعائلتكِ، فأنا مستعدٌ لمواجهتها معكِ. أريد أن يكون مستقبلنا مبنيًا على الصدق والوضوح." كلمات فهد كانت كبلسمٍ على روح فاطمة. شعرت بأنها ليست وحدها في مواجهة هذا الماضي المُعقد.
فجأة، وصل خبرٌ مفاجئ إلى القصر. أحد العمال في المزرعة، كان يبحث عن شيءٍ قديم، وجد صندوقًا مدفونًا بالقرب من بئرٍ قديمةٍ مهجورة. وعندما فتحه، وجد بداخله بعض الأوراق والمقتنيات، ومن بينها… قلادةٌ كانت تُعرف بأنها تخص سعاد. صُدم الجميع. هل كان هذا القلادة دليلاً على مكان دفنها؟ أم أنها مجرد مقتنياتٍ مفقودة؟ لكن، بين الأوراق، وجدوا ورقةً مكتوبةً بخطٍ واضح، تحمل رسالةً قصيرةً وغير مُوقعة، تقول: "الحقيقة غالبًا ما تكون أشد مرارةً من الموت." شعر فهد وفاطمة بأن شيئًا ما كبيرًا قد بدأ يتكشف. هل كان هذا صندوق سعاد؟ وهل كانت هذه الرسالة دليلًا على أن من دفن الصندوق كان يعرف شيئًا عن مصيرها؟ نظرت فاطمة إلى فهد، وقالت بصوتٍ ثابت: "علينا أن نعرف ما حدث لسعاد. يجب أن نُعيد لها حقها، وأن نُنهي هذا الظلم." أومأ فهد برأسه، وقد اتخذ قراره. "معكِ يا فاطمة. سنكشف الحقيقة، مهما كانت مريرة." لكن، بينما كانا يستعدان للغوص في أعماق هذا اللغز، لم يكونا يدركان أن ما سيجدانه قد يكون أشد إيلامًا وخطورةً مما يتخيلان. فسراديب الماضي غالبًا ما تخبئ وحوشًا لم تكن على درايةٍ بوجودها.