لقاء القدر الجزء الثاني
رياح التغيير العاتية
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام تمضي كغيمة صيف عابرة، تحمل في طياتها شمس الأمل وبريق الحياة، ولكن تحت سطح السكينة الظاهرة، كانت تتجمع غيوم رمادية، تنذر بعواصف قادمة. تلألأت عين سلمى ببريق لم تعهده، وهي تتأمل ملامح خطيبها، الأستاذ خالد، الذي بات يتقاسم معها كل لحظة، وكل فكرة. كانت تجد في صمته عمقاً، وفي كلماته حكمة، وفي ابتسامته سكينة. كانت أيامهما تمضي في لقاءات عائلية مهذبة، واستشارات حول ترتيبات الزواج، وزيارات ميدانية للمنزل الجديد الذي يفرشان فيه أحلامهما.
لكن تلك السكينة لم تدم طويلاً. في أحد الأيام، وبينما كانت سلمى تساعد والدتها في ترتيب بعض الأغراض القديمة في العلية، عثرت على صندوق خشبي صغير، مغبر، بالكاد يمكن تمييز نقوشه. فضول الطفولة دفعهما لفتحه، وما وجدتا بداخله ألقى بظلال كثيفة على الماضي. كانت رسائل قديمة، وبعض الصور الباهتة. إحدى الرسائل، بخط يد أنيق، كانت موجهة إلى والدة سلمى، وتحمل تاريخاً يعود إلى سنوات طويلة مضت. قرأتها الأم بصوت يرتجف، وسرعان ما انقطع. كانت الرسالة تتحدث عن حب ممنوع، عن وعد لم يتم، عن قصة انتهت بقلب مكسور.
"هذه... هذه رسائل من عمتك فاطمة!" تمتمت الأم، وعيناها تدمعان. "لم أعلم قط أنها كانت تحب... بهذا العمق."
سألت سلمى بذهول: "عمتي فاطمة؟ أهي التي تتحدث عنها جدتي أحياناً؟ تلك التي رحلت بعيداً ولم تعد؟"
كانت عمتها فاطمة، شقيقة والدتها، قد اختفت من حياتهن فجأة قبل سنوات طويلة، ولم يتحدث عنها أحد بتفاصيل واضحة. مجرد غياب مفاجئ، وقصص متفرقة عن سفرها. الآن، بدت تلك الرسائل تكشف عن جزء من اللغز. كانت الرسائل تتضمن ذكراً متكرراً لاسم "أحمد".
"من هو أحمد يا أمي؟" سألت سلمى.
تنهدت الأم بحزن: "كان... كان زميلاً لها في الجامعة. قصة قديمة، يا ابنتي. لم تكتمل. ربما كان ذلك الشخص الذي أثر في حياتها كثيراً."
توالت الأيام، وتعمق البحث في صندوق الذكريات. اكتشفن رسائل أخرى، وصوراً تجمع عمتها فاطمة بشاب يبدو وسيماً، تملؤه الحيوية. كان الشاب هو نفسه "أحمد" المذكور في الرسائل. في إحدى الصور، كانا يقفان بجانب بعضهما البعض، وعيناهما تتحدث عن قصة حب بريئة، لكنها تبدو محفوفة بالآلام.
في المقابل، كان خالد يعيش لحظات من التوتر المتزايد. كان يتلقى مكالمات هاتفية غامضة، ورسائل إلكترونية مشفرة. كان الأمر يتعلق بعمل سابق، بمشاريع معقدة، وبأشخاص لم يكن يرغب في العودة إلى الارتباط بهم. أحد هؤلاء الأشخاص، رجل يدعى "كمال"، كان يبدو مصراً على استعادة شيء ما، شيء له علاقة بصفقات قديمة، وبمصالح مهدورة.
في إحدى الليالي، وبينما كان خالد في مكتبه، يتفحص بعض الوثائق، رن هاتفه. كانت المكالمة من رقم غير معروف. ترددت نبرته قليلاً وهو يجيب: "نعم؟"
جاء صوت خشن من الطرف الآخر: "خالد... أتذكرني؟"
"من تتحدث؟" سأل خالد، وشعر ببرودة تسري في عروقه.
"كمال. كمال الغامدي. أظنك نسيتني، لكن صفقاتنا القديمة لم تُنسَ."
"لا أعرف أي صفقات تتحدث عنها." حاول خالد أن يبدو هادئاً، لكن قلبه كان يقرع بعنف.
"بالطبع تعرف. صفقة "المشروع الضائع". لقد أضعت الكثير بسببك، وأنا الآن أستعيد ما أعتبره حقي. لديك أشياء تخصني، وأنا مستعد لاستعادتها... بطريقتي."
انقطعت المكالمة فجأة. شعر خالد بالدوار. "المشروع الضائع". كان هذا الاسم يذكره بفترة مظلمة في حياته، فترة كان يحاول جاهدًا أن يطويها. لقد كان هناك مشروع في بداياته، ثم توقف لأسباب قاهرة، وتبعته اتهامات، وشبهات. خالد كان قد برأه الله من كل ذلك، لكنه لم ينسَ الضغوط والتهديدات التي تعرض لها.
في اليوم التالي، وبينما كان خالد يلتقي بشقيقه الأكبر، أحمد، لتناول قهوة، لمح الأخير تعابير القلق على وجه خالد.
"ما بك يا خالد؟ تبدو قلقاً." سأل أحمد.
تردد خالد قليلاً، ثم قرر أن يشارك شقيقه ما يحدث. سرد له قصة المكالمة، واسم "كمال"، و"المشروع الضائع".
تغيرت ملامح أحمد. اتسعت عيناه بدهشة، ثم حزن. "كمال؟ كمال الغامدي؟ هذا الاسم... هذا الاسم يجعلني أشعر بالأسى."
"هل تعرفه؟" سأل خالد.
"ليس شخصياً، لكنني سمعت عنه. سمعت أنه كان شخصاً يدعى كمال، كان له علاقة بمشاريع استثمارية قبل سنوات. سمعت أيضاً أنه تورط في مشكلات كبيرة، وربما اتهم البعض بالظلم."
"لكن لماذا يتهمني الآن؟ وما علاقة "المشروع الضائع" بي؟"
"المشروع الضائع... هل كان في مجال العقارات؟" سأل أحمد، وبدت عليه علامات تأمل عميق.
"نعم، كان كذلك."
تنهد أحمد وقال: "أتذكر قصة قديمة. قصة كانت تدور حول مشروع كبير، في بدايته، ثم توقف بشكل مفاجئ. كان هناك الكثير من المال المستثمر، والكثير من الأشخاص الذين تأثروا. سمعت أن هناك شخصاً يدعى "أحمد" كان له دور فيه، وأنه واجه صعوبات كبيرة. لكن هذا الاسم... أحمد... ليس اسم عائلة. كان مجرد اسم شائع."
شعر خالد بقلبه يتجمد. "أحمد... هل تقصد...؟"
"لا أدري يا خالد. لكنني أخشى أن يكون هناك سوء فهم كبير، أو ربما... ربما هناك من يحاول إشعال فتيل قديم."
كانت هذه اللحظة نقطة تحول. اكتشافات سلمى في صندوق الذكريات، ومكالمات خالد الغامضة، بدأت تتداخل بطرق لم يتوقعها أحد. كانت رياح التغيير العاتية قد بدأت تهب، تحمل معها تقلبات مصيرية، واكتشافات ستقلب عالمهم رأساً على عقب. شعرت سلمى بثقل كبير في صدرها، وكأن التاريخ يعود ليطرق أبواب الحاضر، مطالباً بتصحيح أخطائه. أما خالد، فقد شعر بحصار يحيط به، وبأنه يقف على حافة هاوية. لم يعد الأمر يتعلق فقط بترتيبات زواجه، بل بمعارك من الماضي، وبأسرار كانت أعمق مما ظن.
في نهاية اليوم، وبينما كانت سلمى تحتسي كوباً من الشاي، تأملت الرسالة الأخيرة لعمتها فاطمة. كانت مليئة بالألم، ولكن أيضاً بالأمل. "حتى في أصعب الظروف، هناك نور ينتظر. أرجو أن تجدي السعادة يا ابنة أختي، سعادة لم أجدها لنفسي."
شعرت سلمى بدمعة تنحدر على خدها. هل كانت سعادتها مرتبطة بخفايا الماضي؟ هل كان قدرها أن تواجه ما لم تواجهه عمتها؟ كان السؤال معلقاً في الهواء، ينتظر الإجابة، ولكنه كان يترك شعوراً عميقاً بالتشوق لما سيأتي، وللتحولات القادمة التي لا مفر منها.