لقاء القدر الجزء الثاني

خيوط الماضي المتشابكة

بقلم مريم الحسن

بعد اكتشاف الرسائل القديمة، شعرت سلمى بأن عالمها قد اتسع ليشمل أبعاداً جديدة، أبعاداً لم تكن تدرك وجودها من قبل. لم تعد مجرد فتاة تستعد للزواج، بل أصبحت جزءًا من قصة أعقد، قصة أجيال خلت، تحمل في طياتها أسراراً مدفونة. بدأت تتحدث مع والدتها لساعات طويلة، تستجلي تفاصيل حياة عمتها فاطمة، تبحث عن أي معلومة قد تلقي الضوء على "أحمد" المذكور في الرسائل.

"كانت فاطمة فتاة رقيقة، مرهفة الحس." قالت والدتها، وهي تتصفح إحدى الصور الباهتة، حيث تظهر عمتها مبتسمة، وعيناها تلمعان ببهجة. "كانت تحلم بالكثير، ولكن الحياة لم تكن رحيمة بها دائماً."

"ولماذا لم تتزوج عمتي؟" سألت سلمى.

"بعد قصة حبها مع أحمد، يبدو أنها فقدت الأمل في الزواج. اختفت لفترة، ثم عادت، لكنها لم تكن نفسها. أصبحت أكثر انعزالاً، وأكثر حزناً. ثم سافرت، واختفت. لم نعرف عنها شيئاً لسنوات. ثم وصلتنا أخبار أنها... توفيت في بلد بعيد."

كانت قصة عمتها فاطمة مؤلمة، وكانت سلمى تشعر بتعاطف عميق معها. لكنها كانت تتساءل: من هو أحمد؟ هل كان مجرد حبيب من الماضي، أم أن له دوراً أكبر؟ هل يمكن أن يكون هناك أي ارتباط بينه وبين خالد، وبين مشاكل خالد؟

في هذه الأثناء، كان خالد في حالة اضطراب متزايد. المكالمة من كمال الغامدي لم تكن مجرد حادث عابر. بدأت تصل رسائل تهديد مبطنة، وتلميحات خفية عن معرفة كمال بتفاصيل حياته الخاصة، وحتى بعلاقته بسلمى. كان يشعر بأن كمال يراقبه، ويضغط عليه.

"لقد فقدت ما ليس لي." قال خالد لأحمد، وهو يحتسي القهوة في مقهاهم المفضل. "لكنني لم أكن السبب. كان هناك الكثير من الظروف المعقدة."

"هل تعتقد أن كمال يعتقد أنك تسببت في خسارته؟" سأل أحمد.

"أعتقد ذلك. ولكنه يحاول ابتزازي. يهدد بنشر أشياء عن الماضي، أشياء قد تؤثر على سمعتي، وعلى... على مستقبلي."

"وعلى علاقتك بسلمى." أضاف أحمد، ونبرته تحمل قلقاً عميقاً.

"بالضبط. أخشى أن يتسبب هذا كله في إبعاد سلمى عني. أخشى أن تتأثر عائلتها، وأن يفسد كل ما بنيناه."

لم يكن أحمد راضياً عن هذا الوضع. لطالما كان مدافعاً قوياً عن الحق، وعن مبدأ "الأخذ بالثأر" المعنوي، وليس بالشر. قرر أن يقوم ببعض التحريات. بدأ بالبحث عن أي معلومات عن "كمال الغامدي"، وعن "المشروع الضائع". كانت لديه بعض المعارف في عالم الأعمال، وبدأ يتصل بهم.

وبينما كان خالد يكابد ضغوط كمال، كانت سلمى تكتشف خيطاً آخر من الماضي. في رسالة قديمة أخرى، وجدت ذكرًا لـ "أحمد" يتحدث عن "مشروع كبير". لم يكن هناك تفاصيل واضحة، لكن النص كان يحمل شغفاً وحماساً. كانت عمتها فاطمة تكتب عن أحلام أحمد، وعن طموحاته، وعن حبه لها.

"أحمد يؤمن بأننا سنبني عالماً أفضل بيدينا." قرأت سلمى بصوت مرتجف. "يقول أن هذا المشروع سيغير كل شيء. أتمنى لو أستطيع مساعدته، لو أستطيع أن أكون جزءاً من رؤيته."

بدأت سلمى تشعر بأن هناك شيئاً أكبر يحدث. هل كان "أحمد" الذي تتحدث عنه عمتها هو نفسه "أحمد" شقيق خالد؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل كان "المشروع الضائع" الذي يتحدث عنه خالد هو نفس المشروع الذي كان يحلم به حب عمتها؟

قررت سلمى أن تتحدث مع خالد حول هذا الاكتشاف. بعد تردد، اتصلت به.

"خالد، هل لديك بعض الوقت؟ أريد أن أتحدث معك في أمر مهم."

"بالتأكيد يا حبيبتي. هل كل شيء بخير؟" سأل خالد، وشعر بأن شيئاً ما في صوتها يجعل قلبه ينقبض.

"كل شيء... تقريباً. يتعلق الأمر ببعض الاكتشافات المتعلقة بتاريخ عائلتي. يبدو أن هناك تشابهاً غريباً في بعض الأمور."

في نفس اليوم، اجتمع أحمد بخالد. "لقد بدأت في البحث عن كمال الغامدي." قال أحمد. "واكتشفت بعض الأمور. يبدو أن كمال كان شريكاً في مشروع عقاري كبير قبل حوالي عشرين عاماً. المشروع توقف بشكل مفاجئ، وانهار. خسارة كمال كانت هائلة، وكان متهماً بإدارة سيئة. لكن الأهم من ذلك، أن هناك شخصاً آخر كان له دور كبير في هذا المشروع، شخص كان يتمتع بسمعة ممتازة، وشخص كان يُعرف بشغفه ورؤيته. اسمه... أحمد."

تسمر خالد في مكانه. "أحمد؟ أي أحمد؟"

"هذا هو الجزء الغريب يا خالد." قال أحمد، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "الاسم المذكور في بعض الوثائق... هو أحمد."

شعر خالد ببرودة تسري في جسده. كان يتذكر جيداً تلك الفترة. كانت فترة صعبة، مليئة بالتحديات، وكان قد عمل على مشروع كبير في بداياته. لكنه لم يكن يظن أبداً أن له علاقة بهذا الأمر.

"لكنني..." بدأ خالد، وشعر بأن كلماته تضيع.

"أنا أعرف يا خالد. أعرف أنك لم تكن أنت. لكن يبدو أن هناك شخصاً آخر يحمل نفس الاسم، شخص كان له علاقة بهذا المشروع، وهذا الخسارة. وأخشى أن يكون كمال الغامدي يخلط بين الأمور، أو ربما... ربما يستغل هذا التشابه."

في المساء، اجتمعت سلمى بخالد، وقصت عليه ما وجدته في رسائل عمتها فاطمة، عن حبها لـ "أحمد"، وعن أحلامه بمشروع سيغير العالم.

"أحمد؟" سأل خالد، وشعر بأن عقله يدور. "هل تقصدين أحمد الذي كان يحلم بمشروع كبير؟"

"نعم. ولكنني لم أعرف من هو. والآن، بعد أن تحدثت مع شقيقك أحمد، شعرت بأن هناك رابطاً."

تحدث خالد مع سلمى عن اكتشافاته، وعن كمال الغامدي، وعن "المشروع الضائع". بدأت الصورة تتضح، صورة مؤلمة، ومعقدة. كان هناك "أحمد" في ماضي عمتها فاطمة، وكان هناك "أحمد" في ماضي خالد، وكان هناك "مشروع ضائع" وخسارة مالية كبيرة.

"أخشى يا سلمى." قال خالد، وهو يمسك بيدها بقوة. "أخشى أن تكون هذه كلها خيوطاً متشابكة من الماضي، وأن يكون هناك من يحاول العبث بنا. يبدو أن قصة عمتك فاطمة، وقصتي، قد تتقاطعان بطريقة لم أتخيلها أبداً."

نظرت سلمى في عيني خالد، ورأت فيهما مزيجاً من القلق، والحيرة، والأمل. "ولكن إذا كانت هناك قصة حب قديمة، وقصة مشروع قديم، فربما هناك أيضاً فرصة لإعادة بناء شيء ما، أو لحل لغز قديم."

كانت هذه اللحظة هي ذروة التشابك. خيوط الماضي بدأت تتكشف، مثيرة أسئلة عميقة، ومهددة بمواجهات لم تكن متوقعة. شعرت سلمى بثقل التاريخ على كتفيها، بينما شعر خالد بأن شبح الماضي بدأ يلقي بظلاله الطويلة على مستقبله.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%