لقاء القدر الجزء الثاني
لقاءٌ تحت ظلال النخيل
بقلم مريم الحسن
أمر الحاج "عبد الرحمن" بتجهيز استراحةٍ صغيرة تقع خارج المدينة، محاطة ببساتين النخيل الوارفة، حيث الهواء عليل، والهدوء يسود. كانت هذه الاستراحة، التي ورثتها العائلة عن جدٍ لهم، ملاذاً لهم في أيام العطل، ومكاناً يجتمعون فيه في المناسبات الخاصة.
في عصر اليوم التالي، بعد أن انتهت "لؤلؤة" من صلاتها، ارتدت ثوباً بلون السماء الزرقاء، مع وشاحٍ أبيض بسيط. كان قلبها ينبض بالإثارة، ممزوجةً ببعض القلق. كانت هذه أول فرصةٍ حقيقية لها لتتحدث مع "أحمد" بعيداً عن الأعين الرسمية، لتستكشف ما إذا كان هذا الارتباط القادم يحمل في طياته الأمل الذي تبحث عنه.
عند وصولها إلى الاستراحة، وجدت عائلتها قد سبقتها. كان والدها يتحدث مع الحاج "إبراهيم"، ووالدتها تتبادل أطراف الحديث مع زوجة الحاج "إبراهيم". كان "أحمد" يقف بجوار والده، يبتسم بهدوء.
عندما لمحته "لؤلؤة"، شعر "أحمد" بأن قلبه تسارع. كانت أجمل مما يتذكر. رقةٌ في حركاتها، وهدوءٌ في ملامحها، وسحرٌ يأسر العين.
"مساء الخير،" قالت "لؤلؤة" بصوتٍ خافت، وهي تتبادل التحية مع الجميع.
"مساء النور يا ابنتي،" أجاب الحاج "إبراهيم"، وابتسامةٌ واسعة ترتسم على وجهه.
"تفضلي بالجلوس،" أشار الحاج "عبد الرحمن" إلى مقعدٍ فارغ بجواره.
جلست "لؤلؤة" بجوار والدتها، وهي تشعر ببعض الارتياح. كان الجو عائلياً، خالياً من أي تشنج.
بعد وقتٍ قصير، قال الحاج "إبراهيم": "ربما نترك الشابين ليتحدثا قليلاً؟"
نظر الحاج "عبد الرحمن" إلى "لؤلؤة" وإلى "أحمد"، ثم ابتسم. "بالتأكيد. هيا بنا يا "فاطمة" و"زوجة الحاج إبراهيم"، لنتناول بعض التمر والقهوة."
نهض "أحمد" و"لؤلؤة" في نفس الوقت، وكأن هناك اتفاقاً غير مرئي بينهما. قاما بالسلام على والديهما، ثم اتجها نحو حديقة الاستراحة، حيث تجلس أشجار النخيل شاهقة، وتنتشر عبير الزهور البرية.
جلسا على مقعدٍ حجري قديم، تحت ظل نخيلٍ عتيق. كان صمتٌ قصيرٌ يلفهما، صمتٌ مليءٌ بالترقب، وببعض التردد.
"شكراً لكِ على الموافقة على هذا اللقاء،" بدأ "أحمد" الحديث، وصوته هادئ.
"الشكر لك أنت،" أجابت "لؤلؤة"، وهي تنظر إلى الأرض. "أعتقد أننا بحاجة إلى هذا الوقت."
"بالتأكيد. الزواج قرارٌ مصيري، ويجب أن نكون على يقينٍ منه."
"نعم، أعرف. خاصةً وأن الموعد قريب."
"ثلاثة أيام،" قال "أحمد" وهو يتنهد. "أعتقد أن هذا الوقت قصير جداً، لكني سأبذل قصارى جهدي لاستغلاله."
"وأنا كذلك."
"لؤلؤة،" قال "أحمد" وهو يلتفت إليها، وابتسامةٌ دافئة ترتسم على وجهه. "أنا معجبٌ بكِ كثيراً. لقد سمعت عنكِ الكثير، ورأيت فيكِ ما جعلني أؤمن بأنكِ ستكونين خير زوجة لي."
شعرت "لؤلؤة" بخجلٍ خفيف، لكنها رفعت عينيها لتلتقي بنظراته. "وأنا كذلك يا أحمد. سمعت عنك أيضاً، ورأيت فيك الشاب الصالح والطموح."
"لكن، هل هناك شيءٌ يقلقك؟ شيءٌ تودين أن تعرفيه عني أكثر؟" سأل "أحمد" بصدق.
فكرت "لؤلؤة" للحظة. ماذا تخبره؟ عن مخاوفها؟ عن أحلامها؟ "لا أعرف،" قالت بصراحة. "ربما فقط أريد أن أعرف هل تشاركني نفس النظرة للحياة؟ هل تؤمن بأن السعادة ليست فقط في النجاح المادي، بل في بناء أسرةٍ مسلمة، تقوم على المحبة والاحترام؟"
"بالتأكيد! هذا هو هدفي الأسمى. النجاح المادي مهم، لكني أؤمن بأن بناء أسرةٍ صالحة هو الأساس. أريد زوجةً تشاركني هذه الرؤية، وأن أبنائي ينشأون على تعاليم الدين."
"هذا جيد،" قالت "لؤلؤة" وهي تشعر بارتياحٍ أكبر. "أنا أيضاً أؤمن بذلك. أريد زوجاً يكون سندي، وشريك حياتي، وأباً صالحاً لأبنائي."
"وأنا كذلك،" قال "أحمد". "ولكن، هل هناك شيءٌ في حياتي، أو في شخصيتي، جعلكِ تشعرين بالتردد؟"
فكرت "لؤلؤة" مرة أخرى. كانت تذكر أن "أحمد" كان يبدو دائماً رجلاً مشغولاً، يتردد على السفر، ويتعامل مع قضايا كبيرة. "ربما فقط،" قالت بتأتأة، "أشعر أنك قد تكون مشغولاً جداً. وأن وقتك ثمين."
ابتسم "أحمد" ابتسامةً خفيفة. "هذا صحيح، أنا أعمل كثيراً، ولدي مسؤوليات كبيرة. لكن هذا لا يعني أنني لن أخصص وقتاً لبيتي وزوجتي وأبنائي. بالعكس، هذا هو السبب الذي يجعلني أرغب في الزواج. أريد أن أعود إلى بيتٍ دافئ، إلى زوجةٍ تشاركني لحظات السعادة والتعب."
"هذا مريحٌ أن أسمع،" قالت "لؤلؤة".
"وماذا عنكِ؟ هل لديكِ أحلامٌ معينة، طموحاتٌ تسعين لتحقيقها؟" سأل "أحمد".
"أنا أحب القراءة كثيراً،" قالت "لؤلؤة"، وعيناها تلمعان. "وأرغب في تطوير نفسي، ربما في مجالٍ يجمع بين الأدب والتربية. أريد أن أكون أماً صالحة، وأن أساهم في تربية جيلٍ واعٍ."
"هذا رائع! وأنا أدعمكِ تماماً في ذلك. سأشجعكِ على تحقيق كل ما تطمحين إليه."
استمر حديثهما طويلاً، تحت ظلال النخيل. تحدثا عن أمورٍ كثيرة، عن القيم، عن الأهداف، عن المستقبل. شعرت "لؤلؤة" بأن الحواجز التي كانت تفصل بينهما بدأت تتلاشى. شعرت بأن "أحمد" رجلٌ صادق، قلبه كبير، ورؤيته للحياة تتفق مع رؤيتها.
عندما بدأ غروب الشمس يلقي بآخر خيوطه الذهبية، نهضا للعودة إلى والديهما. كان لكل منهما شعورٌ جديد. شعورٌ بالأمل، وببعض الثقة، وبفرحةٍ هادئة.
"لؤلؤة،" قال "أحمد" وهو يقف أمامها، وبصره يخترق بصرها. "لقد شعرت اليوم بارتياحٍ كبير. وأعتقد أننا على الطريق الصحيح."
"وأنا كذلك يا أحمد،" أجابت "لؤلؤة"، وشعرت بابتسامةٍ ترتسم على وجهها.
عندما عادوا إلى والديهما، سألهما الحاج "عبد الرحمن" بفضول: "ماذا كان رأي الشباب؟"
ابتسم "أحمد" ولوحت "لؤلؤة" برأسها موافقة.
قال الحاج "إبراهيم" بسعادة: "الحمد لله. يبدو أن الأمور تسير على ما يرام."
في طريق العودة إلى المنزل، كانت "لؤلؤة" تفكر في "أحمد". لم تعد تشعر بنفس القدر من القلق. ربما كان هذا القدر، وربما كان هذا الاختيار صواباً. في تلك اللحظة، شعرت بسلامٍ داخلي، وبأملٍ جديد يغمر قلبها.