لقاء القدر الجزء الثاني

قيود الشهوة

بقلم مريم الحسن

كانت نسمة الصباح تداعب وجنتيها، تحمل معها عبير الياسمين المتفتح في فناء قصر والدها، لكن روحها كانت تعتريها عاصفة هوجاء. وقفت أمام المرآة، تتأمل انعكاسها الباهت، عيناها غائرتان، وملامحها تحمل أثر سهاد طويل. لم تكن لياليها تمر هانئة منذ ذلك اللقاء الذي قلب كيانها رأساً على عقب. كان ذكرى عبد الرحمن، بابتسامته الهادئة وكلماته الرصينة، ترسم على شفتيها ابتسامة خفيفة، سرعان ما يخبو نورها حين تذكر الخوف الذي استحوذ عليها.

لقد تسلل إليه إحساس غريب، أشبه بالدوار، حين تحدثت معه عن مستقبلها. لم يكن الأمر مجرد كلام عابر، بل كان ينطوي على تساؤلات جوهرية حول مسار حياتها، وحول الدور الذي تلعبه في هذا العالم. كانت تؤمن بأن الزواج هو رباط مقدس، وثمرة الحب الطاهر، لكن ما شعرت به تجاه عبد الرحمن تجاوز حدود المألوف. كان شوقاً عميقاً، رغبة جامحة في القرب، لم تكن لتفهم مصدرها.

في هذه الأثناء، كان عبد الرحمن قد دخل مرحلة جديدة من الاضطراب. كانت صورة لمياء تخالجه في كل وقت وحين. لم يكن يتذكر تاريخاً لأمرأة ملكت عليه قلبه هكذا. منذ لقائه بها، وجد نفسه في صراع داخلي لم يعهده من قبل. كانت أخلاقه، وتربيته، وقيمه الراسخة، تصطدم برغبة جامحة لم يفهمها. كان يخشى أن تكون هذه مجرد زوبعة عابرة، إعجاباً مؤقتاً، لكن قلبه كان يناديه بشدة، يخبره بأنها شيء أعمق من ذلك.

"هل تدركين ما تفعلين بنفسك يا ابنتي؟" صوت والدتها اخترق صمت الغرفة، وهي تقف عند الباب، تحمل في يديها صينية الشاي. "أراكِ شاردة الذهن، ضعيفة البنية. هل مرضتِ؟"

نظرت إليها لمياء، بعينين تحملان مزيجاً من الحنان والأسى. "لا يا أمي، لست مريضة. كل ما في الأمر أنني أفكر كثيراً."

"في ماذا تفكرين؟" سألت الأم، واقتربت منها، تضع يدها على جبينها. "وجهكِ ساخن قليلاً. ربما تحتاجين إلى الراحة."

"أفكر في مستقبلي، يا أمي." قالت لمياء، وهي تتجنب النظر في عيني والدتها. "أفكر في الزواج، وفيمن أريد أن أشاركه حياتي."

ابتسمت الأم ابتسامة دافئة. "هذا أمر طبيعي يا عزيزتي. لا شك أن هناك الكثير من الشباب الذين يطمعون في يدكِ. لكن عليكِ أن تختاري بعناية، وأن تختاري من يخاف الله فيكِ، ومن يحفظ كرامتكِ."

"وماذا لو اخترتُ؟" سألت لمياء، بصوت خافت، كأنها تتحدث مع نفسها. "ماذا لو كان قلبي قد اختار بالفعل؟"

نظرت الأم إليها باستغراب. "هل تقصدين أن هناك من تقدم لكِ؟"

هزت لمياء رأسها ببطء. "ليس بالمعنى الحرفي يا أمي. لكنني قابلت شخصاً... شخصاً جعلني أشعر بشيء لم أشعر به من قبل."

"ومن هو هذا الشخص؟" سألت الأم، بحماس. "هل هو من عائلة طيبة؟ هل هو على خلق ودين؟"

تنهدت لمياء. "اسمه عبد الرحمن. وهو... هو شخصية مرموقة. ولكن..." ترددت، لم تعد تعرف كيف تبدأ.

"ولكن ماذا؟" شجعتها الأم.

"ولكنني أخشى... أخشى أن يكون هذا الإعجاب مجرد وهم، وأن يكون قلبي قد انقاد وراء رغبة عابرة. أخشى أن أكون قد تعلقِتُ بشخص لا يليق بي، أو ربما لا يبادلني الشعور نفسه."

"لا تخافي يا ابنتي." قالت الأم، وهي تمسك بيدها. "قلبكِ هو مرآة روحكِ. إذا كان يشعر بشيء، فلا بد أن يكون صحيحاً. الأهم أن تتحري عن هذا الشاب، وأن تعرفي سيرته، وأن تتأكدي من دينه وخلقه."

لم تجد لمياء في كلمات والدتها ما يطمئنها تماماً. كان الخوف من الانقياد وراء الشهوة، وراء ما شعرت به من انجذاب جسدي وعاطفي لم تعتده، هو ما كان يعذبها. كانت تخشى أن تكون قد وقعت في فخ، فخ الرغبة الجامحة التي قد تقودها إلى طريق لا تحمد عقباه.

وفي تلك الأثناء، كان عبد الرحمن يقضي وقتاً طويلاً وحيداً في مكتبه. كانت أوراقه مبعثرة، والأقلام ملقاة بعشوائية. لم يعد قادراً على التركيز في عمله. كانت صورة لمياء تتراقص أمام عينيه، ضحكاتها، ابتسامتها، نظراتها العميقة. كان يشعر وكأنها قد غزت روحه، وأصبحت تشغل كل تفكيره.

"يا له من ضعف!" تمتم لنفسه، وهو يضرب بقبضته على المكتب. "كيف لي أن أسمح لامرأة بالسيطرة عليّ هكذا؟ أنا عبد الرحمن، ولستُ طفلاً يلهو. كيف أصبحتُ عبداً لهذه المشاعر؟"

كان يشعر بخجل عميق من نفسه. كان دائماً قوياً، حازماً، يتحكم في انفعالاته. أما الآن، فقد شعر بالهشاشة، بالضعف. كان يرى في هذا الانجذاب خطراً على سمعته، وعلى مساره المهني، والأهم، على قيمه. كان يؤمن بالحب الطاهر، وبالعلاقة المبنية على الاحترام والتقدير، لا على الشهوة العابرة.

"هل هذه مجرد رغبة جسدية؟" سأل نفسه، وهو يتكئ على ظهر كرسيه، وعيناه تحدقان في السقف. "أم أنها بداية حب حقيقي؟"

لم يكن يعرف الإجابة. كان قلبه مضطرباً، وعقله في صراع. كان يتذكر حديثه مع لمياء، كيف تحدثت بعفوية، وكيف بدت عليها البراءة. كان يشعر بجاذبية قوية نحوها، لكنه كان يخشى أن تكون هذه الجاذبية مبنية على أسس واهية.

"يجب أن أتجاوز هذا." قال لنفسه بحزم. "يجب أن أركز على عملي، وأن أنسى أمر هذه الفتاة. إنها مجرد لقاء عابر، ولن يتحول إلى شيء."

لكن كلماته لم تكن تقنع روحه. كانت لمياء قد تركت أثراً عميقاً فيه، أثراً لم يستطع أن يمحوه. كانت صورها تتسلل إلى أحلامه، وكانت ذكراها ترافقه في يقظته. كان يشعر وكأنه أصبح مدمناً عليها، مدمناً على وجودها، على صوتها، على كل ما يتعلق بها.

كانت هذه "الشهوة" الجديدة، كما أسماها في سريرته، تهدد حياته الهادئة، وتهدد سيطرته على نفسه. كان يشعر بخوف حقيقي من أن يفقد ذاته، وأن ينقاد إلى طريق قد يندم عليه. كان يعلم أن الحب الحقيقي يجب أن يكون في إطار شرعي، وأن العلاقة بين الرجل والمرأة يجب أن تكون مقدسة، مبنية على الزواج. لكن قلبه كان يصرخ باسم لمياء، وكان يخشى أن يواجه هذا الصوت بصوت عقله.

في تلك الليلة، لم ينم عبد الرحمن. ظل مستيقظاً، يتصارع مع أفكاره، مع مشاعره. كانت لمياء قد فتحت أبواباً في روحه لم يكن يعرف بوجودها. كانت هذه الأبواب تحمل معها وعداً بالحب، وخطر الوقوع في فخ الشهوة. كان يعلم أن الطريق أمامه لن يكون سهلاً، وأن عليه أن يواجه هذا الصراع الداخلي بشجاعة، وأن يتخذ قرارات قد تغير مجرى حياته. كانت هذه "الشهوة" هي البداية، وكانت المعركة قد بدأت للتو.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%