لقاء القدر الجزء الثاني
وهم الشوق
بقلم مريم الحسن
عاد عبد الرحمن إلى عالمه المعتاد، لكنه لم يعد كما كان. كانت عيناه تحملان ظلالاً من الارتباك، وابتسامته لم تعد تصل إلى أعماقه. كان يحاول جاداً أن يغرق نفسه في أعباء العمل، وأن يجد عزاءً في إنجازاته المهنية. لكن صورته، لمياء، كانت تظهر في كل زاوية، في كل ورقة، في كل حديث.
"لم أعد أحتمل هذا." قال لنفسه في إحدى الليالي، وهو يتكئ على نافذة مكتبه، يتأمل النجوم المتلألئة في السماء. "كيف استطاعت هذه الفتاة أن تمتلك عليّ كل هذا؟"
كان الأمر أشبه بإدمان. إدمان على رؤيتها، على سماع صوتها، على مجرد التفكير بها. كان يتذكر كل تفصيل من لقائهما الأول، من النظرة الأولى إلى الكلمة الأخيرة. كان يرى في عينيهما براءة ونقاء، ولكنه كان يخشى أن يكون هذا مجرد ستار يخفي وراءه شيئاً آخر. كان يخشى أن تكون رغبته هذه مجرد شهوة عابرة، وهمٌ كبير يحركه.
"لو كانت هذه مشاعر حب حقيقية، لكانت في إطار شرعي." كانت هذه الجملة تدور في رأسه كصدى. كان يؤمن بالزواج، بالأسرة، بالحب الطاهر الذي ينمو في ظل الشرع. أما ما كان يشعر به الآن، فكان أشبه بالعاصفة، بالزلزال الذي يهز أركان حياته.
في المقابل، كانت لمياء تعيش حالة من الذهول. كانت كلما فكرت في عبد الرحمن، شعرت بالخفقان المتسارع في صدرها، وبالدفء الذي يسري في عروقها. كانت تحاول أن تقنع نفسها بأن ما تشعر به هو مجرد إعجاب، وأنها تبالغ في تقدير الأمور. لكن قلبها كان يرفض الاستماع، كان ينبض باسمه.
"هل هذا حلال؟" سألت نفسها في إحدى الليالي، وهي تبكي بصمت. "هل هذا الحب الذي أريده؟"
كانت تخشى أن تكون قد انقادت وراء وهم، وراء رغبة جسدية لم تكن لتتوقعها. كانت تخشى أن تكون قد أخطأت في حق نفسها، وفي حق قيمها. كانت عائلتها قد غرست فيها حب الدين، واحترام القيم، والبحث عن الحلال. أما ما كانت تشعر به تجاه عبد الرحمن، فكان أشبه بالخوف، وبالرغبة الجامحة التي لم تستطع أن تفهمها.
"أمي." قالت لوالدتها ذات يوم، وهي تجلس معها في الحديقة. "ماذا لو شعرتِ بالحب تجاه شخص، ولكنكِ تخشين أن يكون هذا الحب مجرد رغبة عابرة؟"
نظرت الأم إليها، وعيناها مليئتان بالحنان. "الحب يا ابنتي، هو شعور طاهر. إذا كان صادقاً، فهو ينمو في القلب، ويثمر في الحياة. أما الرغبة العابرة، فهي كالسراب، تختفي عندما تقترب منها."
"ولكن كيف أعرف الفرق؟" سألت لمياء، وعيناها تلمعان بالدموع. "كيف أعرف أن هذا الشعور ليس مجرد وهم؟"
"بالبحث والتقصي يا ابنتي." أجابت الأم. "إذا كان هذا الرجل جديراً بحبكِ، فسيظهر ذلك من خلال أخلاقه، وسيرته، وخوفه من الله. وإذا كانت مشاعركِ صادقة، فسوف تشعرين بالسكينة والطمأنينة عندما تفكرين فيه، وبدافع قوي للارتباط به في إطار شرعي."
لم تطمئن لمياء تماماً. كان الشك لا يزال يقبض على قلبها. كانت تخشى أن تكون قد تسرعت في الحكم، وأن تكون قد أساءت فهم ما تشعر به.
في هذه الأثناء، كان عبد الرحمن قد قرر أن يبتعد قليلاً. أراد أن يمنح نفسه بعض الوقت للتفكير، وأن يخفف من حدة هذه المشاعر التي كانت تستنزفه. قرر أن يسافر لبضعة أيام، وأن يبتعد عن كل ما يذكره بلمياء.
"سأذهب إلى مكان هادئ." قال لصديقه المقرب، عمر. "أحتاج إلى بعض الوقت لأجمع شتاتي، ولأعيد ترتيب أفكاري."
"هل كل شيء على ما يرام؟" سأل عمر، بقلق. "هل هناك ما يزعجك؟"
"لا شيء محدد." أجاب عبد الرحمن. "فقط بعض الضغوط في العمل. أحتاج إلى استراحة."
كان يكذب. كان يعلم أن السبب الرئيسي لرغبته في الابتعاد هو لمياء. كان يخشى أن يضعف أمامها، وأن يرتكب خطأ قد يندم عليه. كان يشعر بأنه على وشك أن يسقط في هوة سحيقة، وأنه يحتاج إلى قوة أكبر ليتجاوزها.
خلال فترة غيابه، كان يحاول أن يشغل نفسه بكل ما هو مفيد. قرأ الكثير من الكتب، ومارس الرياضة، وأمضى وقتاً في التأمل. لكن صورته، لمياء، كانت لا تزال ترافقه. كانت كلماتها، ضحكاتها، نظراتها، تتردد في عقله.
"هذا وهم." قال لنفسه مراراً وتكراراً. "هذا مجرد وهم. لا يمكن أن أسمح لنفسي بالوقوع في هذا الخطأ."
كان يصارع إدمانه الجديد. إدمان على ذكرى لمياء، على خيالها. كان يشعر بأن هذا الوهم بدأ يسيطر عليه، وأنه يفقد السيطرة على حياته. كان يشعر بالخوف من أن يصبح عبداً لهذه الرغبة، وأن يفقد احترامه لنفسه، وقيمه.
"يجب أن أكون قوياً." قال لنفسه، وهو يقف أمام المرآة، يتأمل انعكاسه. "يجب أن أقاوم هذا الوهم، وأن أبحث عن الطمأنينة في ما هو حلال."
لكنه كان يعلم أن المعركة ليست سهلة. كانت لمياء قد تركت في قلبه أثراً عميقاً، أثراً لم يستطع أن يمحوه. كانت هذه "الشهوة" الجديدة، أو "الوهم" كما أسماه، هي البداية، وكانت المعركة قد اشتدت. كان يشعر بالضياع، وبالحيرة، ولا يملك إلا أن يدعو الله أن يهديه إلى الطريق الصحيح.