قصة حب حقيقية
وهج الشوق وخبايا القلب
بقلم فاطمة النجار
تسللت خيوط الفجر الذهبية بخجل من ستائر النافذة، لتوقظ نور الدين من سباته العميق، لكن عينيه لم تلتقطا هذا الجمال المعهود. كان قلبه يخفق بعنف، كطائر محبوس في قفص، تتقاذفه موجات من القلق والحيرة. استيقظت روح الحقيقة لديه، تلك التي طالما كتمها تحت طبقات من الصمت والتظاهر. لقد صارحتها ليلى بكل ما في قلبها، بكل ما اعتمل فيها من حب صادق، حب لم يعرف مسلكاً سوى دروب الطهر والعفاف. لكن هذا الصدق، الذي كان ينتظره ويرجو حدوثه، بات الآن كالسيف المسلط على رقبته.
تذكر كلامها، كلماتها الهامسة التي حملت معها ثقل السنين، وصدق مشاعرها التي فاضت كالنهر الجارف. "يا نور الدين، إن قلبي لم يعرف سكوناً قط إلا حين استقر في رحاب حبك. أحببتك قبل أن أعرف معنى الحب، أحببت فيك النقاء، وفي أخلاقك الشمائل، وفي روحك النور. لم يكن حب شهوة، بل كان هدىً يرشدني إليك، ونداءً يحثني على التقرب منك. إنني أقف اليوم أمامك، وقد فاض بي الكيل، ولم يعد في روحي متسعٌ لستر ما أكن. إنني أحبك، يا نور الدين، أحبك حباً يليق بما تعلمتُه منك، حباً يسعى رضا الله، وحبّاً يبتغي جمع شملنا في كنف حلال. إنني لا أريد إلا أن أكون زوجتك، شريكة دربك، رفيقة حياتك. هذا هو أقصى ما تتمناه روحي."
تنهد نور الدين بعمق، وهو يقلب وجهه على الوسادة. هل كان ذلك حلماً؟ أم كانت حقيقة مؤلمة؟ ليلى، الفتاة التي رآها في البداية مجرد طيفٍ بعيد، زميلة دراسة، ابنة شيخٍ فاضل، كيف صارت كل هذا؟ كيف صار قلبها ينبض بحبه، وبهذه القوة، وبهذا الإخلاص؟ لقد كان دائماً ينظر إليها بإعجاب، يقدر حلمها، يحترم ورعها، ويستلهم من صبرها. كان يرى فيها نموذجاً للمرأة الصالحة، التي لا تسعى خلف زائل، بل ترنو إلى الأبقى. لكنه لم يتخيل يوماً أن تكون هذه المشاعر متبادلة، بهذا العمق، وبهذه الحدة.
لقد كان يخاف من هذا اليوم، يخاف من أن تتكشف الحقائق، وأن تنكشف أوهامه. كان يعيش في عالمٍ صنعته يداه، عالماً من التردد والخوف. هل هو حقاً جاهزٌ لهذا الحب؟ هل هو أهلٌ لقلبٍ كهذا؟ لقد نشأ في بيئةٍ تقدر العفة، وتصون الأعراض، وتنظر إلى الزواج كرباط مقدس، لا مجرد اتفاق. وكانت ليلى، بمثل هذه الصفات، كأنها جوهرةٌ ثمينة، لا يليق بها إلا قلبٌ نقيٌّ كقلبها.
ولكن، ماذا عن ماضيه؟ ماذا عن تلك السنوات التي قضاها في الخارج، يطلب العلم، ويرتاد مجالس الشباب؟ هل كان يحمل في قلبه بقعةً سوداء، قد تدنس نقاء هذه العلاقة؟ كان يتذكر بعض اللحظات، بعض الصداقات، بعض الأفكار التي راودته في غمرة حداثته. هل يمكن أن تكون هناك خفايا، لم يفصح عنها لأحد، ولا حتى لنفسه، قد تكشف الآن وتدمر كل شيء؟
الشاب الذي عرفته ليلى، الشاب الذي أحبته، هل هو نفس الشاب الذي يقف الآن في مواجهة هذه الحقيقة؟ إن ماضي الإنسان، مهما صغر، قد يلقي بظلاله على مستقبله. لقد كان حريصاً دائماً على أن يكون مثالاً يحتذى به، وأن يمثل صورةً مشرقةً للإنسان المسلم. لكن هل حقق ذلك دائماً؟
تذكر اللحظة التي دخلت فيها ليلى إلى مكتبه، بكلماتها الصادقة، بنظراتها الشفافة. رأى في عينيها شيئاً لم يره في عيون أخريات، رأى صدقاً، ورأى رجاءً، ورأى ثقةً عمياء. كيف يمكن أن يخيب هذه الثقة؟ كيف يمكن أن يرد حباً بهذه النقاء؟
في اللحظة نفسها، رن هاتفه. كان رقم والده. رفع الهاتف بتردد، وشعر ببرودة تسري في عروقه. "نعم يا أبي؟" "نور الدين، هل أنت بخير؟ سمعتُ أنك قضيت الليلة متأخراً في المكتبة. هل حدث شيء؟" صوت الأب كان قلقاً، فيه نبرةٌ أدركها نور الدين فوراً. "لا يا أبي، كل شيء على ما يرام. كنتُ أبحث عن بعض المراجع. لا تقلق." "أتمنى ذلك يا بني. تذكر دائماً أن القلوب لا تحتمل كثرة الأسرار. ما تكتمه اليوم، قد يظهر غداً بصورةٍ مؤلمة."
أغلق نور الدين الهاتف، وكلمات والده لم تزد إلا الطين بلة. "ما تكتمه اليوم، قد يظهر غداً بصورةٍ مؤلمة." هل كان والده يعلم شيئاً؟ هل كانت هناك علاقة بين كلمة ليلى وكلمات والده؟
وقف نور الدين من سريره، وسار نحو النافذة. كانت الشمس قد ارتفعت تماماً، ترسل أشعتها الدافئة على المدينة. المدينة التي شهدت بداية قصته مع ليلى، والمدينة التي قد تشهد الآن نهايتها، أو ربما بداية فصلٍ جديدٍ لا يعلم نهايته إلا الله.
لقد اتخذ قراره. لم يعد يحتمل العيش في ظل الشك والخوف. يجب أن يواجه الحقيقة، بكل ما فيها. يجب أن يكشف أوراقه، وأن يكون صادقاً مع نفسه، ومع ليلى، ومع الله. لقد أحبها، حباً لم يكن يتوقعه، ولكنه كان حباً حقيقياً، حبٌ ينمو في أرض التقوى.
استجمع قوته، وارتدى ملابسه. لم يكن يدري ما سيحدث، ولكنه كان يعلم أن شيئاً قد تغير، وأن باباً قد فُتح، بابٌ لا رجعة فيه. لقد حان وقت المواجهة، وقت كشف المستور، ووقت وضع النقاط على الحروف.
أخذ مفاتيح سيارته، وخرج من الشقة. الهواء الصباحي المنعش لم يهدئ من روعته. كان يشعر وكأن كل خطوة تخطوها قدماه هي خطوة نحو المجهول. ولكنه كان يعلم أن في هذا المجهول، أملٌ، وفي هذا المجهول، قد تكون سعادته.
نظر إلى السماء الزرقاء الصافية. "يا رب، دلني على الصراط المستقيم. يا رب، ارزقني القوة لأواجه ما سيأتي. يا رب، إن كانت ليلى هي قدري، فاهدني إليها، واجمعنا على خير."
كانت الساعة تشير إلى منتصف الصباح. وجهته الأولى كانت مكتب محامٍ معروف، رجلٌ قد يكون مفتاحاً لحل لغزٍ معقدٍ كان يثقل كاهله. لم يكن الأمر سهلاً، ولكن الطريق إلى الحقيقة نادراً ما يكون مفروشاً بالورود. لقد كان مستعداً لدفع الثمن، أي ثمن، في سبيل راحة ضميره، وفي سبيل سعادته الحقيقية، سعادةً يرتضيها الله.
لم يكن يعلم أن مجرد قرارٍ اتخذه الآن، سيقلب موازين الحياة رأساً على عقب، وأن ما سيأتي في الساعات القادمة، سيكون أقسى وأشد مما تخيل، ولكنه سيكون أيضاً، الطريق الوحيد إلى خلاص قلبه، وراحة روحه. لقد دخل نور الدين إلى عالمه الخاص، عالماً من الأسرار والخبايا، ولكنه كان يعلم أن هناك نوراً في نهايته، نورٌ قد يبدد كل الظلمات.