الفصل 2 / 25

قصة حب حقيقية

لقاءٌ على رمالِ الذكريات

بقلم فاطمة النجار

اجتاحتْ موجةٌ منْ الفضولِ والترقبِ أرجاءَ قريةِ "واحةِ الأملِ" معَ وصولِ التاجرِ الشابِّ عبدِ الرحمنِ. لمْ يكنْ وجودُه مجردَ حدثٍ عابرٍ، بلْ كانَ بمثابةِ نسمةٍ غيرتْ مجرى الحياةِ الهادئةِ لسكانِ القريةِ. كانتْ الأحاديثُ تتناقلُ همساً بينَ نساءٍ القريةِ ورجالها، تتداولُ الأوصافَ، وتتخيلُ قصصَ هذا الشابِّ القادمِ منْ عالمٍ أوسعَ وأكثرَ تعقيداً.

أما نورا، فكانتْ تشعرُ بمزيجٍ منَ الانبهارِ والارتباكِ. لمْ تقابلْ رجلاً بمثلِ هذهِ الهالةِ منْ الرقيِّ والثقافةِ منْ قبلُ. كانَ حديثهُ يتسمُ بالبلاغةِ، وعيناهُ تحملانِ حكمةً تفوقُ عمرهُ الظاهرَ. كانتْ تراهُ أحياناً وهو يتجولُ في القريةِ، يتحدثُ إلى الناسِ بلطفٍ واحترامٍ، يبدو وكأنّهُ يحملُ همومَهمُ ويشاركهمُ أفراحهمُ.

بعدَ أيامٍ قليلةٍ، وبينما كانتْ نورا تساعدُ والدتها في بيعِ بعضِ المنتجاتِ في سوقِ القريةِ، اقتربَ منها عبدُ الرحمنِ. كانَ يقفُ أمامَ طاولةِ عرضِ والدتها، يتأملُ بصبرٍ وشغفٍ تلكَ المشغولاتِ اليدويةَ التي صنعتْها الأياديُ الكادحةُ.

"السلامُ عليكمْ." قالَ بصوتٍ هادئٍ.

ارتعشَ قلبُ نورا للحظةٍ، ثمَّ أجابتْ بصوتٍ متواضعٍ: "وعليكمُ السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ."

ابتسمَ عبدُ الرحمنِ ابتسامةً رحبةً، وأشارَ إلى بساطٍ صغيرٍ مزخرفٍ بعنايةٍ: "هذا البساطُ جميلٌ جداً. تفاصيلُهُ دقيقةٌ، والألوانُ تحملُ عبقَ الطبيعةِ. منْ صنعتْهُ؟"

شعرتْ نورا بخجلٍ، ثمَّ قالتْ: "أنا يا سيدي. وأمي ساعدتني."

"إنّ لديكِ موهبةً رائعةً." قالَ عبدُ الرحمنِ وهو يتفحصُ البساطَ عنْ قربٍ. "هذهِ ليستْ مجردَ قطعةٍ فنيةٍ، بلْ تحملُ روحَها. كمْ سعرُهُ؟"

ترددتْ نورا قليلاً، ثمَّ ذكرتْ سعراً بسيطاً، سعراً يعكسُ قيمةَ الموادِّ وجهدَ العملِ.

"لا، لا." قالَ عبدُ الرحمنِ مبتسماً. "أعتقدُ أنّ سعرهُ أعلى منْ ذلكَ بكثيرٍ. إنّ هذا الإبداعَ يستحقُ تقديراً أكبرَ." ثمَّ أعطاها مبلغاً يفوقُ ما كانتْ تتوقعهُ بكثيرٍ.

قبلتْ نورا المبلغَ بشيءٍ منَ الدهشةِ، وشعرتْ بامتنانٍ كبيرٍ. كانَ عبدُ الرحمنُ لا يكتفي بكونهِ تاجراً، بلْ كانَ رجلاً كريماً، يرى قيمةَ العملِ وتقديرَ الإبداعِ.

"شكراً جزيلاً لكَ يا سيدي." قالتْ بخجلٍ.

"الشكرُ للهِ." أجابَ. "ففي مثلِ هذهِ الأشياءِ تكمنُ الأصالةُ والقيمةُ الحقيقيةُ. هلْ لديكِ المزيدُ منْ هذهِ القطعِ؟"

"نعمْ، لدينا الكثيرُ." قالتْ نورا، وبدأتْ تعرضُ عليهِ بضائعَ أخرى.

بعدَ أنْ اشترى عبدُ الرحمنُ بعضَ القطعِ، سألَ بترددٍ: "هلْ تمانعينَ إنْ سألتُ عنْ بعضِ الأماكنِ الجميلةِ في هذهِ القريةِ؟ أودُّ أنْ أستكشفَ المنطقةَ."

"بالتأكيدِ." قالتْ نورا بفرحٍ. "هناكْ عينُ الماءِ الصافيةِ في نهايةِ الوادي، ومكانٌ مرتفعٌ نطلُّ منهُ على الصحراءِ بأكملها. إذا سمحتْ والدتكُ، يمكنني أنْ أدلكِ على الطريقِ."

شعرتْ نورا بقلبها يخفقُ بقوةٍ. هلْ يعقلُ أنْ يدعوها هذا التاجرُ الغريبُ لزيارةِ تلكَ الأماكنِ؟

"سأكونُ ممتناً لكِ جداً." قالَ عبدُ الرحمنِ، وبدتْ عينانِ تلمعانِ بشيءٍ منَ السعادةِ. "هلْ هذا ممكنٌ؟"

وبينما كانتْ نورا تستأذنُ والدتها، مرتْ فتاةٌ أخرى منْ أمامِ عبدِ الرحمنِ، كانتْ تسيرُ بخيلاءٍ، عيناها تتبعانِ عبدَ الرحمنِ بنظراتٍ جريئةٍ. كانتْ "ليلى"، ابنةَ شيخِ القريةِ، فتاةٌ معروفةٌ بجمالها وغرورها، وكانتْ تتطلعُ دوماً إلى الظفرِ بالرجالِ الأغنياءِ والأقوياءِ.

ابتسمتْ ليلى ابتسامةً متكلفةً لعبدِ الرحمنِ، وقالتْ بصوتٍ معسولٍ: "أهلاً بكَ يا سيدي. إذا كنتَ تبحثُ عنْ دليلٍ، فأنا في خدمتكَ. أعرفُ كلَّ شبرٍ في هذهِ القريةِ."

شعرَ عبدُ الرحمنِ بحرجٍ طفيفٍ، ثمَّ نظرَ إلى نورا التي كانتْ تنتظرُ ردَ والدتها. "شكراً لكِ يا آنسةَ ليلى. لكنّ الآنسةَ نورا قدْ تفضلتْ بعرضِ مساعدتها."

شعرتْ نورا بنشوةٍ خفيفةٍ، ممزوجةٍ ببعضِ الخوفِ. لمْ تكنْ معتادةً على مثلِ هذهِ المواقفِ.

قبلَ عبدُ الرحمنِ بضعةَ أيامٍ، عرضَ على والديها الكريمانِ عرضاً لمْ تستطعْ الأمُّ رفضهُ. كانَ يودُّ شراءَ بعضِ المنتجاتِ بكمياتٍ أكبرَ، وأنْ يساعدَ في تحسينِ ظروفِ عملِ بعضِ العائلاتِ. أُعجبَ أهلُ القريةِ بكرمهِ وتواضعهِ.

في أحدِ الأيامِ، بينما كانتْ نورا تقومُ بجمعِ الحطبِ قربَ عينِ الماءِ، سمعتْ صوتاً مألوفاً. كانَ عبدُ الرحمنِ. كانَ جالساً على صخرةٍ كبيرةٍ، يتأملُ الماءَ المتدفقَ.

"يا آنسةَ نورا." قالَ عندما رآها. "هلْ هذهِ هيَ عينُ الماءِ التي تحدثتِ عنها؟"

"نعمْ يا سيدي." أجابتْ، متجهةً نحوهُ. "هذهِ هيَ. مياهُها نقيةٌ جداً."

جلسَ عبدُ الرحمنِ بجانبها، وبدأَ يتحدثُ عنْ حياتهِ في المدينةِ، عنْ طموحاتهِ، وعنْ بعضِ التحدياتِ التي يواجهها في عملهِ. كانتْ نورا تستمعُ إليهِ باهتمامٍ بالغٍ، تشعرُ بأنّ عالمها يتسعُ بكلماته.

"الحياةُ في المدينةِ مختلفةٌ تماماً." قالَ عبدُ الرحمنِ. "مليئةٌ بالضغوطِ، وبالتنافسِ. لكنّني أحاولُ دائماً أنْ أجدَ لحظاتِ هدوءٍ، وأنْ أتذكرَ الأماكنَ البسيطةَ التي تنبضُ بالحبِّ والصفاءِ."

نظرتْ نورا إلى السماءِ، ثمَّ قالتْ: "أعتقدُ أنّ الهدوءَ يوجدُ في كلِّ مكانٍ، إذا أردنا أنْ نجدهُ. في بساطةِ الحياةِ، في حبِّ العائلةِ، وفي تقديرِ الأشياءِ الصغيرةِ."

ابتسمَ عبدُ الرحمنِ، وبدا في عينيهِ شيءٌ منَ الإعجابِ. "كلامكِ حكيمٌ جداً يا آنسةَ نورا. ربما يجبُ عليَّ أنْ أتعلمَ منكِ بعضَ دروسِ الهدوءِ."

تحدثا لفترةٍ طويلةٍ، تبادلا الأفكارَ والأحلامَ. شعرتْ نورا بأنّها تتحدثُ معَ صديقٍ قديمٍ، رغمَ أنّهُما لمْ يعرفا بعضهما إلا منذُ أيامٍ قليلةٍ. كانَ هناكَ تفاهمٌ غريبٌ بينهما، شعورٌ بالراحةِ والألفةِ.

عندما بدأتْ الشمسُ تغربُ، وألقتْ بظلالها الطويلةِ على الرمالِ، نهضَ عبدُ الرحمنِ. "يجبُ عليَّ الذهابُ. لكنّني أتمنى أنْ نلتقيَ مرةً أخرى قريباً."

"بالتأكيدِ يا سيدي." قالتْ نورا، وشعرتْ بأنّها تتمنى ذلكَ أيضاً.

مشى عبدُ الرحمنِ مبتعداً، تاركاً وراءهُ بصمةً على رمالِ الذكرياتِ. شعرتْ نورا بأنّ حياتها بدأتْ تأخذُ منحىً جديداً، منحىً لمْ تكنْ تتوقعهُ أبداً. هلْ كانَ هذا اللقاءُ مجردَ صدفةٍ، أمْ أنّ القدرَ كانَ ينسجُ خيوطَ قصةٍ أعمقَ؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%