الفصل 20 / 25

قصة حب حقيقية

سرٌّ قديمٌ يلوح في الأفق

بقلم فاطمة النجار

دقّت ساعة الظهيرة أبواب قلب نور الدين، حاملةً معها ثقل التساؤلات وشبح المجهول. بعد لقائه الأول بالمحامي، السيد فؤاد، عاد نور الدين إلى سيارته، وقد بدت علامات الذهول والإرباك واضحة على محياه. لم تكن كلمات المحامي مجرد كلامٍ رتيب، بل كانت كالصواعق التي ضربت حصون أوهامه.

"سيدي نور الدين،" بدأ السيد فؤاد بصوتٍ هادئٍ ولكنه يحمل صدىً من الجدية، وهو يتصفح بعض الأوراق التي كانت مكدسة أمامه، "أنا هنا لأجل ما أشرت إليه بخصوص قضيةٍ قديمةٍ تتعلق بوالدك. قضيةٌ لا يعلم بها إلا القليلون، ولها تداعياتٌ قد تكون خطيرة."

شعر نور الدين بأن الأرض تميد به. والده؟ قضية؟ لم يكن يتوقع أن يكون لوالده، الرجل الهادئ الذي أمضى حياته في العبادة والعمل الصالح، أي علاقة بقضايا قديمةٍ خطيرة.

"ما هي هذه القضية يا سيدي؟" سأل نور الدين بصوتٍ شبه متهدج.

"إنها تتعلق ببعض التركات، وتداخلاتٍ ماليةٍ حدثت قبل سنواتٍ طويلة، وقت كان والدك شاباً. في تلك الأيام، كان هناك صراعٌ على ملكية أرضٍ واسعةٍ في منطقةٍ ريفيةٍ بعيدة، تورط فيها عددٌ من الأشخاص. للأسف، في خضم هذا الصراع، حدث ما حدث، ولم يتم حل الأمور بالشكل الذي يرضي الجميع."

حبس نور الدين أنفاسه. كان يتذكر أن والده قد ذكر له مرةً، بشكلٍ عابر، أنه كان له بعض النزاعات المالية في شبابه، ولكنه لم يخض في التفاصيل أبداً. لقد اعتقد دائماً أن الأمر قد تم تسويته ببساطة.

"ما الذي حدث بالضبط؟" سأل نور الدين، وقد شعر ببردٍ يسري في عروقه.

"الحقيقة هي أن هناك شخصاً، كان له دورٌ محوريٌّ في هذه القضية، قد اختفى بعد ذلك. ولم يعد له أثر. وقد تركت هذه القضية ندوباً عميقةً في حياة بعض العائلات. وبعد سنواتٍ طويلة، ظهرت مستنداتٌ جديدة، تشير إلى تورط والدك بشكلٍ ما في الأمر. ليست تورطاً مباشراً في أي عملٍ مخالف، بل في تقديم شهادةٍ أو معلومةٍ قد تكون أدت إلى نتيجةٍ معينة."

"ولكن، كيف أصبحت هذه القضية خطيرة الآن؟"

"ببساطة، يا سيدي، عاد أصحاب الحق، أو من يدّعون أنهم أصحاب الحق، للمطالبة بما يرون أنه لهم. ومع ظهور هذه المستندات، أصبح هناك ضغطٌ كبيرٌ لحل القضية بصورةٍ نهائية. والمشكلة هي أن هذه القضية، مرتبطةٌ بأسماءٍ قديمةٍ وشخصياتٍ ذات نفوذ. وقد أصبح والدك، ولو بشكلٍ غير مباشر، في مرمى النيران."

شعر نور الدين وكأن غيمةً سوداء قد تجمعت فوق رأسه. كل ما كان يتصوره عن حياة والده الهادئة، المليئة بالسكينة، قد تحطم في لحظات. لم يكن يتخيل أبداً أن هذه القضية، التي تحدث عنها المحامي، قد تكون لها علاقةٌ بما يمر به الآن.

"هل هناك ما يمكنني فعله؟" سأل نور الدين، وقد استجمع بعضاً من رباطة جأشه.

"أنا أعمل على جمع كل الأدلة الممكنة، لمحاولة تبرئة اسم والدك، أو على الأقل، إثبات عدم مسؤوليته الكاملة. ولكن، هناك أمرٌ آخر، قد يكون له علاقةٌ بما تفعله أنت أيضاً."

رفع نور الدين حاجبيه. "ما هو؟"

"لقد علمت، من خلال مصادري، أن الشخص الذي اختفى في تلك القضية، كان له علاقةٌ وثيقةٌ بشخصٍ آخر، شخصٍ له بصمةٌ واضحةٌ في قصةٍ معقدةٍ جداً، قصةٌ تتعلق بالمال، وببعض الخدع. وقد يكون لهذا الشخص، الذي نتحدث عنه، علاقةٌ بأمورٍ أكبر مما نتخيل."

كان نور الدين يشعر وكأنه يلعب لعبة شطرنجٍ مظلمة، كل حركةٍ تكشف عن قطعةٍ جديدة، وعن احتمالٍ جديدٍ للانكشاف.

"أتفهم أن هذا كله قد يبدو غريباً لك، يا سيدي،" أضاف السيد فؤاد، "ولكن، ما أؤكد عليه هو أن هذه القضية، وعلى الرغم من قدمها، قد تكون هي المفتاح لكشف بعض الحقائق التي لم تكن تعرفها. وأن والدك، على الرغم من براءته الظاهرية، قد يكون عالقاً في شبكةٍ أكبر مما يدرك."

عندما غادر نور الدين مكتب المحامي، كانت أشعة الشمس تبدو باهتةً بالنسبة له. لقد باتت الأمور أكثر تعقيداً مما كان يتخيل. لم تعد مشكلته مع ليلى مجرد سوء فهمٍ أو ترددٍ في المشاعر. لقد انكشفت أمامه طبقةٌ جديدةٌ من الأسرار، أسرارٌ تتعلق بماضيه، وبماضي عائلته، وببعض الأشخاص الذين لم يكن يعرف بوجودهم.

تذكر كلمات والدته، وهي تحذره من بعض أصدقاء والده في شبابه. "بعضهم يا نور الدين، لا يظهرون على حقيقتهم إلا بعد فوات الأوان." هل كانت والدته تقصد شيئاً كهذا؟

عاد نور الدين إلى شقته، ولم يكن يعرف ماذا يفعل. هل يواجه ليلى بهذه المعلومات؟ هل يترك الأمر يتكشف بنفسه؟ كان قلبه متخبطاً، بين رغبته في كشف كل شيء، وبين خوفه من أن تزيد الأمور تعقيداً.

لقد أصبح واضحاً له أن قرار ليلى، بالإفصاح عن مشاعرها، لم يكن مجرد لحظة ضعفٍ أو عاطفةٍ جياشة. لقد كان ذلك القرار، بالنسبة لها، طريقاً للخلاص، وللحصول على حقوقها، وللحفاظ على كرامتها. ولكن، كيف كان هو، نور الدين، قد أخطأ في تقدير الأمور إلى هذا الحد؟

شعر بمسؤوليةٍ ثقيلةٍ تلقى على عاتقه. مسؤوليةٌ تجاه والده، تجاه عائلته، وتجاه ليلى. لقد أحب ليلى، حباً نقياً، ولكنه كان يعلم الآن، أن هذا الحب، قد يكون مرتبطاً ببعض الحقائق المظلمة التي لم يكن على درايةٍ بها.

نظر إلى صورة والده التي كانت معلقةً على الحائط. رجلٌ صالح، متمسكٌ بدينه، كيف يمكن أن يكون متورطاً في قضيةٍ كهذه؟ هل كان يعلم؟ هل كان يحاول حماية نفسه؟

لقد شعر بالارتباك والغضب. غضبٌ على كل من حاولوا خداعه، أو خداع والده. وغضبٌ على نفسه، لأنه لم يكن منتبهاً لهذه الأمور من قبل.

لقد تضاعفت الهموم، وتلاشت راحته. كانت القصة التي ظن أنها قصة حبٍ نقيٍّ، قد تحولت إلى لغزٍ معقدٍ، تتداخل فيه الماضي والحاضر، والحب والخيانة، والبرأة والجريمة.

عاد بالذاكرة إلى الأيام الأولى للقائه بليلى. كانت مجرد زميلةٍ في الدراسة، هادئة، متحفظة. لم يكن يتخيل أن هذه الفتاة الهادئة، تحمل في قلبها كل هذا الحب، وأنها قد تكون جزءاً من قصةٍ بهذا التعقيد.

لقد اتخذ قراراً. قراراً أكثر جرأةً من أي وقتٍ مضى. يجب أن يواجه ليلى، ليس فقط بما في قلبه، بل بما اكتشفه من أسرار. يجب أن يبدأ بحل هذا اللغز، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة أشخاصٍ قد يكونون خطرين.

لكنه لم يكن يعلم، أن هذا القرار، سيؤدي به إلى منعطفٍ آخر، منحطفٌ قد يكون أخطر وأشد إيلاماً. لقد باتت القصة تتكشف، وبتكشفها، تظهر الحقائق المرة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%