قصة حب حقيقية
أصداءُ الشوقِ في صحراءِ القلبِ
بقلم فاطمة النجار
تسللتْ خيوطُ الشمسِ الذهبيةِ عبرَ ستارِ الغرفةِ المتواضعِ، لتوقظَ نورا منْ سباتها العميقِ. لمْ يكنْ مجردَ استيقاظٍ عاديٍّ؛ كانَ استيقاظاً محملاً ببقايا أحلامٍ لمْ تكتملْ، وبمشاعرَ متجددةٍ زرعها لقاءٌ عابرٌ معَ تاجرٍ منْ مدينةٍ بعيدةٍ. في الأيامِ التي تلتْ لقاءَ عينِ الماءِ، لمْ تغبْ صورتهُ عنْ خيالها. كانَ صوتهُ الرخيمُ، وعيناهُ الواسعتانِ، وكلماتهُ التي حملتْ في طياتها حكمةً ورقةً، ترنُ في أذنها باستمرارٍ.
بدأتْ نورا ترى القريةَ بمنظورٍ جديدٍ. كلُّ زاويةٍ، كلُّ دربٍ، كلُّ وجهٍ مألوفٍ، أصبحَ يحملُ في طياتهِ احتمالَ لقائهِ. كانَ ذهابها إلى السوقِ، أوْ قيامها بواجباتها اليوميةِ، يحملُ نوعاً منَ الترقبِ، أملاً في أنْ تلتقيهِ مجدداً. لكنّها كانتْ تخشى أنْ يكونَ هذا الشعورُ مجردَ وهمٍ، أوْ زوبعةَ إعجابٍ عابرةٍ.
في أحدِ الأيامِ، وبينما كانتْ نورا تساعدُ والدتها في فرزِ التمورِ لاستخدامها في وجبةِ العشاءِ، سمعتْ همهمةً غيرَ اعتياديةٍ قادمةً منْ ناحيةِ بيتِ شيخِ القريةِ. أسرعتْ بخطواتها المتخفيةِ، متجاوزةً البيوتَ الطينيةَ المتراصةَ، لتجدَ أنَّ تجمعاً منْ أهلِ القريةِ قدْ تشكّلَ أمامَ منزلِ الشيخِ.
كانَ عبدُ الرحمنِ يقفُ يتحدثُ إلى الشيخِ، ويبدو أنّهُ في نقاشٍ جادٍّ. اقتربتْ نورا بحذرٍ، محاولةً فهمَ مجرى الحديثِ. لمْ يكنْ الأمرُ متعلقاً بالتجارةِ هذهِ المرةَ. كانَ عبدُ الرحمنِ يتحدثُ عنْ مشروعٍ جديدٍ، مشروعٍ يهدفُ إلى تحسينِ سبلِ العيشِ لسكانِ القريةِ، وتوفيرِ فرصٍ تعليميةٍ للشبابِ.
"يا شيخَ القريةِ." كانَ عبدُ الرحمنِ يقولُ بصوتٍ يحملُ حماساً صادقاً. "أنا أرى في هذهِ القريةِ الكثيرَ منَ الإمكانياتِ. شبابٌ طموحٌ، ونساءٌ مبدعاتٌ. لكنّهمُ بحاجةٍ إلى دعمٍ، إلى فرصةٍ ليُبرزوا مواهبهمُ."
تحدثَ عنْ فكرةِ إنشاءِ ورشةٍ صغيرةٍ لتعليمِ الشبابِ حرفةً جديدةً، وعنْ إمكانيةِ إقامةِ فصلٍ دراسيٍّ مسائيٍّ لتعليمِ القراءةِ والكتابةِ للكبارِ. كانَ كلامهُ يفيضُ بالرغبةِ في العطاءِ، وبتقديرِ قيمةِ الإنسانِ مهما كانَ موقعهُ.
شعرتْ نورا بفخرٍ عميقٍ تجاهَ هذا الرجلِ. لمْ يكنْ يراها مجردَ تاجرٍ يبحثُ عنْ الربحِ، بلْ كانَ ينظرُ إلى هذهِ القريةِ كأنّها وطنٌ يستحقُ أنْ يُبنى ويزدهرَ.
بعدَ انتهاءِ حديثهِ معَ الشيخِ، لمحَ عبدُ الرحمنِ نورا تقفُ مترددةً على طرفِ الجمعِ. ابتسمَ لها ابتسامةً واسعةً، وبدا في عينيهِ نورٌ خاصٌ.
"يا آنسةَ نورا." قالَ وهو يتجهُ نحوها. "هلْ سمعتِ ما نتحدثُ عنهُ؟"
"نعمْ يا سيدي." قالتْ بصوتٍ خجولٍ. "إنّها فكرةٌ رائعةٌ."
"أتمنى أنْ تتحققَ." قالَ عبدُ الرحمنِ، ثمَّ تابعَ بنبرةٍ أكثرَ حميميةً: "كنتُ أتساءلُ، هلْ لديكِ وقتٌ غداً بعدَ الظهيرةِ؟ أودُّ أنْ أريكِ بعضَ الكتبِ التي أحضرتها معي منْ المدينةِ. أعتقدُ أنكِ ستحبينها."
تجمدتْ نورا في مكانها للحظةٍ. دعوةٌ أخرى! شعرتْ بنبضاتِ قلبها تتسارعُ. "بالتأكيدِ يا سيدي. سأكونُ سعيدةً جداً."
في اليومِ التالي، بعدَ أنْ أنهتْ نورا أعمالها، توجهتْ نحو المكانِ الذي حددهُ عبدُ الرحمنُ، وهو متجرُهُ المؤقتُ الذي أقامهُ في أحدِ بيوتِ القريةِ المهجورةِ. كانَ المكانُ منظماً بشكلٍ مدهشٍ، تتوزعُ فيهِ البضائعُ بعنايةٍ، ويعمُهُ عبقُ العطورِ والبخورِ.
وجدتهُ جالساً خلفَ طاولةٍ خشبيةٍ، يتصفحُ كتاباً قديماً. رفعَ رأسهُ عندما رآها، وابتسمَ.
"أهلاً بكِ يا آنسةَ نورا." قالَ. "تفضلي بالجلوسِ."
جلستْ نورا أمامهُ، وعيناها تتأملانِ رفوفَ الكتبِ التي تعلو الجدرانَ. شعرتْ وكأنّها دخلتْ عالماً آخرَ.
"هذهِ بعضُ الكتبِ التي أحبُّ قراءتها." قالَ عبدُ الرحمنِ وهو يمدُ يدهُ بكتابٍ قديمٍ بغلافٍ جلديٍّ. "هذهِ مجموعةٌ منَ الأشعارِ القديمةِ. أعتقدُ أنّ ذوقكِ الرفيعَ سيُقدرُ جمالَ كلماتها."
أخذتْ نورا الكتابَ بيدينِ مرتعشتينِ. كانَ الغلافُ بارداً، والورقُ عتيقاً. فتحتهُ ببطءٍ، وبدأتْ تقرأُ سطوراً قليلةً. كانتِ الكلماتُ تنسابُ كالماءِ، تحملُ معانيَ عميقةً ومشاعرَ جياشةً.
"جميلةٌ جداً." همستْ. "شكراً لكَ."
"العفوُ." قالَ عبدُ الرحمنِ، وبدا في عينيهِ بريقٌ خاصٌ. "وهنا، لديَّ كتابٌ في التاريخِ، وآخرُ في الفلكِ. أعرفُ شغفكِ بالمعرفةِ."
بدآ يتحدثانِ عنْ الكتبِ، عنِ الأدبِ، عنِ العلومِ. كانتْ الأفكارُ تتدفقُ بينهما كشلالٍ لا يتوقفُ. شعرتْ نورا بأنّها تتواصلُ معَ هذا الرجلِ على مستوىً أعمقَ، مستوىً يتجاوزُ مجردَ الإعجابِ. كانَ هناكَ انجذابٌ روحيٌّ، يربطُ بينَ قلبينِ يتوقانِ إلى ما هوَ أسمى.
"أتمنى أنْ أستطيعَ أنْ أشارككِ هذهِ المعرفةَ." قالَ عبدُ الرحمنِ. "ربما عندما ينتهي مشروعُ المدرسةِ، يمكننا أنْ ننظمَ جلساتٍ ثقافيةٍ هنا، نتحدثُ فيها عنْ كلِّ ما يثيرُ اهتمامنا."
"هذهِ فكرةٌ رائعةٌ!" قالتْ نورا بحماسٍ، وشعرتْ بأنّ شعلةً جديدةً قدْ أُضيئتْ في قلبها.
عندما حانَ وقتُ المغادرةِ، شعرَ كلاهما بشيءٍ منَ الأسفِ. كانَ الوقتُ قدْ مرَّ سريعاً، والحديثُ لمْ يكنْ قدْ انتهى بعدُ.
"شكراً لكَ على هذهِ الجلسةِ الجميلةِ." قالتْ نورا وهي تقفُ.
"الشكرُ لكِ أنتِ يا آنسةَ نورا." قالَ عبدُ الرحمنِ. "لقدْ أضفتِ لي يوماً مليئاً بالبهجةِ. أتمنى أنْ أراكِ قريباً."
"وأنا أيضاً." قالتْ نورا، وشعرتْ بأنّ كلماتها تخرجُ منْ عمقِ قلبها.
عادتْ نورا إلى منزلها، وقلبها يفيضُ بالسعادةِ. لمْ تعدْ مجردَ فتاةٍ تعيشُ حياةً بسيطةً في قريةٍ صغيرةٍ. لقدْ دخلَ إلى عالمها رجلٌ أضاءَ دروبها، وحفزَ أحلامها. كانَ هذا اللقاءُ بدايةً لشيءٍ جديدٍ، لقصةٍ بدأتْ تتشكلُ على رمالِ الصحراءِ، وتحملُ في طياتها وعداً بقلبٍ يهفو، وروحٍ تبحثُ عنْ شريكٍ.