قصة حب حقيقية
غياهب الروح
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمة العليلة، في ذلك المساء الذي تسلل فيه ظلام الخريف مبكراً، تجلس في شرفتها، تتأمل النجوم المتلألئة في سماء الرياض الصافية. لم تكن مجرد سماء، بل كانت لوحة فسيفسائية ترسم أحلامها المتضاربة، وتؤجج في قلبها سؤالاً لم تجد له إجابة شافية. منذ أن وطأت قدماها هذه الأرض المباركة، واستنشقت عبير الورد والياسمين الذي يفوح من بساتينها، وشهدت على كرم أهلها وتسامحهم، شعرت وكأنها وجدت ما كانت تنشده. ولكن، في كل مرة تتوارى فيها الشمس خلف الأفق، ومع غياب النور، كانت تلوح في الأفق ظلالٌ دفينة، تجرها إلى متاهةٍ مظلمة داخل روحها.
لقد كانت "نسمة" ابنةً لأسرةٍ مرموقة في القاهرة، نشأت في بيئةٍ مترفة، ولكنها كانت تحمل في جعبتها جرحاً قديماً، غائرةً في أعماق طفولتها. لم تكن تتحدث عنه كثيراً، بل كانت تخبئه خلف ابتسامةٍ زائفة، وعينين تبدوان هادئتين، تخفيان عاصفةً هوجاء. كان شغفها بالأدب والفن، وخاصةً الشعر العربي الأصيل، هو متنفسها الوحيد، ملاذها الآمن من واقعٍ غالباً ما كان يئن تحت وطأة الضغوط. كانت تكتب، وتنظم، وتقرأ، مستعينةً بالكلمات لتطوي جراحها، ولتبني حصناً حول قلبها، ظناً منها أن الفن قادرٌ على شفاء ما لا تشفيه الأيام.
لكن، في الأيام الأخيرة، بدأت تلك الأشباح القديمة تتسلل إليها بجرأةٍ أكبر. لقد كانت "نسمة" تخفي سراً، يتعلق بأحد إدماناتها الخفية، ذلك الإدمان الذي ورثته، وبشكلٍ مأساوي، من والدتها التي لم تستطع التغلب على إدمانها للمخدرات، والذي كان سبباً في انهيار أسرتهم ودفع والديها للانفصال. كانت "نسمة" قد نجت من تلك التجربة المريرة، ولكن أثرها ظل عالقاً في جيناتها، كشرارةٍ كامنة، تنتظر اللحظة المناسبة للاشتعال.
كانت تبدأ تلك اللحظات غالباً في الأمسيات، عندما تتراكم عليها أعباء اليوم، وتشعر بالوحدة، أو عند مواجهة مواقف تتطلب منها شجاعةً أو حزماً لم تكن تتقنهما. في البداية، كانت مجرد رغبةٍ خفيفة، تتردد في أفكارها، ثم تتجلى كهمسةٍ مغرية، تدعوها إلى نسيان كل شيء، إلى الهروب إلى عالمٍ آخر، عالمٍ تزول فيه الهموم، وتتلاشى فيه الضغوط. كان ذلك العالم هو عالم "الخمر"، ذلك الشراب الذي لطالما حاولت أن تتجنبه، ولكن فتنته كانت أقوى من مقاومتها.
في ذلك المساء، شعرت "نسمة" بثقلٍ شديدٍ في صدرها. لقد كانت قد قرأت للتو روايةً تتحدث عن الحب المفقود، وعن أملٍ ضائع، فذكرتها بنفسها، وبما كانت تفتقده في حياتها. لم تكن تلك الروح التي تتطلع إليها، تلك الروح الشفافة النقية التي تمنتها. كان قلبها يئن، يئن بصمت. نهضت من مقعدها، وتسللت بخفةٍ إلى إحدى غرف الضيوف، التي كانت غالباً ما تستخدمها كمكتبةٍ خاصة. فتحت خزانةً خشبيةً قديمة، كانت والدتها قد أهدتها إياها قبل وفاتها، وكأنها كانت تعلم أنها ستترك لابنتها ميراثاً مؤلماً.
من بين الكتب القديمة، ومن خلف بعض الأوراق العتيقة، استلت زجاجةً صغيرةً من "الخمر"، لم تكن لتخطر على بال أحد. كانت تفعل ذلك نادراً، وفي أوقاتٍ شديدة الضيق. لم تكن تشرب كثيراً، غالباً ما تكتفي ببضع رشفاتٍ قليلة، تكفيها لتشعر بوهجٍ دافئٍ يسري في عروقها، وتفتح لها أبواب التخيل، وتخفف من وطأة مخاوفها. ولكن، في تلك الليلة، شعرت بأنها بحاجةٍ إلى المزيد.
جلست على الأريكة المخملية، وصبّت في كأسٍ صغيرٍ ما تبقى من السائل الذهبي. ارتشفته ببطء، وشعرت بالحرارة تتسلل إلى حلقها، ثم إلى معدتها. أغمضت عينيها، وبدأت الصور تتراكم في ذهنها. رأت وجه "علي"، ذلك الشاب الذي قابلته بالصدفة في معرضٍ للكتاب، والذي أسرها بكلماته الرقيقة، ونظراته العميقة. لقد أثار فيها شيئاً لم تشعر به من قبل، شيئاً يجمع بين الاحترام، والإعجاب، وربما، بداية حبٍ حلال.
ولكن، سرعان ما عاودتها المخاوف. هل كان "علي" رجلاً يمكنها أن تبني معه حياةً كريمة؟ هل كان يقدر قيمة الروح الطاهرة، والقلب النقي؟ كانت تخشى أن يعلم بأمر "إدمانها"، ذلك الإدمان الذي كان يعذبها، ويشعرها بالذنب، ويحرمها من الشعور بالاستحقاق. كيف يمكنها أن تتحدث إليه عن أحلامها، وعن مستقبلها، وهي تخفي سراً كهذا؟
كانت تلك الزجاجة تمثل لها تناقضاً صارخاً. من جهة، كانت تمثل ضعفها، وانهزامها، وعجزها عن السيطرة على جزءٍ مظلمٍ من روحها. ومن جهةٍ أخرى، كانت تمثل لحظةً من الهروب، من النسيان، ومن الاستمتاع بلحظةٍ عابرةٍ من الهدوء. كانت تعرف في قرارة نفسها أن هذا الهروب مؤقت، وأنه لن يحل شيئاً، بل سيزيده تعقيداً.
ارتشفّت رشفةً أخرى، ووقعت عينها على صورةٍ معلقةٍ على الحائط، كانت لوالدتها وهي طفلة، تبتسم ببراءةٍ وسعادة. شعرت بوخزةٍ مؤلمةٍ في قلبها. كانت تتمنى لو أنها لم تعرف هذا الجانب المظلم من حياتها، لو أنها لم ترث هذا المصير. ولكن، هل كانت بالفعل قد ورثته؟ أم أنها كانت تختار أن تستسلم له؟
"لا يا نسمة، لا تسمحي للضعف بالتغلب عليكِ." همست لنفسها بصوتٍ خافت، يحاول أن يستعيد قوته. "أنتِ أقوى من ذلك."
ولكن، هل كانت حقاً كذلك؟ كانت تلك الكلمات تبدو مجرد صدىً بعيدٍ في أذنها، بينما كان السائل الذهبي يغمرها، ويهديء من وطأة قلقها، ولكنه في الوقت ذاته، كان يغرس في روحها بذرةً جديدةً من العجز.
في تلك اللحظة، سمعت صوت جرس الباب. تجمدت في مكانها، وقلبها يخفق بسرعة. من عساه أن يكون في هذا الوقت المتأخر؟ هل كان "علي"؟ وهل كان قد أحس بشيءٍ ما، بشيءٍ يجعلها تخشى لقاءه؟
انتظرت، والأعصاب مشدودة، حتى سمعت صوت الخادمة وهي ترحب بالزائر. ثم، سمعت صوتاً مألوفاً، وصوت "علي" وهو يسأل عنها.
"نعم، أنا نسمة، تفضل." قالت بصوتٍ مرتجف، محاولةً أن تداري صوتها المهتز، وأن تخفي رائحة "الخمر" التي بدأت تفوح منها.
شعرت بأن الأرض تدور بها. لقد جاء "علي" في هذا الوقت، وفي هذه اللحظة بالذات. هل سيستطيع أن يرى ما وراء تلك الابتسامة الزائفة؟ هل سيستطيع أن يشعر بالاضطراب الذي يعصف بداخلها؟
لقد دخلت "نسمة" في معركةٍ لا ترحم، معركةٌ بين روحها التي تتوق إلى النقاء، وبين شهواتها المظلمة التي تهدد بإغراقها. كانت تلك الزجاجة، وذلك الإدمان، هما العدو الأول، ولكن أكبر عدوٍ كانت تخشاه، هو عدوٌ يسكن في داخلها، عدوٌ يحتاج إلى شجاعةٍ عظيمةٍ للتغلب عليه.
نهضت، وأخذت نفساً عميقاً، ورتبت ملابسها، وحاولت أن تمحو آثار ماضيها السري. كانت تعرف أنها لا تستطيع أن تستمر في هذه الحياة المزدوجة. كانت بحاجةٍ إلى قرارٍ حاسم، قرارٍ سيحدد مصيرها، ومصير أي علاقةٍ قد تبدأ بينها وبين "علي".
كانت تلك الليلة، ليلةً من ليالي "الغياهب"، غياهب الروح، وغياهب القلب. ليلةٌ ستكشف لها عن عمق ضعفها، وقوة إرادتها، وقدرتها على المقاومة، أو استسلامها.