زواج المصلحة
هدير الصمت في قصر العنب
بقلم مريم الحسن
كانت نسمة العصر تداعب ستائر النافذة العتيقة في قصر العنب، ترسم ظلالاً راقصة على جدرانٍ شهدت ما يكفي من الأسرار لتُروى في ألف ليلة وليلة. رفعت "لينا" رأسها عن كتابٍ قديم، أصابعها الرقيقة تتتبع نقوشاً بالذهب على جلدٍ بالٍ. كانت هالة من الصفاء تحيط بها، رغم التوتر الذي كان يعصف بعالمها كعاصفةٍ لا تبقي ولا تذر. في الخارج، كان صوت فيروز يعلو من إحدى الغرف، يغني عن الحب الذي لا يرحم، بينما كانت "لينا" تشعر بأن قلبها يخفق بإيقاعٍ مختلف، إيقاعٍ أقرب إلى الصمت منه إلى الغناء.
جلست على مقعدٍ من المخمل البنفسجي، تتأمل الحديقة المترامية الأطراف من خلف الزجاج. زهور القرنفل البري تتمايل في انسجام، أشجار التين تعانق السماء، ورائحة التراب الممزوجة بعبق الياسمين تملأ المكان. هذه هي مملكتها، قصر العنب، الذي ورثته عن جدتها، السيدة "أمينة"، التي كانت سيدةَ زمانها، حكمةً وجمالاً. لكن هذه المملكة، رغم سحرها، كانت أشبه بسجنٍ ذهبي.
صوت خطواتٍ ثقيلةٍ قادمٍ من الخارج، يقطع عزلتها. استدارت "لينا" بسرعة، وقلبها يضرب بقوةٍ في صدرها. كان "خالد"، شقيقها الأكبر، يقف على عتبة الباب، وجهه يعكس تلك الجدية التي اعتادت عليها، عينيه الداكنتين تلمعان ببريقٍ قلق. "لينا، هل أنتِ مستعدة؟" سأل بصوتٍ عميقٍ، يحمل ثقل المسؤولية.
"مستعدة لأي شيء، يا خالد،" أجابت، صوتها خافتٌ ولكنه ثابت. كانت تعلم جيداً ما يعنيه هذا السؤال. لقد حان وقت قرارٍ مصيري، قرارٌ سيعيد تشكيل مصير العائلة بأسرها.
"إنهم قادمون في الغد،" تابع، واضعاً يديه في جيبي سترته الرسمية. "عائلة السيد 'عمر الزاهي'. وقد تطرقنا في اجتماعاتنا السابقة إلى ضرورة هذا الزواج."
تنهدت "لينا" بعمق. السيد "عمر الزاهي". اسمٌ يتردد صداه في أروقة المال والأعمال. رجلٌ ثريٌ، ذو نفوذٍ واسع، ولكنه غريبٌ تماماً عن عالمها. لم تلتقِ به قط، ولم تسمع عنه سوى ما قاله شقيقها والخادمة "أم عائشة" التي كانت كأمٍ ثانيةٍ لها. كان زواجاً سياسياً، زواجاً يحمي ما تبقى من إمبراطورية العنب التجارية التي بدأت تترنح تحت وطأة الديون.
"أعلم، يا خالد،" قالت، وعيناها مثبتتان على وجهه. "ولكن هل أنت متأكدٌ حقاً أن هذا هو الحل الوحيد؟"
"لستُ متأكداً من شيءٍ سوى أننا على وشك الغرق،" قال بمرارة. "والسيد 'عمر' هو القارب الوحيد الذي يمكن أن ينقذنا. صفقةٌ تجاريةٌ ضخمةٌ، استثماراتٌ جديدة، واستعادةٌ لمكانتنا. كل هذا مقابل... يدكِ."
كلمة "يدكِ" وقعت على مسامعها كالصاعقة. يدها. كأنها سلعةٌ تُباع وتشترى. شعرت بوخزةٍ من الألم. كانت "لينا" فنانةً موهوبة، تحلم بأن تُبنى حياتها على فنها، على أحلامها، وليس على مجرد صفقةٍ تجارية. لطالما كانت تحلم بالحب الحقيقي، الزواج المبني على المودة والرحمة، كما وصفه الدين. لا على مصالحٍ باردةٍ كجليد الشتاء.
"ولكن... ألا يوجد خيارٌ آخر؟" سألت بصوتٍ بالكاد مسموع. "ربما يمكننا بيع جزءٍ من الأصول؟ أو البحث عن مستثمرين آخرين؟"
"لقد بحثنا، يا لينا. لا أحد يمتلك الجرأة أو القدرة على تحمل المخاطر التي نتحملها الآن. والوقت ليس في صالحنا. أمامنا أسبوعٌ واحدٌ قبل أن تُعلن البنوك إفلاسنا. والسيد 'عمر' لا ينتظر. عرضه لا يُرد، ولكنه مشروطٌ بهذا الزواج. يريد أن يؤمن مستقبله، كما يقول. ويريد ربط نفسه بعائلةٍ عريقةٍ مثلنا."
نظرت "لينا" إلى يديها. كانت تشعر بأنها محاصرة. كانت تتذكر قصة جدتها، كيف تزوجت جدها عن حبٍ حقيقي، وكيف كانت حياتهما مليئةً بالسعادة والوئام. كيف يمكنها أن تسير على نفس الدرب، إذا كانت البداية مجرد اتفاقٍ عقيم؟
"وهل... هل هو موافق؟" سألت، ترددت قليلاً قبل أن تكمل. "هل يعلم أنني... أنني أرفض هذه الفكرة؟"
ضحك خالد ضحكةً قصيرةً خاليةً من المرح. "وهل تعتقدين أننا سنصل إلى هذه النقطة لو كان لديه تحفظات؟ هو رجلٌ عمليٌ، يا لينا. يرى فيكِ شريكةً مناسبةً، ربما سمع عن سمعتكِ الطيبة، عن educación التي تلقيتها. لا يهمه ما تشعرين به الآن. يهمه ما ستكونين عليه لاحقاً. زوجةٌ له، وجزءٌ من مستقبل العائلة."
شعر قلب "لينا" ببردٍ قارص. زوجةٌ له. جزءٌ من مستقبل العائلة. لم يكن هذا الحلم الذي رسمته لنفسها. كانت تريد زوجاً يُحبها، يُقدرها، يُشجعها على تحقيق أحلامها، لا أن يستخدمها كقطعةٍ من الشطرنج في لعبةٍ أكبر.
"ولكن... هل هو شخصٌ طيب؟" سألت، متشبثةً بخيطٍ رفيعٍ من الأمل. "هل لديه أخلاقٌ حسنة؟ هل يصلي؟"
"يقولون إنه رجلٌ مهذبٌ،" أجاب خالد بتردد. "ولكنه كثير الانشغال بعمله. أما عن الصلاة، فلا أعلم. لا أعتقد أن هذا هو المهم الآن، يا لينا. المهم هو إنقاذنا. إنقاذ هذه العائلة التي ورثناها."
نظرت "لينا" مرةً أخرى إلى الحديقة. غروب الشمس كان قد بدأ يصبغ السماء بألوانٍ نارية، حمراء وبرتقالية، تخترقها بقعٌ من اللون البنفسجي الغامق. كانت هذه الألوان الجميلة، لكنها بدت لها وكأنها تحذيرٌ من عاصفةٍ قادمة.
"وأنت، يا خالد؟" سألت، رفعت رأسها إليه، وعيناها تلمعان بعزمٍ لم يعهده فيها من قبل. "هل أنت موافقٌ على هذا الزواج؟ هل ترى فيه حلاً؟"
تأوه خالد بصوتٍ خافت، ووضع يده على جبهته. "أنا... أنا أفعل ما يجب عليّ فعله. أنا المسؤول. أنتِ شقيقتي، ولا أريد لكِ إلا الخير. ولكن هذا هو السبيل الوحيد."
"السبيل الوحيد؟" كررت "لينا"، وبدا صوتها وكأنه يتحدّى الحقيقة. "ربما لم نبحث جيداً. ربما هناك سبُلٌ أخرى لم نرها بعد."
"لينا،" قال خالد بنبرةٍ فيها شيءٌ من الإلحاح. "القرار لكِ. ولكن تذكري، مستقبلنا جميعاً، مستقبلكِ، يعتمد على هذا. أرجوكِ، فكري جيداً."
لم يكن الأمر متعلقاً بمستقبل العائلة فقط، بل بمستقبلها هي. هل ستضحي بأحلامها وقيمها من أجل إنقاذها؟ أم ستبحث عن سبيلٍ آخر، مهما كان صعباً، حتى لو كان ثمنه خسارة كل شيء؟
وقفت "لينا" وهدير الصمت في قصر العنب كان أعلى من أي صوتٍ آخر. كانت تعلم أن قرارها لن يؤثر عليها وحدها، بل على حياة كل فردٍ في هذه العائلة. رفعت يدها، ولمست أذنها، حيث كان حلقٌ فضيٌ قد أهدته إياها جدتها، يحمل نقش هلالٍ صغير. تذكرت كلمات جدتها: "يا ابنتي، القلب هو بوصلتك، ولكن العقل هو سفينتك. استخدميهما بحكمة."
غادر خالد، تاركاً "لينا" وحيدةً مع أفكارها المتشابكة. نظرت إلى السماء، ورأت أول نجمةٍ بدأت تلمع. كانت كأنها تبتسم لها، أو ربما تحذرها. في الغد، سيأتي الغرباء، وسيُقدمون عرضهم، وسيتعين عليها أن تقرر. هل ستقبل بأن تكون "لينا" التي تزوجت السيد "عمر الزاهي" لمجرد مصلحةٍ؟ أم ستبقى "لينا" التي تحلم بالحب وتتمسك بقيمها، مهما كان الثمن؟
أغلقت عينيها، محاولةً استشعار شيءٍ من الهدوء في هذا القصر الذي كان يغص بالصمت. ولكن صمت الليل لم يكن هادئاً، بل كان محملاً بأسئلةٍ لا إجابة لها، وبآمالٍ معلقةٍ على شعرةٍ من الحرير.