الفصل 10 / 25

زواج المصلحة

ليلٌ طويلٌ وأسرارٌ تتكشف

بقلم مريم الحسن

كانت ليلةً باردةً في أواخر الخريف، تتسلل رطوبتها إلى عظام القصر المهيب الذي اكتنست جدرانه بعبق التاريخ وعراقة الأجداد. في إحدى غرف الطابق العلوي، جلست ليلى، ابنة الشيخ عبد العزيز، تحدق في انعكاس وجهها الشاحب على مرآةٍ عتيقةٍ مزخرفة. لم تكن نظرتها موجهةً إلى جمالها المعهود، بل كانت تبحث عن إجاباتٍ في أعماق عينيها اللتين اتسعت فيهما قلقٌ لم تعرفه من قبل.

منذ زواجها المصلحي من خالد، ابن رجل الأعمال الكبير سليمان، أصبحت حياتها سيمفونيةً من التناقضات. من جهة، كانت تشعر بالامتنان لتقديمه الدعم المالي لوالدها في محنته، ومن جهةٍ أخرى، كانت تتصارع مع فراغٍ عاطفيٍّ بدا وكأنه يتسع كلما تعمقت علاقتها بخالد. لم تكن تراه كزوجٍ بقدر ما تراه شريكاً في صفقةٍ معقدةٍ، صفقةٌ تطلبت منها أن تتخلى عن أحلامها في حبٍّ طاهرٍ وعشقٍ أبديٍّ، تتغنى به القصائد وتنسجه الأغاني.

تنهدت ليلى بعمق، مستذكرةً اللحظات القليلة التي جمعتها بخالد منذ الزفاف. كانت لقاءاتهما مقتضبةً، وغالباً ما كانت تدور حول ترتيباتٍ ماليةٍ أو اجتماعيةٍ لا تمت بصلةٍ إلى عالم المشاعر والأحاسيس. كان خالد رجلاً عملياً، مشغولاً بإدارة إمبراطوريته التجارية، ولا يبدو أنه يمتلك وقتاً أو رغبةً في استكشاف تلك المنطقة الوعرة من العلاقات الإنسانية التي تُدعى "المشاعر".

لكن شيئاً ما في هذه الليلة بالذات جعل القلق يتسلل إلى قلبها. لقد تلقت رسالةً غامضةً عبر الهاتف، نصها بسيطٌ لكنه حمل في طياته ما أثار حفيظتها: "الحقيقة ليست دائماً كما تبدو، ابحثي جيداً في ماضيكِ القريب". لم تكن تعرف مصدر الرسالة، ولم يكن لديها أي شكوكٍ قد تدفعها للاعتقاد بأنها مجرد مزحةٍ سخيفة. لقد شعرت ببرودةٍ تسري في أوصالها، وكأنها تقف على حافة هاويةٍ لم ترها من قبل.

قررت ليلى أن تبدأ بحثها. فتحت حاسوبها المحمول، وبدأت تتصفح ملفاتٍ قديمةٍ، صوراً، ورسائلٍ. كانت تبحث عن أي خيطٍ قد يربط بين ماضيها، زواجها، وهذا الإنذار المجهول. تذكرت فترةً قصيرةً سبقت زواجها، فترةٌ كانت فيها والدتها تخضع لعلاجٍ طبيٍّ مكثفٍ، وكانت ضغوط الديون تنهش عائلتها. هل كانت هناك صفقةٌ خفيةٌ تمت في تلك الفترة؟

بينما كانت تتقلب في ذكرياتها، لمح بصرها مجلداً قديماً، مغلفاً بقماشٍ باهت، يحمل عبارة "ذكريات". لم تتذكر أبداً أنه كان موجوداً. فضولها تملكها، ومدت يدها لتفتحه. كانت الصفحات مليئةً بصورٍ قديمةٍ، ورسائلٍ بخطٍّ يدويٍّ. بعضها كان لأصدقائها في الجامعة، وبعضها الآخر… كان لوالدتها.

بدأت تقرأ الرسائل، وكان بينها رسالةٌ طويلةٌ، مكتوبةٌ بيدٍ مرتعشةٍ، تحمل تاريخاً قبل زواجها ببضعة أشهر. كانت الرسالة موجهةً إلى والده، الشيخ عبد العزيز، وفيها كانت والدتها تعبر عن مخاوفها العميقة بشأن الوضع المالي للعائلة، وعن ضغوطٍ تعرضت لها من شخصٍ لم تسمه، شخصٌ وعدها بالمساعدة مقابل… مقابل شيءٍ لم تفهمه ليلى بوضوحٍ في البداية.

"يا والدي العزيز،" بدأت الأم، "أخشى أننا نسير في طريقٍ مظلمٍ. إن وعده بالمساعدة يبدو حلماً، ولكنه يخفي وراءه شبكةً من المصالح التي قد تودي بنا إلى الهاوية. لقد ضغط عليّ كثيراً، وأشعر أنني أفقد السيطرة. أرجوك، كن قوياً، وحافظ على كرامتنا."

ازدادت ليلى قلقاً. من كان هذا الشخص؟ ولماذا كانت والدتها تخشى الكشف عن اسمه؟ تذكرت أن والدتها كانت قد أصيبت بجلطةٍ دماغيةٍ أثرت على ذاكرتها قبل عامٍ من زواجها. هل كانت هذه الضغوط سبباً في ذلك؟

في تلك اللحظة، سمعت صوت فتح الباب. استدارت بسرعة، ورأت خالد يقف على عتبة الباب، يرتدي ملابس العمل، وعلى وجهه تعابيرٌ تبدو وكأنها تحمل الكثير.

"ماذا تفعلين متأخرةً هكذا؟" سأل بصوتٍ هادئٍ، لكنه حمل نبرةً من الاستجواب.

"كنت أتصفح بعض الذكريات القديمة،" أجابت ليلى، محاولةً إخفاء قلقها.

اقترب خالد، ونظر إلى ما كانت تفعله. رأى المجلد المفتوح، والصور المبعثرة. "ذكريات؟" تكرر بنبرةٍ تحمل شيئاً من الدهشة.

"نعم،" قالت ليلى، "لم أكن أعرف أن لدينا هذا المجلد."

ألقى خالد نظرةً خاطفةً على الرسالة التي كانت والدتها قد كتبتها. بدا وكأن تعابير وجهه قد تغيرت قليلاً، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه. "إنها مجرد ذكرياتٍ قديمةٍ،" قال، "لا داعي للقلق بشأنها. يجب أن ترتاحي الآن."

"ولكن…" حاولت ليلى أن تسأل، "من كان الشخص الذي كانت والدتي تتحدث عنه؟"

ابتسم خالد ابتسامةً غامضةً، لم تصل إلى عينيه. "لا أعتقد أن هذا مهمٌ الآن. الماضي قد مضى، وعلينا التركيز على حاضرنا."

شعر قلب ليلى ببرودةٍ قاسية. لم يكن رد خالد مريحاً، بل زاد من شكوكها. هل كان خالد يعرف شيئاً عن هذا الشخص؟ هل كان له علاقةٌ بما حدث لوالدتها؟

"أنا لست متعبةً،" قالت ليلى، "أنا فقط… أشعر بالقلق."

"القلق لن يحل شيئاً،" قال خالد، وهو يتجه نحو خزانة ملابسه. "المهم الآن هو أننا معاً، وأننا نبني مستقبلاً. أليس كذلك؟"

نظرت ليلى إلى ظهره، ولم تستطع أن تخفي الشعور المتزايد بالخيانة. كان كلامه رقيقاً، لكنه كان يغطي على ما يبدو حقيقةً مؤلمةً. هل كان زواجهما المصلحي هذا مجرد ستارٍ لشيءٍ أكبر وأكثر تعقيداً؟ وهل كانت الرسالة الغامضة التي وصلتها هي الشرارة الأولى التي ستشعل نيران هذه الحقائق المدفونة؟

في تلك الليلة، لم ينم ليلى كثيراً. كانت الكلمات المكتوبة بخطٍّ مرتعشٍ، وابتسامة خالد الغامضة، والرسالة المجهولة، كلها تتراقص في ذهنها، تشكل ألغازاً معقدةً لا تجد لها حلاً. شعرت بأنها على وشك اكتشاف سرٍّ عائليٍّ كبير، سرٌّ قد يغير كل شيء.

وبينما كان الفجر يلوح في الأفق، قررت ليلى قراراً جريئاً: لن تقف مكتوفة الأيدي. ستكشف عن الحقيقة، مهما كانت الثمن.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%