الفصل 14 / 25

زواج المصلحة

أشباح الماضي ورياح الحاضر

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات المساء تداعب ستائر الغرفة البيضاء، تحمل معها عبق الياسمين المتسلق على جدران قصر العائلة. جلست ليلى على شرفة غرفتها، تحتضن فنجان قهوتها الساخنة، وعيناها تتأملان سماء الرياض الموشاة بنجوم لا تعرف الملل. لم تعد تلك السماء كما كانت تبدو لها قبل أشهر. كل شيء تغير، وكل زاوية تحمل ذكرى، وكل نسمة تحمل همسة.

كانت مشاعرها متقلبة كأمواج بحر هائج. في يومٍ تشعر بالامتنان لطارق، لوفائه، ولطيبته التي بدأت تتكشف لها شيئًا فشيئًا، وفي يومٍ آخر تضطرب هذه المشاعر بصورةٍ مفاجئة، حينما يعود شبح الماضي ليخيم بظلاله.

كانت المكالمة التي تلقتها قبل يومين من جدتها كفيلة بإيقاظ كل قلقٍ دفين. جدتها، الحاجة فاطمة، كانت دائمًا سندها، ومرآتها التي ترى فيها صدق نواياها. لكن صوتها هذه المرة كان يحمل نبرةً غريبة، خليطًا من القلق والتحذير.

"يا ليلى يا ابنتي، هل أنتِ متأكدةٌ من قرارك؟" سألت الجدة بصوتٍ فيه رجفة.

"مماذا تقصدين يا جدتي؟" أجابت ليلى، وقد انقبض قلبها.

"أقصد زواجكِ من طارق. أعلم أنه رجلٌ طيب، وأهلٌ للكرم، لكن... هل تدركين عمق الجذور التي تربط بين عائلتكم وعائلة آل الغامدي؟"

لم تفهم ليلى ما تقصده جدتها بالضبط. لطالما عرفت أن هناك تاريخًا مشتركًا بين العائلتين، وأن جدها وجد طارق كانا صديقين حميمين. لكن الجدة لم تذكر شيئًا يشير إلى ما هو أعمق من ذلك.

"علاقتنا بهم تاريخية يا جدتي، ونحن نحترمهم كثيرًا." قالت ليلى محاولةً طمأنة جدتها.

"الحكاية أعمق يا ابنتي. أعمق مما تتخيلين. هناك أسرارٌ دفينة، وعقودٌ لم تذكر. عقودٌ لم تتحقق." كان صوت الجدة يتلاشى وهو ينطق بالكلمات الأخيرة، ثم صمتت.

تأملت ليلى سماء الرياض، تلك النجوم التي بدت لامعةً كأنها تحمل معها ضوءًا غامضًا. هل كان هناك ما تخفيه جدتها عنها؟ هل كانت هناك أسبابٌ أخرى وراء هذا الزواج، أسبابٌ أعمق من مجرد اتفاقٍ عائلي أو بحثٍ عن مصلحةٍ مشتركة؟

عادت ذكرى حديثها مع طارق قبل أيامٍ قليلة. كان قد تحدث عن رغبته في توسيع نطاق أعماله، وعن حاجة شركته إلى استثماراتٍ جديدة. وكانت هي، بدورها، قد تحدثت عن مخاوفها من أن يصبح زواجهما مجرد صفقةٍ تجارية، يتلاشى فيها الحب أمام الأرقام والصفقات.

"لا تقلقي يا ليلى،" قال طارق حينها، وقد أمسك بيدها برفقٍ فوق مائدة العشاء. "هذا الزواج ليس صفقةً بالنسبة لي. إنها بدايةٌ لحياةٍ جديدة، ولشراكةٍ أبعد من مجرد العمل. أنتِ امرأةٌ ذكيةٌ، وأرى فيكِ مستقبل شركتي، ومستقبل عائلتي."

كانت كلماته صادقة، وكانت نظراته تعكس إعجابًا حقيقيًا. لكن بعد مكالمة جدتها، بدأت تساورها الشكوك. هل كان "مستقبل شركته" و"مستقبل عائلته" هو الدافع الأكبر؟ أم أن هناك شيئًا آخر، شيئًا مرتبطًا بهذا التاريخ العائلي الغامض؟

في صباح اليوم التالي، توجهت ليلى إلى مكتب والدها. كانت تعرف أن والدها، الشيخ أحمد، رجلٌ يحب الحقيقة، ولكنه أيضًا رجلٌ يحترم التقاليد. ولعله الوحيد الذي قد يمتلك مفتاح هذا اللغز.

"صباح الخير يا أبي،" قالت ليلى وهي تدخل مكتبه الفاخر.

"صباح النور يا ابنتي. ما الذي أتى بكِ إلى هنا مبكرًا؟" سأل والدها، وقد ترك أوراقه أمامه.

"أردت أن أتحدث معك في أمرٍ مهم، أمرٌ يشغل بالي."

"تفضلي، قلبي معكِ."

ترددت ليلى للحظة، ثم جمعت شجاعتها. "جدتي، الحاجة فاطمة، تحدثت معي بالأمس. كانت قلقةً بشأن زواجي من طارق، وألمحت إلى أن هناك تاريخًا أعمق بين عائلتنا وعائلة آل الغامدي. تاريخٌ فيه أسرارٌ وعقودٌ لم تذكر."

نظر والدها إليها بجدية، وقد ارتسمت على وجهه علامات التفكير العميق. "جدتكِ امرأةٌ حكيمة، يا ابنتي. وغالبًا ما ترى ما لا يراه الآخرون."

"هل هناك حقًا ما تخفيه جدتي؟" سألت ليلى، وقد شعرت ببرودةٍ تسري في عروقها.

تنهد الشيخ أحمد، ثم قال: "الزواج لم يكن مجرد ترتيبٍ عائلي، يا ليلى. إنه جزءٌ من اتفاقٍ أقدم. اتفاقٍ بين جدكِ، رحمه الله، ووالد طارق، رحمه الله."

"اتفاق؟ أي نوعٍ من الاتفاق؟"

"كانت هناك خطةٌ مشتركة بين الرجلين لتوحيد كيانين تجاريين قويين. كانت رؤيتهما أن تكون العائلتان أكثر تكاتفًا، وأن تندمج أعمالهما مستقبلًا. لكن الظروف تغيرت، ورحل الرجلان قبل أن يكتمل التخطيط."

"وهذا يعني...؟"

"وهذا يعني أن هذا الزواج، بينكِ وبين طارق، هو فرصةٌ لإحياء هذه الرؤية، ولتأمين مستقبلٍ أقوى للعائلتين. طارق يعلم هذا جيدًا، وقد وافق على هذا الزواج لتحقيق هذه الرؤية، وليس فقط لمجرد المصلحة الشخصية."

شعرت ليلى بالأسى. كل شيء بدأ يبدو لها أكثر تعقيدًا. طارق لم يكن مجرد رجلٍ يبحث عن شريكةٍ في العمل، بل كان رجلًا يسعى لإكمال ما بدأه والده. وأنها، بدورها، كانت جزءًا من هذا التخطيط.

"ولكن، يا أبي، هل هذا يعني أن مشاعري لا تهم؟ هل أنا مجرد ورقةٍ في هذه الصفقة؟"

"لا، يا ابنتي. لا تقولي ذلك. مشاعركِ هي الأهم. هذا الزواج بني على الاحترام المتبادل، وعلى فرصةٍ لتكوين أسرةٍ سعيدة. والمصلحة التي تحدثنا عنها هي مصلحةٌ مشتركة، تخدم استقرار العائلتين، وتؤمن مستقبل أبنائهما. الحب، يا ليلى، يمكن أن ينمو في ظل هذه الظروف. وقد رأيتُ بنفسي كيف تتعاملين أنتِ وطارق بلطفٍ واحترام."

خرجت ليلى من مكتب والدها، وقد شعرت بأن ثقلًا جديدًا قد أضيف إلى قلبها. لم تعد الشكوك مجرد ظلالٍ رمادية، بل أصبحت حقائق صلبة. طارق لم يكن رجلًا يبحث عن حبٍ عفوي، بل كان رجلًا يتحمل مسؤولياتٍ جسيمة، مسؤولياتٍ تشمل إكمال خططٍ قديمة.

نظرت إلى هاتفها. ربما كان عليها التحدث مع طارق بصراحة. أن تعرف منه كل شيء. أن تعرف ما الذي يربطه بهذه "العقود التي لم تتحقق".

في تلك الليلة، وبينما كانت الأضواء الخافتة تملأ غرفة النوم، جلست ليلى وهي تنظر إلى طارق. كان منهمكًا في قراءة كتابٍ، ويبدو عليه الهدوء. لكنها رأت في عينيه لمعةً من القلق، لم تستطع تفسيرها.

"طارق،" قالت بصوتٍ خافت.

رفع عينيه إليها، بابتسامةٍ هادئة. "نعم يا ليلى؟"

"هل هناك ما تخفيه عني؟"

توقف عن القراءة، وبدت عليه الدهشة. "ماذا تقصدين؟"

"مقصدكِ ما ألمحت إليه جدتي، وما أخبرني به والدي. عن خططٍ سابقة، وعن اتفاقياتٍ قديمة. هل أنا حقًا جزءٌ من هذا؟"

صمت طارق للحظة، ثم وضع الكتاب جانبه. نظر إليها بعمق، وبدا عليه الحزن. "ليلى، لم أرد أن أثقل كاهلكِ بهذه الأمور. لقد كانت مجرد رؤيةٍ لأبي وجدكِ. رؤيةٌ لم تتحقق بسبب مشاغل الحياة، وبسبب ظروفٍ قاهرة."

"ولكنها تحققت الآن، أليس كذلك؟ من خلال زواجنا."

"ليس تمامًا. الزواج هو بدايةٌ جديدة، ولكن ليس إكمالًا لشيءٍ قديم. ما أريده هو أن نبني حياتنا معًا، وأن نحب بعضنا البعض. وأن نجعل هذه "الصفقة" - كما وصفتها أنتِ - حبًا حقيقيًا."

نظرت إليه، ورأت في عينيه صدقًا. ولكنه أيضًا رأت فيه شيئًا آخر، شيئًا لم تستطع فهمه. هل كان حقًا يعتقد أن الحب يمكن أن ينمو بهذه السرعة؟ أم كان يخفي شيئًا أعمق؟

"أريد أن أتأكد، يا طارق. أريد أن أعرف كل شيء. أن نتحدث بصراحةٍ تامة."

"أتحدث معكِ بصراحةٍ دائمًا يا ليلى. ولكن في بعض الأحيان، قد يكون من الأفضل عدم فتح صناديقٍ مغلقة."

"ولكن صناديق الماضي هي التي تشكل حاضرنا، أليس كذلك؟"

نظرت إلى طارق، وفي عينيها خليطٌ من الأمل والقلق. كانت تعلم أن هناك شيئًا ما، شيئًا لم يكشف عنه بعد، شيءٌ سيغير مسار حياتهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%