زواج المصلحة
بين الظلال والشفق
بقلم مريم الحسن
تسللت خيوط الشمس الأولى عبر ستائر الغرفة، لترسم خطوطًا ذهبية على أرضية قصر آل العبدالله. كانت ليلى قد قضت ليلةً مضطربة، يتقاذفها تيارٌ من الأفكار والمخاوف. كلمات والدها، وصمت طارق، أعادت إلى أذهانها حوار جدتها الذي لم تكتمل تفاصيله. شعرت بأنها تقف على أعتاب عالمٍ معقد، عالمٌ تغوص فيه أسرار العائلتين عميقًا، وتتشابك فيه مصائرهما كأغصان شجرةٍ قديمة.
بعد أن أعدت شاي الصباح، توجهت إلى ديوان والدها. كان يجلس أمام مكتبه، يرتشف قهوته السوداء، وملامحه توحي بالتركيز. ابتسمت له، ودخلت.
"صباح الخير يا أبي،" قالت وهي تقبّل يده.
"صباح النور يا ابنتي. هل أضعتِ النوم؟" سأل وهو يبتسم.
"لستُ متأكدةً يا أبي. ما قلته لي بالأمس أثار في نفسي الكثير من الأسئلة."
"الأسئلة هي بداية الفهم يا ليلى. لا تخافي من طرحها."
"هل كان هناك حقًا صفقةٌ مفصلة بين جدي وجد طارق؟ هل كان المقصود من زواجنا هو استكمال هذه الصفقة؟"
"كانت هناك رؤيةٌ مشتركة، يا ليلى. رؤيةٌ لتنمية أعمال العائلتين، لتصبحا قوةً اقتصاديةً واحدة. كان جدكِ، رحمه الله، رجلًا طموحًا، وكذلك والد طارق. أرادوا أن يضمنوا لأبنائهم وأحفادهم مستقبلًا مشرقًا، مبنيًا على أسسٍ متينة."
"ولكن، لماذا لم تذكر هذه التفاصيل من قبل؟ ولماذا يشعر طارق بالقلق عند الحديث عنها؟"
تنهد الشيخ أحمد، وقال: "الظروف تغيرت، يا ابنتي. رحل الرجلان، واشتدت المنافسة في السوق. ثم أتت قضية inheritance آل الغامدي، التي أدت إلى بعض الخلافات الداخلية بينهم. هذه الأمور جعلت إعادة تفعيل هذه الرؤية تبدو معقدةً وصعبة. ربما شعر طارق بالقلق لأن هذه الأمور قديمة، وقد تثير بعض المشاعر المؤلمة لدى عائلته. ولكنه أيضًا يرى فيها فرصةً ثمينة."
"ولماذا أنا؟ لماذا أنا تحديدًا؟"
"لأنكِ أثبتِ أنكِ امرأةٌ قادرة، ذكية، ولديها رؤية. طارق رأى فيكِ شريكةً حقيقية، وليس مجرد زوجة. ورأى فيها والدي وأنا فرصةً لتجاوز أي خلافاتٍ قديمة، ولتكوين مستقبلٍ موحد."
شعرت ليلى بمسؤوليةٍ تقع على عاتقها. لم يعد الأمر يتعلق فقط بزواجها من طارق، بل بمستقبل عائلتين. ولكن في أعماقها، ظلت هناك أسئلةٌ تدور، أسئلةٌ تتعلق بعمق هذه "الخلافات الداخلية" لدى عائلة طارق، وبـ "قضية inheritance" التي ذُكرت.
في ذلك المساء، زارها فارس، شقيقها الأصغر. كان فارس طالبًا جامعيًا، يحمل في قلبه الكثير من الأفكار.
"ليلى، هل أنتِ سعيدة؟" سأل فارس وهو يجلس بجانبها في الحديقة.
"أنا بخير يا فارس. لماذا تسأل؟"
"أرى أنكِ تفكرين كثيرًا. هل الأمر يتعلق بطارق؟"
"بعض الشيء. الأمور معقدةٌ أكثر مما تبدو."
"والدي قال لي إن زواجكِ من طارق سيقوي الروابط بين العائلتين."
"هذا ما يقولونه."
"ولكن... هل تسمعين عن عائلة آل الغامدي؟ سمعتُ بعض الهمسات في الجامعة. يقولون إن هناك خلافاتٍ كبيرة داخل عائلتهم، خصوصًا حول تقسيم الميراث."
تسارعت نبضات قلب ليلى. "ما نوع هذه الخلافات؟"
"لا أعرف التفاصيل، ولكنهم يقولون إن هناك تيارين متعارضين. تيارٌ يريد تصفية بعض الأصول، وتيارٌ آخر يريد الاحتفاظ بها. والأكثر غرابة، أنهم يقولون إن هناك أوراقًا مفقودة، وصايا غامضة، تتعلق بجزءٍ كبير من ثروة العائلة."
كانت هذه المعلومات كالصواعق تنزل على ليلى. أوراق مفقودة؟ وصايا غامضة؟ هل كانت هذه الأمور مرتبطةً باتفاق جدها وجد طارق؟ هل كان هذا الزواج وسيلةً لحل هذه الأزمة؟
"ولماذا أنت مهتمٌ بهذا الأمر يا فارس؟" سألت ليلى، محاولةً أن تبدو هادئة.
"مجرد فضول. أعرف أن طارق صديقٌ للعائلة، وأن ما سيحدث له سيؤثر علينا. ولكني أيضًا سمعتُ عن شخصٍ اسمه 'سالم'، يقولون إنه أحد أعمام طارق، وأنه كان له دورٌ كبير في كل هذه المشاكل. يقولون إنه شخصٌ انتهازي، ويسعى لاستغلال أي ضعفٍ في العائلة."
"سالم؟" تكررت ليلى الاسم. لم تسمع بهذا الاسم من قبل.
"نعم. والبعض يقول إنه كان له خلافٌ قديم مع والد طارق. خلافٌ مالي."
شعرت ليلى بأن خيوطًا متشابكة بدأت تتضح. والد طارق، خلافٌ مالي، أوراق مفقودة، تياران متعارضان. كل هذه الأمور كانت تشير إلى أن زواجها من طارق لم يكن مجرد ترتيبٍ عائلي، بل كان حلًا لمشكلةٍ كبيرة.
في الأيام التالية، بدأت ليلى تراقب طارق عن كثب. لم تكن تريد اتهامه بشيء، ولكنها كانت تريد أن تفهم. لاحظت أنه يتلقى مكالماتٍ متكررة، وأنها غالبًا ما تكون في وقت متأخر من الليل. وكان يبدو عليها الإرهاق والقلق.
ذات مساء، بينما كانت تترتب على الأريكة في غرفة المعيشة، دخل طارق. كان يبدو عليه التعب الشديد.
"مساء الخير يا طارق،" قالت.
"مساء النور يا ليلى. يومٌ طويل."
"هل كل شيء على ما يرام؟"
تنهد طارق، وجلس بجانبها. "الأمور معقدةٌ بعض الشيء."
"هل الأمر يتعلق بعائلتك؟"
نظر إليها طارق، وبدا عليه التردد. "هناك بعض الأمور التي أردت أن أتحدث معكِ فيها. ولكنني لم أكن متأكدًا من الوقت المناسب."
"أعتقد أن الوقت الآن مناسب، يا طارق. لقد علمتُ أن هناك ما هو أعمق من مجرد صفقةٍ تجارية."
شعر طارق بالدهشة. "من أخبرك؟"
"والدي، وجدتي، وحتى شقيقي فارس. سمعتُ عن خلافاتٍ عائلية، وعن أصولٍ مفقودة."
صمت طارق، وقد بدت على وجهه علامات الأسى. "نعم يا ليلى. الأمر يتعلق بعائلتي. قضية تقسيم الميراث معقدةٌ جدًا. وهناك بعض الخلافات الداخلية التي تزيد الأمر سوءًا."
"ومن هو سالم؟" سألت ليلى، مستعينةً بما سمعته من فارس.
"سالم هو عمي. شقيق والدي. ولكنه... شخصٌ لا يمكن الوثوق به. لقد كان له خلافٌ مع والدي بسبب بعض الأموال. والآن، هو يسعى للاستيلاء على أكبر قدرٍ ممكن من الميراث، مستغلًا هذه الفرصة."
"وما علاقة هذا بزواجنا؟"
"علاقةٌ وثيقة، يا ليلى. ورثنا، أنا وأبي، جزءًا من ثروة العائلة. ولكن هناك جزءٌ آخر، يعتبر الأكبر، مرتبطٌ ببعض الصناديق الاستثمارية التي تديرها عائلة جدتي. والمفتاح لهذه الصناديق، يكمن في وثائقٍ معينة، وصايا قديمة، لا يعرف مكانها إلا قلةٌ من الناس. وثائقٌ لم نجدها بعد."
"وهل تعتقد أن هذا الزواج سيساعد في إيجادها؟"
"أعتقد أن هذا الزواج سيساعد في توحيد الصفوف. سيجعل عائلتنا وأسرتكِ أكثر تكاتفًا. وقد يساعدنا ذلك في التعامل مع سالم. بالإضافة إلى ذلك، فإن والدي وجدكِ كانا يتفقان على توحيد مصالحهما. هذا الزواج هو فرصةٌ لإعادة إحياء هذه الشراكة، ولكن على أسسٍ جديدة."
نظرت ليلى إلى طارق، وقد شعرت بتعاطفٍ عميق. كان يتحمل عبئًا ثقيلًا. "ولكن... لماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟"
"كنتُ خائفًا يا ليلى. خائفًا من أن ترفضي. خائفًا من أن تريني كشخصٍ يستغلّكِ. ولكنني أحببتُكِ. أحببتُكِ منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها. وأردتُ أن تكوني زوجتي، وشريكتي في الحياة. حتى لو كان ذلك يعني أن نبدأ حياتنا معًا وهذه المشاكل تحيط بنا."
شعرت ليلى بتيارٍ من المشاعر يغمرها. حبه لها؟ هل كان صادقًا؟ أم كان جزءًا من هذه "الصفقة"؟
"ولكن، إذا كانت هذه الوثائق موجودة، ألن يكون من الأسهل أن تبحث عنها بنفسك؟"
"لقد بحثنا، يا ليلى. بحثنا كثيرًا. ولم نجد شيئًا. ولكن والدي قال إن جدتكِ، السيدة فاطمة، ربما تعرف شيئًا. إنها كانت قريبةً جدًا من والدتي، وربما سمعتُ منها شيئًا."
تذكرت ليلى فورًا مكالمة جدتها. "ربما تعرف جدتي شيئًا."
"هذا ما أتمناه. أتمنى أن نتجاوز هذه المحنة معًا، وأن نبني حياةً سعيدة، مليئةً بالحب والثقة."
نظرت إلى طارق. شعرت بأنه يتغير أمام عينيها. لم يعد الرجل الغامض الذي كانت تخشاه، بل أصبح رجلًا يصارع من أجل عائلته، ومن أجل مستقبله.
"طارق،" قالت بهدوء. "أنا هنا. معك. ولن نسمح لأحدٍ بأن يدمر مستقبلنا."
ابتسم طارق بامتنان، ومد يده ليصافح يدها. شعرت ليلى بدفءٍ يتدفق من يده، دفءٍ لم يكن مجرد حرارة جسد، بل كان دفءًا يبعث على الطمأنينة.
ولكن في نفس الوقت، شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها. سالم. هذا الاسم بدأ يتردد في أذنيها كعلامةٍ تحذير.