زواج المصلحة
هواجس الليل وأشباح الماضي
بقلم مريم الحسن
تسرب ضوء الشمس الخافت من بين ستائر الغرفة المعتمة، يرسم خطوطاً ذهبية على الأرضية الخشبية الباردة. استيقظت لينا على صوت أذان الفجر، لكن لم يكن ذلك ما أيقظها حقاً، بل ثقلٌ يضغط على صدرها، وهمومٌ تتزاحم في أفكارها كقطعان الغنم الضالة. لم تكن تلك الليالي التي تغفو فيها بسلام قد عادت. منذ أن وطأت قدماها هذا القصر الفسيح، وبدأ شبح عماد يلوح في الأفق، أصبحت أحلامها مرتعاً للقلق، ونومها قصيراً أشبه بنوبة استراحة متقطعة.
نهضت من سريرها المترف، وشعرت بتلك الهشاشة المعتادة في عظامها. كانت ترتدي ثوب نوم بسيطاً من القطن، يلامس جسدها برقة. توجهت نحو النافذة، وفتحت الستائر لتنساب أشعة الفجر على وجهها، وكأنها تحاول استجداء النور ليخترق عتمة روحها. رأى عيناها ذلك الأفق البعيد، لكن بصرها لم يكن واقعياً، بل كان يرتد إلى الوراء، إلى أيامٍ مضت، إلى ذكرياتٍ ما زالت عالقة كشظايا الزجاج في روحها.
"عماد..." همست باسمه، وكأنها تحدث ظلاً. كان ذلك الاسم يحمل في طياته كل ماضيها، كل جراحها، وكل أحلامها التي تحطمت. تذكرت تلك النظرة المتغطرسة في عينيه، تلك الابتسامة الساخرة التي كانت تعتاد رسمها على شفتيه. كان رجلاً أعماه الغرور، وأغرقته شهوات الدنيا. لقد بنى حياته على أساسٍ هش من المصالح والأكاذيب، وكان هو نفسه ضحيتها في نهاية المطاف.
لكن كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ كيف وجدت نفسها متزوجة من رجلٍ لم تعرفه إلا ظاهرياً؟ كيف أصبحت جزءاً من هذا العالم المليء بالأسرار والخفايا؟ كانت كل الخيوط تقودها إلى صفقةٍ باردة، إلى ترتيبٍ زواجٍ لم تكن هي الطرف المستفيد الوحيد فيه، بل كانت ربما الأداة.
ارتدت حجابها، وتوجهت نحو المصلى الصغير الملحق بغرفتها. أدت صلاتها بخشوعٍ ظاهر، لكن قلبها كان مشوشاً. كانت تدعو الله أن يمنحها القوة، أن يكشف لها الحقيقة، وأن يحميها من شرورٍ قد لا تراها. بعد الصلاة، جلست على سجادتها، وما زالت تلك الأسئلة تنهشها.
لم تفهم لماذا أصر عماد على هذا الزواج بهذه السرعة. كان هناك شيءٌ ما يخفيه، شيءٌ أكبر من مجرد رغبته في السيطرة أو إظهار نفوذه. كانت تلك النظرات الخاطفة التي يتبادلها مع والده، تلك الهمسات بين الحين والآخر، تدل على وجود مؤامرةٍ ما. هل كان هذا الزواج وسيلةً لإسكاتها؟ أم لامتلاكها؟ أم لإخفاء جريمة؟
تنهدت بعمق، وشعرت ببرودةٍ تسري في عروقها. كانت تخشى أن تكون ورقةً في لعبةٍ أكبر، لعبةٍ لا تعرف قواعدها، ولا ضحاياها. لقد فقدت عائلتها، فقدت مستقبلها، وفقدت ثقتها بنفسها. كل ما تملكه الآن هو شرفها، وعائلتها الجديدة التي لم تشعر بالانتماء إليها بعد.
ارتدت ملابسها، واختارت ثوباً داكن اللون، يليق بحالتها النفسية. كان عليها أن تواجه اليوم. اليوم الذي سيتم فيه الإعلان الرسمي عن زواجها أمام العائلة بأكملها. لم تكن تتطلع للقاء أحد. كانت تخشى ردود أفعالهم، وخاصةً نظرات زوجة عمها، السيدة لطيفة، التي كانت تكن لها مشاعر غريبة، مزيجاً من الشفقة والريبة.
نزلت إلى قاعة الطعام، حيث كانت العائلة قد اجتمعت بالفعل. كان الجو ثقيلاً، مشبعاً بالترقب. تبادلوا تحياتٍ رسمية، وكل منهم كان يحاول قراءة ما يدور في خلد الآخر. جلس عماد بجانبها، وكان يضع يده على ظهر كرسيها، وكأنها ملكٌ له. نظرت إليه، ورأت في عينيه بريقاً من الانتصار، أو ربما من التحدي.
بدأت السيدة لطيفة الحديث، بصوتٍ ناعمٍ ولكنه حازم: "لينا يا ابنتي، ألف مبروك. نأمل أن تكوني سعيدة في بيتك الجديد."
ابتسمت لينا بوهن، وقالت بصوتٍ مختنق: "شكراً لكم، خالتي."
تحدث والد عماد، السيد فؤاد، بصوتٍ أجش: "هذا الزواج قرارٌ حكيم. سيجمع شمل العائلتين، ويضمن استقرار كل شيء."
شعرت لينا ببرودةٍ تسري في جسدها. "استقرار كل شيء"؟ هل كان هذا يعني أن هناك شيئاً غير مستقر؟ هل كان زواجها محاولةً لردم فجوةٍ ما، أو لإخفاء كارثةٍ وشيكة؟
كان عماد ينظر إليها، وعيناه تتفحصانها. قال بلهجةٍ فيها شيءٌ من البرود: "لينا ستكون سعيدة معي. أنا أضمن ذلك."
لم تستطع لينا أن ترد. كانت كلماته كضرباتٍ على قلبها. لقد أصبح الأمر واضحاً، لم يكن هذا زواجاً تقليدياً، بل كان صفقةً، واتفاقاً. لكن ما هي طبيعة هذه الصفقة؟ وما هي الأطراف المتورطة فيها؟
بعد تناول الفطور، طلبت لينا من عماد أن تتحدث معه على انفراد. اصطحبها إلى مكتبه الفخم، الذي كان يعج بالكتب والمخطوطات القديمة. كان المكان يوحي بالهدوء، ولكنه كان مشبعاً برائحة التبغ الفاخر والغبار.
جلست لينا على أحد الكراسي الوثيرة، وهي تشعر بأن خفقان قلبها يتسارع. "عماد، يجب أن أفهم."
نظر إليها عماد، وبدت على وجهه ابتسامةٌ باهتة. "تفهمي ماذا يا لينا؟"
"لماذا هذا الزواج؟ ما هي الأسباب الحقيقية وراءه؟" سألت بصوتٍ يرتعش قليلاً. "أشعر وكأنني مجرد دمية في مسرحيةٍ لا أعرف قصتها."
تنهد عماد، وبدا أنه يفكر ملياً. "لينا، الحياة ليست دائماً كما تبدو. هناك أسبابٌ كثيرةٌ وراء كل قرارٍ نتخذه."
"لكنني أستحق أن أعرف." قالت بحزم، وقد استجمعت شجاعتها. "أنا زوجتك الآن، وقد أصبحت جزءاً من هذه العائلة. هل أنت متأكدٌ أننا على نفس الصفحة؟"
نظر إليها طويلاً، وكأنما كان يقرأ في أعماق روحها. قال أخيراً: "هناك بعض الأمور التي لا يمكنك فهمها الآن. لكن صدقيني، هذا الزواج هو الحل الأنسب لنا جميعاً."
"الحل؟ لم أكن أعرف أننا كنا في مشكلةٍ كهذه."
"كل عائلةٍ تواجه تحدياتها، لينا. وهذا هو تحدينا."
لم تقتنع لينا. كانت تشعر بأن عماد يخفي عنها شيئاً جوهرياً. "وهل سيؤثر هذا الحل على حياتي؟ على مستقبلي؟"
"بالتأكيد. ولكن ليس بالسوء الذي تتخيلينه." قال، وابتسامته غابت. "على الأقل، أنتِ الآن في مكانٍ آمن."
"مكانٌ آمن؟ وهل كنت في خطر؟" سألت، وارتعشت يداها.
"كان هناك احتمال." قال عماد، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "لكن الآن، كل شيءٍ على ما يرام."
شعرت لينا بأن الهواء يضيق حولها. "عماد، هل تخبرني بما حدث لعائلتي؟ هل له علاقةٌ بهذا الزواج؟"
تصلبت ملامح عماد، واختفت الابتسامة تماماً. نظر إليها بعينين حادّتين، وكأنما كان يحذرها. "لينا، بعض الأبواب من الأفضل أن تبقى مغلقة. لا تفتحي جروحاً قديمة."
"لكن هذه الجروح هي سبب وجودي هنا." قالت، ودموعها بدأت تتجمع في عينيها. "أريد الحقيقة، عماد. أريد أن أفهم لماذا أصبحت أرملةً في سنٍ مبكرة، ولماذا تزوجت رجلاً لم أحبه، ولماذا أشعر بأنني مختبئةٌ في قلعةٍ كبيرةٍ لا أعرف أسرارها."
نظر عماد إليها طويلاً، ثم أدار وجهه نحو النافذة. "الحقيقة يا لينا، غالباً ما تكون مؤلمة. وقد لا تكونين مستعدةً لسماعها الآن."
"متى سأكون مستعدةً؟"
"عندما يأتي الوقت المناسب." قال، وصوته كان خافتاً. "الآن، علينا أن نركز على حاضرنا. وعلى مستقبلنا المشترك."
شعرت لينا بخيبة أملٍ عميقة. كان عماد يغلق عليها كل الأبواب، ويتركها في ظلامٍ كثيف. لكنها لم تستسلم. كانت تعرف أن هناك شيئاً ما يحدث، شيئاً كبيراً. وشعرت بأنها تقف على حافة هاوية، لا تعرف ما إذا كانت ستسقط فيها أم ستجد سبيلاً للنجاة.
خرجت من مكتب عماد، وقلبها أثقل من ذي قبل. كانت تعلم أن هذا الزواج لم يكن مجرد زواج، بل كان جزءاً من خطةٍ معقدة. وأنها، شئت أم أبيت، أصبحت لاعبةً فيها. لكن من هم اللاعبون الآخرون؟ وما هو الهدف النهائي؟ لم تستطع الإجابة على ذلك، لكنها وعدت نفسها بأنها ستبحث عن الحقيقة، مهما كان الثمن.