زواج المصلحة
همسات العائلة واختبار الثقة
بقلم مريم الحسن
بعد إعلان الزواج رسمياً، امتلأ القصر بأجواءٍ تجمع بين الاحتفال الحذر والترقب المشوب بالحذر. استقبلت السيدة لطيفة، والدة عماد، لينا بابتسامةٍ مصطنعة، وزينت قصرها بأبهى الحلل، وكأنها تحتفل بصفقةٍ ناجحة. لكن عينيها، تلك العيون الثاقبة التي لا تخفي شيئاً، كانت تراقبان لينا في كل حركةٍ، في كل كلمة.
"لينا يا عزيزتي،" قالت السيدة لطيفة بلهجةٍ فيها ترحيبٌ ظاهري، بينما كانت تضع يدها على ذراع لينا، "يسعدني جداً أن أراكِ سعيدة. عماد رجلٌ طيب، وسيعتني بكِ."
ابتسمت لينا ابتسامةً باهتة، وقالت: "أشكركِ، خالتي."
"لا داعي للشكليات بيننا،" أضافت السيدة لطيفة، ونبرتها أصبحت أكثر قرباً، "أنتِ الآن ابنتي، ويجب أن تشعري بكل راحةٍ في هذا البيت."
كانت كلمات السيدة لطيفة تحمل دفئاً ظاهرياً، لكن لينا شعرت بأنها مجرد قناع. كانت تعرف أن السيدة لطيفة امرأةٌ قوية، صاحبة نفوذ، وأنها كانت تلعب دوراً كبيراً في ترتيب هذا الزواج. لكن ما هو دورها بالضبط؟ هل كانت تدعم عماد؟ أم أنها كانت تحاول السيطرة على الوضع؟
خلال الأيام التالية، حاولت لينا التأقلم مع حياتها الجديدة. كانت تقضي معظم وقتها في غرفتها، تقرأ الكتب، أو تتأمل الطبيعة من نافذتها. كانت تتجنب عماد قدر الإمكان، فهو كان يذكرها بالغموض الذي يكتنف حياتها. وعندما تضطر لمقابلته، كانت تجد نفسها متوترةً، غير قادرةٍ على فهم دوافعه.
ذات مساء، بينما كانت لينا تتناول العشاء بمفردها في قاعة الطعام المهيبة، دخل عماد. كان قد عاد للتو من العمل، ويبدو عليه الإرهاق. جلس مقابلها، ونظر إليها بتفحص.
"هل تناولتِ طعامكِ؟" سأل بصوتٍ هادئ.
"نعم، شكراً لك." أجابت لينا، وهي تشعر بعدم الارتياح.
"لينا،" بدأ عماد، وكأنما كان يجمع شتات أفكاره، "أعلم أن هذا الوضع ليس سهلاً عليكِ. لكن علينا أن نحاول جعله أفضل."
"أحاول، عماد." قالت لينا، وهي تنظر إلى طبقها. "لكنني أشعر بأنني أعيش في عالمٍ غريب. عالمٌ لا أعرفه."
"أنا هنا لأجعله مألوفاً لكِ." قال عماد، وبدا أنه يحاول بث الطمأنينة في كلماته. "وسأكون بجانبكِ في كل خطوة."
"وهل أنت متأكدٌ أنك تعرف كل الخطوات؟" سألت لينا، وشعرت بأنها تغامر.
نظر إليها عماد، وابتسامةٌ خفيفةٌ ظهرت على شفتيه. "أنا أعرف ما يكفي لضمان سلامتنا."
"سلامتنا؟" كررت لينا، وهي تشعر بأنها تقترب من الحقيقة، "هل هناك خطرٌ يهددنا؟"
تنهد عماد، ثم قال: "كان هناك خطرٌ كبيرٌ في الماضي. والآن، نعمل على تدارك تبعاته."
"وما هي هذه التبعات؟" سألت بحذر.
"تتعلق هذه التبعات بعائلتكِ، يا لينا." قال عماد، وبدا عليه الحزن. "وبعلاقة عائلتنا بعائلتكِ."
اتسعت عينا لينا. "عائلتي؟ هل لها علاقةٌ بما حدث لي؟"
"نعم." أجاب عماد بصوتٍ خافت. "وبعلاقةٍ معقدةٍ جداً. هذا الزواج هو محاولةٌ لطي صفحةٍ مؤلمة، ولتجنب المزيد من الألم."
"ولكن لا زلت لا أفهم." قالت لينا، وشعرت بأنها تدور في حلقةٍ مفرغة. "من المتورط في هذا الألم؟ وما هو دوري فيه؟"
"دوركِ هو أن تكوني هنا، يا لينا." قال عماد، ونبرته أصبحت أقوى. "لتكوني شاهدةً على هذا التغيير. ولتكوني جزءاً من استعادة كل ما فقدناه."
"ما الذي فقدناه؟"
"الكثير." قال عماد، ونظر إليها بعينين فيها الكثير من الألم. "السمعة، الثقة، وحتى الأرواح."
هذه الكلمة الأخيرة، "الأرواح"، جعلت لينا تشعر بالبرد. هل كان زواجها له علاقةٌ بموتٍ؟ هل كان عماد يحاول التكفير عن ذنبٍ؟
في الأيام التالية، حاولت لينا أن تستجلي المزيد من الحقائق، لكنها كانت تصطدم دائماً بحائطٍ صلب. كان عماد يتحاشى الإجابة عن أسئلتها المباشرة، والسيدة لطيفة كانت تحاول إشغالها بالاهتمامات النسائية، كالتسوق وزيارات الصالون.
لكن لينا لم تكن لتستسلم. كانت تبدأ في ملاحظة تفاصيل صغيرة، خيوطاً رفيعة تربط بين الأشخاص والأحداث. كانت تلاحظ نظرات القلق التي يتبادلها عماد مع والده، السيد فؤاد، في غيابها. كانت تسمع همساتٍ تتلاشى عند اقترابها.
ذات يوم، بينما كانت تتصفح مكتبة عماد الواسعة، عثرت على مجلدٍ قديمٍ مغلفٍ بالجلد. كان يحمل عنواناً بالخط العربي المعقد: "سجلات العائلة". فتحت المجلد بحذر، وبدأت تقرأ. كانت السجلات تحتوي على قصصٍ عن أجداد العائلة، عن علاقاتهم، وعن ثرواتهم. لكنها وجدت أيضاً فصلًا يتحدث عن نزاعٍ قديمٍ بين عائلتها وعائلة عماد، نزاعٌ بدأ بسبب خلافٍ تجاري، وتصاعد ليتحول إلى عداوةٍ مريرة.
صُدمت لينا. لم تكن تعلم بوجود هذا النزاع. هل كان هذا هو السبب وراء زواجها؟ هل كان محاولةً لإصلاح علاقةٍ متدهورة؟
قبل أن تتعمق في قراءة السجلات، دخل عماد المكتب. رأى لينا وهي تحمل المجلد، وارتسمت على وجهه علامات الانزعاج.
"ماذا تفعلين هنا يا لينا؟" سأل بلهجةٍ فيها شيءٌ من الشك.
"كنت أبحث عن كتابٍ أقرأه." قالت لينا، وحاولت أن تخفي قلقها. "ووجدت هذا المجلد."
نظر عماد إلى المجلد، ثم إلى لينا، وعيناه تحملان نظرةً حادة. "هذا المجلد يحتوي على أسرارٍ قديمة، يا لينا. وأسرار العائلة من الأفضل أن تبقى في العائلة."
"لكنني الآن جزءٌ من هذه العائلة." قالت لينا، وهي تشعر بقوتها تتزايد. "وأنا أريد أن أفهم ماضينا، حتى أستطيع بناء مستقبلنا."
تنهد عماد، وجلس على مقعده. "لينا، الحقيقة ليست دائماً ما نتوقعه. وقد تكون قاسيةً جداً."
"أنا مستعدةٌ لتحمل قسوتها." قالت لينا، وعيناها تلتمعان بالإصرار. "أخبرني، عماد. ما هو هذا النزاع القديم؟ وما علاقته بزواجي؟"
نظر عماد إليها طويلاً، وكأنما كان يوازن بين قرارين. أخيراً، قال: "هذا النزاع هو قصةٌ طويلة، يا لينا. قصةٌ بدأت قبل ولادتنا بكثير."
"وأنتم حاولتم إصلاحه بهذا الزواج؟"
"كانت تلك إحدى الوسائل." قال عماد، ونبرته أصبحت أكثر استرخاءً. "لكن الأمور تطورت، وأصبح هناك ما هو أكثر من مجرد نزاعٍ قديم."
"ما هو؟" سألت لينا، وقلبها يخفق بقوة.
"هناك أشخاصٌ يحاولون استغلال هذا الوضع." قال عماد، وهو ينظر إليها بجدية. "وهذا الزواج هو أيضاً لحمايتكِ."
"حمايتي؟ من من؟"
"من أولئك الذين يريدون إلحاق الأذى بعائلتي، وبكم."
"بعائلتي؟" كررت لينا، وهي تشعر بأنها تدور في دوامةٍ من الأسرار. "هل له علاقةٌ بما حدث لأبي وأمي؟"
صمت عماد. كان صمته أبلغ من أي كلمة. ثم قال ببطء: "نعم، لينا. كان له علاقةٌ بذلك. وهذا هو السبب الرئيسي وراء هذا الزواج."
شعرت لينا بأن الأرض تميد بها. كانت تشعر بالصدمة، بالحزن، والغضب. لقد كانت مجرد بيدقٍ في لعبةٍ أكبر، لعبةٍ لا تعرف نهايتها. ولكنها الآن، بدأت ترى بعض الخيوط، بعض الوجوه. ووعدت نفسها بأنها ستكشف كل شيء، مهما كان الثمن.