الفصل 3 / 25

زواج المصلحة

لقاءٌ في رواق الذكريات

بقلم مريم الحسن

عندما دخلت "لينا" غرفتها، وجدت نفسها وجهاً لوجه مع أصدقائها القدامى: كتبها، لوحاتها، وألوانها. كان المكان ملاذاً لها، حيث تستطيع أن تهرب من ضغوط العالم الخارجي وتجد راحتها في عالمها الخاص. ولكن اليوم، لم تستطع حتى تفاصيل عالمها هذا أن تمنحها السكينة.

جلست أمام طاولة الرسم، حيث كانت لوحةٌ غير مكتملة. كانت ترسم بها مشهداً من حديقة القصر، ولكنها توقفت عن الرسم قبل أيام، وكأن إلهامها قد نضب مع تزايد قلقها. نظرت إلى الألوان المتناثرة، والفرشاة المغموسة في علبة الألوان، وشعرت بأنها فقدت شغفها.

أخذت نفساً عميقاً، ثم بدأت تتحدث إلى نفسها بصوتٍ خافت، وكأنها تُجري حواراً مع روحها. "لماذا كل هذا؟ لماذا عليّ أن أعيش هكذا؟ ألا تستحق المرأة الحب والسعادة؟"

تذكرت أيام طفولتها، كيف كانت تقضي ساعاتٍ طويلة في الرسم، تحلم بأن تصبح فنانةً مشهورةً، وأن تُعرض أعمالها في كبرى المعارض. كانت هذه أحلامها، وأحلامها كانت كل شيءٍ بالنسبة لها.

"ماذا لو رفضت؟" همست. "ماذا لو قلت لا؟ هل سينهار كل شيء؟"

تخيلت وجوه والديها، وجه شقيقها. تخيلت نظرة خيبة الأمل على وجوههم. كان من المستحيل أن تخونهم. كانت العائلة أهم شيءٍ في حياتها، بعد دينها.

"ولكن،" قالت بصوتٍ أقوى، "هل يعني هذا أنني يجب أن أضحي بسعادتي؟ بزواجي؟ بحياتي؟"

كانت هذه هي المعضلة. هل كان هناك حلٌ وسط؟ هل يمكنها أن تتزوج السيد "عمر" وفي نفس الوقت تحافظ على ذاتها؟

فجأة، رنّ هاتفها. نظرت إلى الشاشة، ورأت اسم "خالد" يظهر. أجابت بخفة.

"لينا، كيف حالك؟" سأل خالد، وبدا صوته أكثر هدوءاً.

"بخير، الحمد لله. أفكر."

"سمعتُ عن القلادة. إنها هديةٌ جميلة، أليس كذلك؟"

"إنها جميلة، ولكنها... لم تأتِ معها مشاعر."

"لا تقلقي بشأن المشاعر الآن، لينا. المشاعر يمكن أن تأتي مع الوقت. ما يهم الآن هو استقرارنا. السيد 'عمر' رجلٌ ثريٌ جداً. لديه شركاتٌ كثيرة، واستثماراتٌ واسعة. يمكنه أن يُعيد بناء إمبراطوريتنا."

"ولكنني لا أريد أن أكون مجرد أداةٍ لتحقيق هذا الهدف، يا خالد."

"أعلم، يا لينا، وأتفهم ذلك. ولكن هذه هي طبيعة الحياة أحياناً. يجب أن نضحي ببعض الأشياء من أجل الآخرين. من أجل العائلة."

"وهل أنت متأكدٌ من أن هذا هو السبيل الوحيد؟"

"بالنسبة لي، نعم. لقد استنفدت كل الخيارات. هذه هي الفرصة الوحيدة المتاحة لنا."

تنهدت "لينا". كان شقيقها على حق. كانت قد بحثت، وطرحت الأفكار، ولكن لم يجد أحدٌ حلاً.

"حسناً،" قالت بصوتٍ مكتوم. "سأفكر في الأمر. سأحاول أن أتقبله."

"هذا جيدٌ جداً، يا لينا. أنا فخورٌ بكِ. أنتِ حقاً شقيقةٌ عظيمة. وسأكون دائماً إلى جانبك."

"شكراً لك، يا خالد."

أنهت "لينا" المكالمة، وشعرت بأن عبئاً قد زال عنها قليلاً. ولكن القلق لا يزال يرتسم على وجهها.

ذهبت إلى خزانة ملابسها، وبدأت تتصفح ثيابها. ماذا سترتدي في المساء؟ هل سترتدي القلادة؟ هل ستُظهر للسيد "عمر" أنها قد قبلت هديته، وبالتالي عرضه؟

بعد تفكيرٍ طويل، اختارت ثوباً بسيطاً وأنيقاً، باللون البيج، مع تطريزٍ ذهبيٍ خفيف. كان الثوب يعكس ذوقها الرفيع، ولكنه كان أيضاً محتشماً، وغير لافتٍ للنظر. لم ترد أن تُعطي السيد "عمر" أي انطباعٍ بأنها قد وقعت في فخّه.

ثم، وقعت عيناها على صندوقٍ خشبيٍ قديم، كان مخبأً في آخر الخزانة. فتحته، ووجدت بداخله مجموعةً من رسائل جدتها، السيدة "أمينة". كانت جدتها قد تركت لها هذه الرسائل قبل وفاتها، كنوعٍ من التوجيه والإرشاد.

فتحت إحدى الرسائل، وبدأت تقرأ. كانت جدتها تتحدث عن الحب، وعن الزواج، وعن أهمية اختيار الشريك المناسب.

"يا ابنتي،" قرأت "لينا" في إحدى الرسائل. "إن الزواج ليس مجرد عقدٍ اجتماعي، بل هو رباطٌ روحيٌ عميق. ابحثي عن رجلٍ يُحبكِ، ويُقدركِ، ويُشارككِ أحلامكِ. إن المال والجاه لا يدومان، ولكن الحب والمودة هما ما يبنيان بيتاً سعيداً."

تأثرت "لينا" بكلمات جدتها. كانت جدتها دائماً ما تقول لها أن قلبها هو دليلها، وأن الحب هو أعظم هديةٍ في الحياة.

"ولكن،" همست "لينا"، "ماذا لو لم يكن الحب متاحاً؟ ماذا لو كان الاختيار بين الحب والواجب؟"

واصلت القراءة، وفي إحدى الرسائل، وجدت جدتها تتحدث عن الزواج من أجل العائلة، وعن أهمية التضحية.

"في بعض الأحيان، يا ابنتي،" كتبت جدتها، "قد نضطر إلى اتخاذ قراراتٍ صعبةٍ من أجل من نحب. قد نضطر إلى التنازل عن بعض رغباتنا. ولكن الأهم من ذلك، هو أن نحافظ على مبادئنا، وأن نُقدم على هذه التضحيات بإرادتنا، وليس مجبرين."

"بإرادتنا، وليس مجبرين..." كررت "لينا" الكلمات. كانت هذه هي النقطة الأساسية. إذا كان عليها أن تتزوج السيد "عمر"، فيجب أن تفعل ذلك عن قناعة، وليس عن خوف.

نظرت "لينا" إلى القلادة التي كانت لا تزال في صندوقها. فكرت في السيد "عمر". لم تعرف عنه شيئاً، سوى أنه رجلٌ ثريٌ وذو نفوذ. ولكن ربما كان لديه أيضاً جوانبٌ أخرى. ربما كان لديه قلبٌ، وحياةٌ، وأحلام.

"سأرى،" همست "لينا". "سأرى ما سيحدث."

ثم، خرجت من غرفتها، وتوجهت نحو قاعة الطعام. كان الوقت قد اقترب، وكان عليها أن تستعد للقاء.

عندما دخلت القاعة، وجدت والديها وشقيقها ينتظرونها. بدا عليهم القلق.

"لينا،" قالت السيدة "فاطمة". "هل أنتِ جاهزة؟"

"نعم، يا أمي. أنا جاهزة."

"هل سترتدين القلادة؟" سأل خالد.

نظرت "لينا" إلى والدتها، ثم إلى والديها. "لا، لن أرتديها. ولكن سأذهب إلى هناك، وسأرى. وسأتحدث مع السيد 'عمر'. سأحاول أن أفهمه، وأن أجعله يفهم. وإذا لم ينجح الأمر، فسنرى."

ابتسم السيد "عبد الله" لابنته. "هذا هو ابنتي. ابنتي القوية."

شعرت "لينا" ببعض الدفء يملأ قلبها. لم تكن وحدها. كانت عائلتها إلى جانبها.

في تلك اللحظة، سمعوا صوت بوق سيارةٍ قادمة. لقد وصلوا.

تنفسّت "لينا" بعمق، وحاولت أن تُهدئ من روعها. كان عليها أن تكون قوية، شجاعة، وأن تُظهر أفضل ما لديها. كانت هذه ليلتها، وليلة مصيرها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%