زواج المصلحة
ظلال الماضي تثقل الحاضر
بقلم مريم الحسن
كانت الليلة تمتد أمام لبنى كصحراء شاسعة لا نهاية لها، سكونها ثقيل، وهدوءها مخيف. جلست في جناحها الذي بات أشبه بزنزانة فارهة، تتأمل خيوط الضوء الخافتة التي تسللت عبر ستائر المخمل الثقيل، ترسم أشكالاً غامضة على الأرضية الرخامية. كانت قد استقبلت أمها بحرارة، ورتبت معها كل ما يلزم لإنجاح هذا الزواج الذي حملته الأقدار على أعناقها. ولكن، خلف ابتسامتها المتكلفة، كان يختبئ قلق لا يرحم، وذكرى أثقلت روحها كقطعة صخر.
منذ أن وطأت قدماها بيت زوجها الجديد، شعرت بأن هناك شيئًا ما، خفيًا، يطاردها. لم يكن الأمر مجرد رهبة اللحظة، ولا ثقل المسؤولية، بل كان أعمق من ذلك. كان يخص آدم. هذا الرجل الغامض، ذو العينين العميقتين اللتين تخفيان أسرارًا أقدم من عمره، والذي وجدته فجأة شريكًا في حياتها. كانت تتنازعه مشاعر متضاربة؛ حذر شديد يمتزج بفضول جامح، وربما، ولو بصعوبة، لمحة إعجاب بتلك الهالة التي تحيط به.
في الأيام الأولى، حاولت لبنى أن تتجاوز نظرتها الأولى له. لقد قبلت الزواج لمصلحة عائلتها، لمصلحة أبيها المريض، ولمصلحة سمعة أسرتهم التي كادت أن تنهار. كانت تعرف أن آدم رجل أعمال ناجح، ذو نفوذ واسع، وأن زواجها به سيمنحها الأمان المادي، ويقطع الطريق على ألسنة السوء. لكن قلبها، ذلك القلب الذي لم يذق طعم الحب الحقيقي يومًا، كان يصرخ احتجاجًا على هذا الترتيب البارد.
في إحدى الليالي، وبينما كان آدم منهمكًا في عمله حتى ساعات متأخرة، وجدت لبنى نفسها تتجول في مكتبه الضخم. كان يعج بالكتب القديمة، والخرائط، والصور الفوتوغرافية التي بدت وكأنها تحكي قصصًا من زمن آخر. مدّت يدها لتلمس غلاف كتاب جلدي عتيق، وكاد قلبها أن يقفز من صدرها عندما رأت صورتين صغيرتين مثبتتين على إحدى الأوراق. صورة لآدم وهو في مقتبل العمر، يبتسم ابتسامة بريئة لم ترها فيه قط، وبجانبه، صورة لفتاة ذات عينين واسعتين وشعر أسود حالك. كانت جميلة، ذات جمال هادئ، ولكن في عينيها كان يكمن حزن عميق، كأنها تحمل عبء الدنيا.
شعرت لبنى ببرودة تسري في عروقها. هل هذه حبيبته؟ زوجته السابقة؟ أم مجرد صديقة عزيزة؟ لم تكن تعرف، ولكن شعورًا بالغيرة، غيرة باردة، بدأت يتسلل إلى روحها. تذكرت حوارًا دار بينها وبين خادمة منزله، السيدة فاطمة، المرأة العجوز ذات الوجه الحنون، والتي كانت تجيبها عن أسئلتها بكلمات مقتضبة، لكن عينيها كانتا تحكيان الكثير. سألتها يومًا عن آدم، وعن حياته قبلها. أجابتها السيدة فاطمة بصوت خفيض: "السيد آدم طيب، لكنه يحمل همومًا كبيرة. ماضيه أثقل من أن يحمله جبل."
تسللت أصوات آدم المألوفة، لقد عاد. سارعت لبنى بإعادة الصورة إلى مكانها، وأصلحت أي شيء قد يبدو في غير موضعه، ثم خرجت من المكتب بسرعة، وعادت إلى جناحها، وقلبها يخفق بشدة. بدأت تشعر بأن هذا الزواج ليس مجرد صفقة، بل هو ساحة معركة. معركة مع ماضي آدم، ومع حاضرها الذي بدأت تشعر فيه بأنها مجرد ظل.
في اليوم التالي، استقبلت لبنى خبرًا جعلها تشعر بأن الأرض تبتلعها. والدها، الذي كان يتحسن تدريجيًا، قد أصيب بانتكاسة مفاجئة. الأطباء حذرون، والحاجة إلى المزيد من العلاج الباهظ أصبحت ملحة. كان هذا يعني أن صفقة الزواج، تلك الصفقة التي هدأت من روعها، قد تصبح بلا قيمة إذا لم تتم بالكامل، وإذا لم تضمن لها الدعم المالي الكافي.
نظرت إلى آدم، الذي كان يتابعها بعينيه الثاقبتين. رأت فيه ذلك الرجل القوي، القادر على حل كل شيء. ولكن، هل يستطيع أن يمنحها القوة التي تحتاجها في هذه اللحظة؟ هل يستطيع أن يمنحها الأمان الحقيقي، أم أنه هو نفسه يغرق في بحر من الظلال؟
كانت لبنى تعرف أن هذه اللحظة فاصلة. إما أن تستسلم للواقع المرير، وتؤدي دور الزوجة المطيعة، وتبني حياتها على أساس هش من التظاهر، أو أن تبدأ رحلة البحث عن شيء أعمق، شيء يستحق النضال من أجله. لم تكن تعرف ما هو هذا الشيء، ولكن شيئًا ما في أعماقها بدأ يتململ، يرفض الخضوع.
عندما اقترب آدم منها، متسائلاً عن سبب قلقها، شعرت لبنى بشيء غريب. لم يكن الأمر مجرد خوف على والدها، بل كان هناك شعور بالوحدة، ووحدة مضاعفة، في هذا المكان الغريب، مع هذا الرجل الغريب. حاولت أن تتحدث، أن تشرح، لكن الكلمات تاهت منها. بدا آدم كصخرة صماء، لا ينفذ إليها شيء.
"آدم،" قالت بصوت خفيض، "أبي... أبي في حالة حرجة."
نظر إليها آدم مليًا، ورأت في عينيه وميضًا من شيء لم تستطع تحديده. هل كان شفقة؟ أم اهتمامًا؟ أم مجرد تقييم لوضع جديد؟
"سنفعل ما يلزم،" قال بصوت هادئ، ولكن بنبرة حاسمة. "اطمئني."
كلماته كانت مريحة، ولكنها لم تلامس أعماق جرحها. استشعرت لبنى بأنها في لعبة أكبر مما تتصور، لعبة يتداخل فيها المال، والحب، والأسرار، والماضي. هل يمكن لزواج المصلحة هذا أن يتحول إلى شيء حقيقي، شيء يعبر تلك الظلال؟ أم أنه سيظل مجرد قناع يرتديه الجميع، بينما أرواحهم تتألم بصمت؟
لم يكن أمامها سوى المضي قدمًا، خطوة بخطوة، في هذا الطريق المجهول. ولكن، شعرت بأنها تقف على حافة بركان، لا تعلم متى سينفجر.