زواج المصلحة
همسات في رواق الأيام
بقلم مريم الحسن
عاد آدم إلى عمله، تاركًا لبنى تغرق في دوامة من الأفكار. كان حديثها عن والدها يثقل كاهله، ليس لأنه كان يفتقر للتعاطف، بل لأن كل شيء متعلق بأسرة لبنى كان يذكره بماضٍ أراد أن يدفنه تحت رمال النسيان. كان الزواج منها قرارًا مدروسًا، لم يكن مجرد استجابة لضغوط خارجية، بل كان جزءًا من خطة أكبر، خطة بدأ يرسمها لنفسه منذ سنوات.
كان يدرك جيدًا ثمن هذا الزواج، ثمنه المالي والمعنوي. لقد قدم لوالدها عرضًا سخيًا، ليس حبًا في الزواج، بل لأن تلك الصفقة كانت تفتح له أبوابًا أخرى، أبوابًا يخشاها الكثيرون. ولكنه كان يعرف أيضًا أن لبنى لم تكن مجرد أداة في يديه. رأى فيها شيئًا، شيئًا افتقده في حياته، شيئًا بريئًا، نقيًا، لم تفسده تقلبات الحياة التي خبرها بنفسه.
في الأيام التي تلت، بدأ آدم يقضي وقتًا أطول في الشركة، منهمكًا في صفقاته المعقدة. كان يبحث عن صفقة كبرى، صفقة ستعيد له ما فقده، صفقة ستؤمن له ما كان يصبو إليه. كان يخشى أن يأتي الوقت الذي تكتشف فيه لبنى حقيقة ما يجري، أو حقيقة أهدافه. ولكنه كان يعتقد أن قوته تكمن في السرية، وأن الانكشاف المبكر قد يدمر كل شيء.
كانت لبنى، من جانبها، تحاول أن تتأقلم مع حياتها الجديدة. كانت تقضي ساعات طويلة في قراءة الكتب، تتجنب التفكير في آدم وعلاقتها به. كانت تشعر بالوحدة، وحدة لا تخففها رفاهية المكان أو فخامة الأثاث. كانت تتذكر أيامها مع أسرتها، أيام البساطة، أيام الضحكات الصادقة، أيام لم تكن فيها الظلال بهذا الثقل.
وذات مساء، بينما كانت جالسة في شرفتها المطلة على حديقة المنزل الواسعة، سمعت صوت عزف ناي آتٍ من بعيد. كان لحنًا حزينًا، شجيًا، يلامس أوتار قلبها. استيقظت فضولها، فقامت واتجهت نحو مصدر الصوت. وجدت نفسها تقف أمام غرفة جانبية، بابها مفتوح قليلًا، ومنها يتصاعد اللحن.
كانت غرفة مكتبة صغيرة، مليئة بالكتب والآلات الموسيقية القديمة. وفي وسطها، كان يجلس آدم، ورأسه بين يديه، يعزف على ناي خشبي يبدو قديمًا جدًا. كان يعزف ببراعة، وبشغف، وكان وجهه يعكس عمق حزن دفين.
لم يكن آدم يعلم بوجودها. توقفت لبنى في مكانها، تشاهده. لم تر فيه الرجل القوي، الغامض، رجل الأعمال المحنك، بل رأته إنسانًا، إنسانًا يحمل الكثير من الألم. توقف آدم عن العزف فجأة، وكأنه شعر بوجودها. رفع رأسه، ورأى لبنى واقفة عند الباب، وعيناها تنظران إليه بذهول.
"لا أعرف أنك تعزف،" قالت لبنى بصوت خفيض، وقد استعادت رباطة جأشها.
ابتسم آدم ابتسامة باهتة. "هذه عادة قديمة. قديمة جدًا."
"اللحن جميل،" قالت لبنى، "لكنه حزين."
"الحياة مليئة بالأحزان، يا لبنى،" قال آدم، ووقف. "والفن هو طريقة للتعبير عنها، أو ربما، للهروب منها."
اقترب منها، ونظر في عينيها. "لم أتوقع أن أجدك هنا."
"جذبني اللحن،" قالت لبنى. "لقد بدا وكأن له قصة."
"كل لحن له قصة،" قال آدم. "وقصتي لا تزال تُكتب."
شعرت لبنى بنبرة في صوته، نبرة تحمل معنى أعمق. "هل تريد أن تخبرني عن قصتك؟" سألت بتردد.
تردد آدم للحظة، ثم هز رأسه. "ليس الآن، يا لبنى. ربما في يوم آخر."
صمت خيم عليهما. لم تعد لبنى تشعر بالوحدة. كانت تشعر بأنها تقف أمام جدار، جدار سميك، ولكنها بدأت تشعر بالشقوق فيه.
"يجب أن أذهب،" قالت لبنى، "والدتي تنتظرني."
"ليلة سعيدة،" قال آدم، وعاد ليجلس على كرسيه، ولكن لم يلمس الناي مرة أخرى.
عادت لبنى إلى جناحها، وقلبها مضطرب. لم تعد تشعر بأنها تعيش في قفص. كانت تشعر بأنها تقف على مفترق طرق، طرق قد تقودها إلى فهم أعمق لهذا الرجل، وفهم أعمق لنفسها.
في الأيام التالية، بدأت لبنى تشعر بأن شيئًا ما يتغير. لم تعد تشعر بالخوف من آدم، بل بالفضول. بدأت تبحث في مكتبته عن كتب تتعلق بالموسيقى، وتاريخ الآلات الموسيقية. وبدأت تسأل السيدة فاطمة عن أشياء بسيطة، عن عادات آدم، عن طعامه المفضل، عن ألوانه المفضلة. السيدة فاطمة، التي كانت تبدو دائمًا وكأنها تحمل سرًا، بدأت تفتح قلبها قليلاً.
"السيد آدم كان يحب الطبيعة كثيرًا في صغره،" قالت السيدة فاطمة ذات يوم، وهي ترتب الأطباق على مائدة العشاء. "كان يقضي ساعات في الحديقة، يلعب ويستكشف."
"وماذا عنه الآن؟" سألت لبنى.
"الزمن يغير الناس، يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة، وأطلقت تنهيدة خفيفة. "لكن أحيانًا، تظل الأشياء الجميلة مختبئة تحت طبقات كثيرة."
كانت هذه الكلمات تعني شيئًا للللى. بدأت لبنى تشعر بأنها تريد أن تزيل تلك الطبقات. لم يعد الأمر مجرد زواج مصلحة، بل أصبح سباقًا مع الزمن، سباقًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وللعثور على إنسان خلف الواجهة.
كانت تعلم أن الأمر لن يكون سهلاً. كانت تعلم أن آدم يخفي الكثير. ولكن، في كل مرة كانت تشعر فيها باليأس، كانت تتذكر لحن الناي الحزين، وتتساءل عن القصة التي يحاول آدم أن يخفيها. كانت تؤمن بأن الصدق، وإن كان مؤلمًا، هو السبيل الوحيد للنجاة.