زواج المصلحة
معركة الروح تحت قناع التظاهر
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام تتوالى، وكل يوم يضيف طبقة جديدة إلى تعقيد العلاقة الناشئة بين لبنى وآدم. لم يكن الزواج مجرد اتفاق متبادل، بل كان ساحة معركة خفية، تخوضها لبنى ضد ماضي آدم، وضد رغبتها المتزايدة في فهمه، وضد خوفها من اكتشاف ما قد تخبئه الأيام. كانت تحاول أن تكون زوجة مثالية، مطيعة، هادئة، ولكن روحها كانت تتململ، تبحث عن حرية، عن صدق، عن ما هو أبعد من مجرد مصلحة.
في أحد الأيام، وبينما كان آدم منهمكًا في اجتماع عمل عبر الهاتف، دخلت لبنى إلى مكتبه، حاملةً في يدها صينية عليها فنجان قهوة وبعض الحلويات. لاحظت أن آدم يبدو متعبًا، وأن هناك هالات سوداء تحت عينيه. أرادت أن تقدم له شيئًا بسيطًا، لفتة تدل على اهتمامها، لفتة تخفف من ثقل عالمه.
"صباح الخير، آدم،" قالت بصوت هادئ، واضعة الصينية أمامه.
نظر إليها آدم، وقد بدا وكأنه خرج للتو من عالم آخر. "صباح النور، لبنى. لم أكن أعرف أنك ستأتين."
"أردت أن أفاجئك،" قالت لبنى، وهي تجلس على كرسي بجانب مكتبه، رغم أنها كانت تعرف أن وجودها هناك قد يكون غير مرغوب فيه. "يبدو أنك تعمل كثيرًا."
"هناك صفقة كبيرة على المحك،" قال آدم، وهو يشرب القهوة، ويبدو أنه استعاد بعضًا من تركيزه. "إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فإنها ستغير الكثير."
"هل هي صفقة حسنة؟" سألت لبنى، تحاول استكشاف عالمه دون أن تبدو فضولية بشكل مبالغ فيه.
ابتسم آدم، ابتسامة نادرة، تحمل شيئًا من الاعتزاز. "إنها صفقة ستعيد لي الكثير مما ضاع."
"وماذا ضاع؟" سألت لبنى، وهنا شعرت بأنها تخطت الحدود.
سكت آدم للحظة، وعاد البرود إلى عينيه. "أشياء كثيرة، يا لبنى. أشياء لا يمكن تعويضها بسهولة."
شعرت لبنى بخيبة أمل. كانت تأمل أن يفتح قلبه لها، ولو قليلاً. ولكن، بدا أن هذا الرجل يحيط نفسه بجدار سميك من الأسرار.
في الأيام التالية، بدأت لبنى تلاحظ تغيرًا في سلوك آدم. أصبح أكثر انطوائية، وأكثر قلقًا. كان يقضي ساعات طويلة في الخارج، يعود متأخرًا، وغالبًا ما يكون منهكًا. كانت تشعر بأنه يخفي شيئًا، شيئًا يهدد استقراره، وربما استقرارها.
وفي إحدى الليالي، استيقظت لبنى على صوت خطوات ثقيلة في الردهة. نظرت من نافذة جناحها، ورأت آدم يتجادل بصوت عالٍ مع رجل آخر، رجل لم تعرفه. كان الصوت مليئًا بالغضب، والتهديد. حاولت لبنى أن تتجاهل الأمر، وأن تعود للنوم، ولكن كلماتهم كانت تخترق جدار الغرفة، تصل إلى أعماق روحها.
"لن أسمح لك بذلك،" قال آدم بصوت جهوري، "هذه حياتي، وليست ملكك."
"إنها صفقة، آدم،" رد الرجل الآخر بصوت ماكر، "وكل صفقات لها ثمن."
"ثمني أعلى مما تتصور،" قال آدم، وعادت الخطوات لتتجه نحو الخارج.
بعد أن غادر الرجل، بقي آدم واقفًا في الظلام للحظات، قبل أن يعود إلى جناح نومه. سمعت لبنى صوت الباب يغلق بهدوء، ثم ساد الصمت. لم تستطع النوم. كانت تشعر بأن هذا الزواج أصبح أكثر خطورة مما ظنت.
في صباح اليوم التالي، بدت علامات التعب والإرهاق على آدم أكثر وضوحًا. لم يسألها عن سبب استيقاظها، ولم يشرح لها شيئًا عن الجدال الذي دار في الليل. كان الأمر وكأن شيئًا لم يكن.
"آدم،" قالت لبنى بتردد، "هل أنت بخير؟"
نظر إليها آدم، وعيناه تعكسان صراعًا داخليًا. "أنا بخير، يا لبنى. مجرد ضغوط عمل."
"لكني سمعت... سمعت صوتك في الليل،" قالت لبنى، وهي تنظر إليه مباشرة، محاولةً أن ترى الحقيقة في عينيه.
تنهد آدم بعمق. "هناك أمور لا يمكنني أن أشاركك بها الآن، يا لبنى. أرجو أن تثقي بي."
"الثقة تبنى على الصدق، آدم،" قالت لبنى، بصوت يحمل رجاءً، "والصدق يتطلب الشفافية."
"أعلم،" قال آدم، وعيناه تلمعان بالأسى. "ولكني أخشى أن تكون الشفافية في بعض الأحيان مؤلمة جدًا."
لم تستطع لبنى أن تقول شيئًا. شعرت بأنها تقف أمام باب مغلق، باب يحمل مفاتيح ماضي آدم، ومستقبلهما. كان هذا الزواج، الذي بدأ كصفقة، يتحول إلى معركة روحية. معركة بين رغبتها في الحب، ورغبته في العزلة. معركة بين ماضي يطارده، ومستقبل يريده أن يكون مختلفًا.
كانت تعرف أن هذه اللحظة حاسمة. إما أن تتراجع، وتستسلم للواقع المرير، وتعيش حياة التظاهر، أو أن تخوض هذه المعركة، بكل ما تحمله من مخاطر. بدأت تشعر بأنها لا تستطيع أن تعيش حياة بلا معنى، حياة بلا حب.
"آدم،" قالت لبنى، وصوتها يرتعش قليلاً، "أنا لست مجرد شريكة في هذا الزواج، أنا زوجتك. وأريد أن أكون قادرة على مشاركتك أحزانك وأفراحك."
نظر إليها آدم، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه. "أنتِ مختلفة، يا لبنى. مختلفة جدًا."
"مختلفة كيف؟" سألت لبنى.
"مختلفة لأنكِ لا تخشين الاقتراب،" قال آدم. "وكل من يحاول الاقتراب مني، يبتعد خائفًا."
شعرت لبنى بنبضة أمل. ربما، ربما يكون هناك فرصة. ربما، يمكن لهذا الزواج أن يتحول إلى شيء حقيقي. ولكن، كان عليها أن تواجه الخوف، وأن تواجه الأسرار. كان عليها أن تقرر ما إذا كانت مستعدة للمخاطرة بكل شيء من أجل شيء قد لا تراه أبدًا.
"لن أبتعد،" قالت لبنى، بصوت ثابت، "حتى لو كان الأمر مؤلمًا."
نظر إليها آدم مليًا، وكأنما يرى فيها بصيص نور في ظلام دامس. "ربما، يا لبنى، ربما."
كانت هذه الكلمات كافية لتمنح لبنى القوة. كانت تعلم أن الطريق سيكون طويلاً وشاقًا، ولكنها قررت أن تخوض هذه المعركة. معركة الروح، معركة الحب، معركة البحث عن السعادة في ظل ظروف قاسية.