حب في الصحراء الجزء الثاني

همسات القدر القادمة

بقلم ليلى الأحمد

في صباح اليوم التالي، استيقظت "فاطمة" على أصوات نساء القبيلة، وهن يتحدثات عن أخبارٍ وصلت للتو من المدينة. كانت ضحكات الأطفال وهم يلعبون في الخارج، أصوات الباعة الجائلين، كلها أصواتٌ اعتادتها، ولكنها اليوم بدت تحمل نبرةً من الحدث الهام. فور أن ارتشفَتْ أول رشفةٍ من شاي النعناع، انفتحت عينيها على جملةٍ أثارت فضولها، وهي تسمع جاريتها "سلمى" تتحدث مع إحدى النساء: "لقد قيل إن "خالد" قد طلب يد ابنة الشيخ "محمد" رسمياً. وأن الاتفاق قد تم."

شعرت "فاطمة" وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها. تجمّدت في مكانها، وكوب الشاي يتسلل من بين أصابعها ليرتطم بالأرض، محدثاً صوتاً خافتاً، غير مبالٍ بالضجة التي أحدثته في قلبها. نظرت إلى "سلمى" بعينين ذابلتين، ولم تستطع النطق بكلمة.

"ما بكِ يا "فاطمة"؟" سألت "سلمى" بقلقٍ واضح، وهي ترى شحوب وجهها. "هل أصابكِ مكروه؟"

لم تجب "فاطمة"، بل استدارت ببطءٍ، متجهةً نحو خيمتها. كانت كلمات "خالد" بالأمس، عن وعده، وعن لقائه بوالده، تتردد في أذنيها كأصداءٍ مأساوية. هل كانت تلك مجرد حيلةٍ لتهدئة قلبها، أم أن الأمر قد تطور بشكلٍ لم تتوقعه؟

"هل أنتِ متأكدةٌ مما تقولين يا "سلمى"؟" سألت بصوتٍ يكاد لا يُسمع.

"هذا ما سمعته يا "فاطمة". الجميع يتحدث عنه. إنها ابنة عم "خالد" الكبرى، وهي فتاةٌ جميلةٌ ومحترمة، ووالدها يتمتع بمكانةٍ مرموقة."

شعرت "فاطمة" بغصةٍ في حلقها، وبحرقةٍ لم تعهدها. لم تكن تبكي، بل كانت تشعر بأن شيئاً عزيزاً بداخلها قد انكسر. تذكرت كيف كان "خالد" يتحدث عن رغبته في بناء مستقبلٍ مشرق، وكيف وعدها بأن يعود قوياً. هل كانت كل تلك الوعود مجرد وهمٍ جميل؟

بينما كانت "فاطمة" غارقةً في حزنها، كان "خالد" يجلس في مكتب والده، يستمع إلى حديثه بصبرٍ مرير. كان والده، الشيخ "سعيد"، يتحدث بحماسةٍ عن الصفقة الجديدة التي عقدها، وعن التحالفات التي بناها.

"لقد تأكدتُ اليوم يا "خالد" أنك ولدي الوحيد، وأن اسم عائلتنا سيبقى عالياً بفضل ذكائك وإصرارك." قال الشيخ "سعيد"، وهو يربت على كتف ابنه.

"شكراً لك يا والدي." أجاب "خالد" ببرودٍ. لم يستطع إخفاء استيائه من الحديث.

"أعلم أنك كنتَ متردداً في البداية بشأن هذه الزيجة، ولكنني أرى أنها ستكون إضافةً قويةً لعائلتنا. ابنة عمك "ليلى" فتاةٌ ذكية، ووالدها رجلٌ حكيم. إنها فرصةٌ لتعزيز مكانتنا بين العائلات الكبرى في الصحراء."

"ولكن يا والدي، أنا لم أكن أرغب في هذا الزواج." قال "خالد" بصوتٍ ثابتٍ حاول أن يجعله قوياً. "لقد تحدثتُ معك بالأمس عن رغبتي في الارتباط بـ "فاطمة"."

نظر إليه الشيخ "سعيد" بدهشةٍ بالغة، ثم ارتسمت على وجهه نظرةٌ فيها استنكارٌ وغضب. "هل جننتَ يا "خالد"؟ هل نسيتَ ما قلته لك؟ إن "فاطمة" فتاةٌ طيبة، ولكنها لا تملك ما يمنحنا القوة التي نحتاجها. إن هذه الزيجة مع ابنة عمك هي ما سيحقق لنا ما نصبو إليه."

"ولكني أحب "فاطمة" يا والدي!" قال "خالد"، وقد ارتفع صوته قليلاً. "وأنا أريد أن أبني حياتي معها. الحب هو الأساس، وليس القوة والمصالح."

تنهد الشيخ "سعيد" بعمق، ونظر إلى ابنه بنظرةٍ فيها مزيجٌ من الإشفاق والضيق. "يا "خالد"، أنت لا تزال شاباً، ولم تفهم بعد طبيعة الحياة. الحب وحده لا يكفي. المال والقوة والعلاقات هي ما تبني المستقبل. وقد اتخذتُ قراري. لقد أرسلتُ بالفعل إلى عائلة "ليلى" وأبلغتهم بموافقتنا. لا مجال للرجوع في الأمر."

شعر "خالد" وكأن صاعقةً قد ضربته. لم يكن يتوقع أن تسير الأمور بهذه السرعة، وأن يتخذ والده مثل هذا القرار دون الرجوع إليه. لقد كانت الأيام القليلة الماضية مليئةً بالأحداث، وكان يشعر بأنه يتقدم خطوةً إلى الأمام، ولكنه اليوم وجد نفسه يتراجع إلى الخلف.

"ولكن يا والدي، لقد وعدتُ "فاطمة"." قال "خالد"، وعيناه تلمعان بالألم. "لقد وعدتها بأنني سأعود قوياً، وأنني سأطلب يدها. إن كسر وعدي سيكون عاراً عليّ."

"الأمور تتغير يا "خالد"." قال والده ببرودٍ. "والوعد الذي تحدثتَ عنه، هو وعدٌ غير واقعي. أنت شابٌ طموح، ولكنك لا تزال تحت وصايتي، وبأوامري. الزواج سيكون خلال شهرٍ من الآن. إما أن تقبل بهذا الأمر، أو أن تتحمل عواقب عصيانك."

نهض "خالد" من مكانه، وشعر بأن الدنيا قد انقلبت رأساً على عقب. لقد كان يقاتل من أجل حبه، ولكن يبدو أن هناك قوىً أكبر وأكثر تعقيداً كانت تحرك دفة الأمور.

"لن أفعل ذلك يا والدي." قال "خالد"، وخرج من المكتب، تاركاً والده وحيداً مع أفكاره.

في تلك الأثناء، كانت "فاطمة" قد جلست في خيمتها، تتأمل كوب الشاي المتناثر على الأرض. كانت تشعر بخيبة أملٍ عارمة، ولكنها لم تكن تسمح للدموع بأن تنساب. تذكرت كيف علّمها جدها، رحمه الله، أن القلب القوي لا يخور أمام المحن، وأن الصبر هو مفتاح الفرج.

"يا رب، إن كنتَ تعلم أن "خالد" صادقٌ في حبه، فاجعل له مخرجاً." دعت بصوتٍ خفيضٍ، ثم استقامت، ونفضت غبار الحزن عن روحها.

لم يمضِ وقتٌ طويل حتى سمعت صوت "خالد" يناديها من الخارج. اندفعت "فاطمة" نحو الباب، لتجده واقفاً هناك، وعلى وجهه تعابيرٌ لم تفهمها. هل هو غضب؟ أم حزن؟ أم محاولةٌ لإقناعها بشيءٍ ما؟

"خالد!" قالت "فاطمة"، وقد بدا صوتها خائفاً.

"فاطمة." قال "خالد"، وعيناه تبحثان في عينيها. "اسمعي إليّ جيداً. ما سمعته ليس صحيحاً تماماً."

"وما الذي سمعته إذاً؟" سألت "فاطمة"، وشعرت ببعض الأمل يتسلل إلى قلبها.

"لقد حدث ما لم أتوقعه. والدي، دون علمي، قد اتخذ قراراً بزواجي من ابنة عمي "ليلى". ولكنه لم يتم بشكلٍ رسمي حتى الآن. لقد رفضتُ هذا الزواج رفضاً قاطعاً."

"ولكن... لماذا فعل ذلك؟" سألت "فاطمة"، وعينيها لا تزالان تتفحصانه.

"لقد كان يرى في هذا الزواج مصلحةً لعائلتنا. ولكني أثبتُ له أنني قادرٌ على تحقيق أهدافي بمفردي. ولكن الأمر لم ينتهِ بعد. والدتي لم تكن سعيدةً بقراري، وقد بدأت تتحدث مع العائلة. الأمور معقدة."

تنهد "خالد"، ثم نظر إلى "فاطمة" بعمق. "أعدكِ يا "فاطمة"، أعدكِ أنني سأتجاوز هذه العقبة. لن أدع أحداً يفرق بيننا. ولكنني أحتاج إلى وقتٍ قصير، وإلى مساعدةٍ منكِ."

"وما هي المساعدة التي تطلبها يا "خالد"؟" سألت "فاطمة"، وقد شعرت بالجرأة تتسرب إلى روحها.

"أحتاج منكِ إلى صبرٍ وإيمان. وإلى أن تتحدثي مع والدتكِ، وتشرحي لها صدق مشاعري. سأذهب إلى والدتكِ قريباً، وأطلب يدكِ منها رسمياً. ولكنني أحتاج إلى أن أكون متأكداً من أن قلوبكما مطمئنةٌ إليّ."

كانت كلمات "خالد" تحمل مزيجاً من الإصرار والأمل. شعرت "فاطمة" بأنها أمام منعطفٍ حاسم. هل تصدق كلماته، وتجازف بكل شيءٍ من أجله، أم تلتزم بالواقع المرير؟

"سأتحدث مع والدتي." قالت "فاطمة" أخيراً، وعينيها تلمعان بعزمٍ جديد. "وأنا أؤمن بك يا "خالد". ولكن تذكر، وعدك لي هو أثمن ما تملك."

ابتسم "خالد"، ابتسامةً فيها كل معاني الشكر والامتنان. "لن أخيب ظنكِ أبداً يا "فاطمة"."

عاد "خالد" إلى والده، وهو يشعر بثقل المسؤولية. كانت المعركة قد بدأت للتو، ولم يكن متأكداً من نهايتها، ولكنه كان يعرف أنه لن يستسلم. أما "فاطمة"، فقد عادت إلى خيمتها، وقد استعادت عزمها. كان القدر يتقلب كرمال الصحراء، ولكنه شعر بأن هناك قوةً غامضةً تجمع بينهما، قوةٌ أكبر من كل العقبات.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%