حب في الصحراء الجزء الثاني
عاصفة الشك وزلزال الحقيقة
بقلم ليلى الأحمد
بعد حديثها مع والدها، شعرت ليلى بأنها قد غرقت في دوامةٍ من الأسئلة. كانت الحقائق التي انكشفت صادمة، ولكنها لم تكن كافية لتفسر كل شيء. ظل سؤالٌ واحدٌ يراودها: هل كان عبد الرحمن يعلم شيئًا عن هذه الأسرار؟
في المساء، وبينما كانت العائلة مجتمعةً تتناول العشاء، حاولت ليلى أن تلاحظ عبد الرحمن عن كثب. كان يبدو هادئًا ورصينًا كعادته، ولكنها لم تستطع أن تجد الراحة في نظراته. هل كانت ترى فيه ما لا تراه؟ هل كانت تبحث عن دليلٍ على ما تخشى؟
"ليلى، هل أنتِ بخير؟" سأل عبد الرحمن بصوتٍ هادئ، وهو يلاحظ شحوب وجهها. "تبدين شاردة الذهن."
"أنا بخير يا عبد الرحمن. مجرد بعض التفكير في ترتيبات الحفل." قالت ليلى، محاولةً إخفاء قلقها.
"لا تقلقي. كل شيء سيكون على ما يرام." قال عبد الرحمن، وابتسم ابتسامةً مشجعة. "نحن معًا في هذا."
كلماته كانت مريحة، ولكنها لم تستطع أن تزيل الغموض الذي يلفها. شعرت بأنها تقف أمام جدارٍ سميك، لا تستطيع اختراقه.
في الليلة التالية، قررت ليلى أن تواجه سالم. كانت تشعر بأن لديه مفتاحًا لفهمٍ أعمق، مفتاحًا لا يملكه أحدٌ غيره. وجدته في حديقة النخيل، يتأمل القمر.
"سالم، أريد أن أتحدث معك." قالت ليلى، وصوتها يحمل ثقلًا.
التفت إليها سالم، وابتسامةٌ ماكرةٌ ارتسمت على وجهه. "أعلم أنكِ اكتشفتِ بعض الأمور، ليلى. العالم مليء بالأسرار، أليس كذلك؟"
"هل كنت تعلم بكل شيء؟" سألت ليلى مباشرة. "هل كنت تعلم بقصة صفية ويوسف؟"
ضحك سالم ضحكةً مكتومة. "بقدر ما كنت أعلم، نعم. كنت أرى ألم والدتك، وأرى حنينها. ورأيت كيف أن هذا الحنين قد بدأ يؤثر عليكِ."
"ولماذا لم تخبرني؟" سألت ليلى، بحدة.
"وهل كنتِ ستصدقينني؟" سأل سالم، وقتربت منه. "كنتِ دائمًا ما ترينني كالغاضب، كالحاسد. لم تري فيّ الأخ الذي يريد لكِ الخير. ولكن، في الحقيقة، لم أكن أريد أن أرى دموع والدتكِ تتكرر في عينيكِ."
"ولماذا لا تريدين ذلك؟" سألت ليلى.
"لأنني أحبكِ يا ليلى. أحبكِ حبًا لم تستطيعي فهمه يومًا. ولكن، هذا الحب لم يكن في إطارٍ شرعي، ولذلك، حاولت أن أكون بعيدًا، ولكن قلبي لم يبتعد."
"ولكن، هل كنت تعلم أن عبد الرحمن يعرف شيئًا؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأن اللحظة الحاسمة قد حانت.
نظر سالم إليها بعمق، ثم قال: "عبد الرحمن شخصٌ لا يبوح بأسراره بسهولة. ولكني أرى فيه شيئًا من الصدق والنزاهة. ولكنه أيضًا، لديه ماضٍ خاص به. وربما، لديه أسبابٌ تدفعه للصمت."
"ماذا تقصد؟" سألت ليلى، وشعرت بأنها على وشك السقوط.
"لم أكن أعلم بالتفصيل، ولكنني سمعت بعض الهمسات. همسات عن علاقاتٍ قديمة، وعن أشخاصٍ لم يرغبوا في كشف أسرارهم. عبد الرحمن رجلٌ يحب الحفاظ على صورته، وعلى سمعة عائلته."
"وهل هذا له علاقة بـ 'نورة'؟" سألت ليلى، متذكرةً حديث والدها.
"ربما. كل شيء وارد في هذه الصحراء الواسعة." قال سالم، وهو يتنهد. "ولكن، ليلى، الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقوله لكِ هو: لا تبني مستقبلكِ على ظلال الماضي. ابحثي عن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة."
بعد حديثها مع سالم، عادت ليلى إلى غرفتها، وقلبها يخفق بشدة. لم تعد متأكدةً من أي شيء. هل كان عبد الرحمن يخفي عنها شيئًا؟ وهل كانت مشاعره نحوها مجرد تمثيل؟
قررت ليلى أن تواجه عبد الرحمن. في اليوم التالي، عندما اجتمعا بمفردهما، قالت ليلى: "عبد الرحمن، هناك شيءٌ يشغل بالي، وأريد أن أتحدث معك بصراحة."
نظر إليها عبد الرحمن، وبدا عليه بعض الحذر. "تفضلي يا ليلى. أنا أستمع."
"قصة والدتي، قصة صفية ويوسف، قصة 'نورة' التي ذكرها أبي. هل تعرف شيئًا عن هذه الأمور؟" سألت ليلى، وهي تتفحص وجهه.
صمت عبد الرحمن للحظة، وبدت على وجهه علاماتٌ لا تستطيع تفسيرها. ثم قال: "ليلى، في الحياة، هناك أمورٌ قد تكون خاصة، وأحيانًا، يكون من الأفضل عدم الخوض فيها. خاصةً عندما يتعلق الأمر بأسرار العائلات."
"ولكن، هذا يتعلق بمستقبلي، يا عبد الرحمن. يتعلق بزواجنا." قالت ليلى، وصوتها يرتجف. "إذا كنت تخفي عني شيئًا، فهذا سيؤثر على ثقتي بك."
"أنا لا أخفي عنكِ شيئًا مهمًا يا ليلى." قال عبد الرحمن، ولكن نظرته كانت تخونه. "كل ما كان يتعلق بأمور العائلات، قد تم حله. ما يهم الآن هو علاقتنا."
"ولكن، يا عبد الرحمن، 'نورة'؟ هل كانت لك علاقة بها؟" سألت ليلى، بتحدٍ.
ارتعش عبد الرحمن للحظة، وبدت على وجهه علاماتٌ واضحةٌ للخجل. "نورة... كانت زميلة عمل. وحدث بيننا بعض التجاوزات في الماضي. ولكن، هذا كل شيء.