حب في الصحراء الجزء الثاني

ظلال الماضي تلوح في الأفق

بقلم ليلى الأحمد

كان الهواء في مجلس العميد سالم ثقيلاً، محملاً بثقل الأسرار التي لم يُكشف عنها بعد. الشمس، التي كانت تلقي بوهجها الذهبي على رمال الصحراء الشاسعة، بدت وكأنها قد خفتت، كأنها تستشعر العاصفة التي كانت تتشكل بين جدران هذا المكان العريق. جلست ليلى، ابنة العميد، بوقار لم يعكس هول الاضطراب الذي كان يعتري قلبها. عيناها، اللتان اعتادتا أن تبثا نور الأمل والإشراق، كانتا الآن تلتصقان بسقف المجلس، تبحثان عن مخرج من هذا المأزق الذي اجتاحتها دوائره.

كانت كلماتها قد انبعثت من أعماق روحها، تحمل في طياتها اعترافاً أزاح عن كاهلها حملاً ثقيلاً، لكنه زرع في قلب من يسمعها قلقاً لا يُحتمل. "يا أبي، لقد كنتُ ... لقد كنتُ على علاقة مع ... مع فارس."

لم يكن اسم "فارس" غريباً على مسامع العميد سالم. كان فارس ابن عمها، الشاب الذي لطالما كان أقرب الناس إليها في سنوات الطفولة والمراهقة. تداخلت الصور في ذهن العميد: وجه فارس الوسيم، ابتسامته الواثقة، وقوة شخصيته التي لطالما أعجب بها. لكن هذه الصور الشابة استحالت الآن إلى مشهد مفزع. هل تتحدث ليلى عن علاقة عادية؟ أم عن شيء تجاوز حدود المألوف، حدود الشرع، حدود العادات والتقاليد التي تربوا عليها؟

"علاقة؟" تردد العميد سالم، وصوته كاد أن يخنقه. "ماذا تقصدين بـ 'علاقة'، يا ابنتي؟"

ارتجفت شفتا ليلى. كانت تعلم أن الكلمة الأولى قد فتحت باباً لا رجعة فيه. "علاقة ... ود. علاقة ... حب."

حب؟ في هذا الوقت؟ قبل الخطبة الرسمية؟ قبل أي موافقة من ولي الأمر؟ شعر العميد سالم بأن الأرض قد تزلزلت تحت قدميه. لم يكن الأمر يتعلق فقط بفارس، بل بما يعنيه ذلك من تجاوز للعادات، ومن كسر للتقاليد التي طالما حرص على ترسيخها في أسرته.

"حب؟" تكررت الكلمة، هذه المرة بصوت أعلى، يحمل نبرة من الدهشة والإحباط. "كيف؟ متى؟ ألم أُعلمكِ، يا ليلى، أن الحب في ديننا ينمو ويزدهر بعد عقد القران، لا قبله؟"

"أعلم يا أبي، ولكن ... الأمر تطور." كانت ليلى تحاول استجماع شجاعتها. "لقد كانت بيننا مشاعر قوية، ولم نستطع التحكم بها. تحدثنا، وتبادلنا ... وتبادلنا الوعود."

الوعود؟ هذه الكلمة كانت أخطر من كل ما سبق. وعود بالزواج؟ وعود بالارتباط؟ إذا كان الأمر قد وصل إلى هذا الحد، فهذا يعني أن الأمور قد تجاوزت مرحلة اللعب والمزاح، ودخلت في منطقة الخطأ الذي قد يصعب إصلاحه.

"وعود؟ بأي حق؟ هل استأذنتِ والدتك؟ هل استأذنتِني؟" سأل العميد سالم، وعيناه تشتعلان بنار الغضب المكبوت. "لم يخطر ببالي أبداً أن أرى ابنتي، ابنة شيخ قبيلة، تتصرف بهذا الشكل."

"لم يكن الأمر متعمداً، يا أبي. لقد انجرفنا." حاولت ليلى تلطيف الأجواء، لكن كلماتها بدت كالزيادة على النار. "ولكن ... ولكنني أريده. أريد فارس."

هذه هي النقطة الفاصلة. لم تعد ليلى تعبر عن خطأ ماضٍ، بل عن رغبة حاضرة، عن اختيار قد يغير مسار حياتها وحياة عائلتها.

"تريدينه؟" تلا العميد سالم كلمتها ببطء، كما لو كان يحاول استيعاب ثقلها. "ولماذا لم تقدمي على الخطوة الصحيحة؟ لماذا لم تأتِ إليّ، أو إلى والدتك، وتقولي: 'أريد هذا الشاب، فهل توافقون؟' هل ثقتك فينا معدومة إلى هذا الحد؟"

"لا يا أبي، ليس كذلك. ولكن ... كان الأمر سرياً."

"سرياً؟" ارتفع صوت العميد سالم مرة أخرى. "الحب الحلال لا يكون سرياً يا ليلى. الحب الحلال يكون شفافاً، واضحاً، يكتنفه رضا الله ورضا الوالدين. أما السرية، فهي من عمل الشيطان."

هنا، تدخلت والدة ليلى، أمينة، التي كانت تجلس بصمت، تراقب هذا الحوار المتأزم. كانت بشرتها الشاحبة تعكس قلقها العميق، ويدها ترتجف وهي تمسك بطرف ثوبها. "يا سالم، اهدأ. هي ابنتنا، ولابد أن نستمع لها. لم يكن الأمر سهلاً عليها أن تفصح."

"أهدأ؟ كيف أهدأ وأنا أرى ابنتي تتحدث عن حب سري، وعن وعود لم تُعرف أصولها؟" قال العميد سالم، موجهاً كلامه لزوجته، لكن عينيه ظلتا معلقتين بابنته. "هذا ليس من شيم بناتنا. هذه تصرفات قد تهدم سمعة العائلة بأكملها."

"سمعة العائلة؟" تمتمت ليلى، وبدأت دموعها تنهمر. "وهل يهمك يا أبي سمعة العائلة أكثر من سعادتي؟"

"سعادتك هي أغلى ما عندي، يا ليلى. ولكن سعادتك الحقيقية لا يمكن أن تبنى على أساس خاطئ. أخشى أن هذا 'الحب' الذي تتحدثين عنه، سينتهي بك إلى ندم عميق."

"ولكنه فارس!" قالت ليلى بنبرة تحمل يأسًا. "لقد عرفته منذ صغري. هو يعرفني. وهو ... هو الوحيد الذي أشعر معه بالأمان."

"الأمان؟ هل وجدتِ الأمان في السرية؟ هل وجدتِ الأمان في إخفاء الأمر عن أهلك؟" سأل العميد سالم. "إن الأمان الحقيقي، يا ابنتي، هو أن تعيشي حياتك في وضح النهار، تحت مظلة الشرع، ورضا الأهل. ألا تعلمين أن فارس هذا، قد يكون له في حياته ما لا نعرفه؟ قد يكون مرتبطاً بفتاة أخرى، أو قد يكون لديه خطط أخرى لا تتوافق مع ما تتخيلينه."

"لا، هذا مستحيل!" قالت ليلى بحزم. "لقد وعدني. أقسم لي."

"وعود الشباب في لحظات الهوى قد تكون هشة كالزجاج." قال العميد سالم. "وإذا كان قد أقسم، فهل أقسم أمام الله، أم أمام هواه؟"

صمتت ليلى، ولم تستطع الإجابة. كانت تعلم أن القسم كان في لحظة ضعف، لحظة انجراف، لحظة حب غامرة لم تضع في اعتبارها العواقب.

"إذاً، هذا ما كان يحدث." قال العميد سالم، موجهاً كلامه لنفسه أكثر منه لابنته. "ظننت أن ابنتي قد نضجت، وأنها تفهم معنى المسؤولية. ظننت أن حبها لـ ... لـ ... لـ ... " تردد العميد سالم قبل أن يذكر اسم خطيبها الرسمي، ثم قال: "لـ ... للمستقبل الذي رسمناه لها، قد تجاوز كل شيء."

كان العميد سالم يتحدث عن يوسف، الشاب الذي تم الاتفاق على خطبته لليلى، ابن أحد شيوخ القبائل المجاورة، وهو زواج كان يهدف إلى تعزيز الروابط بين القبيلتين. هذا الزواج، الذي كان يُنظر إليه كخطوة مهمة نحو تحقيق الاستقرار والازدهار، بدا الآن وكأنه يواجه عقبة غير متوقعة.

"للمستقبل؟" تكررت ليلى كلمته وكأنها تسمعها لأول مرة. "ولكن ... أنا لا أحب يوسف."

هذه الجملة الأخيرة كانت كالطعنة في قلب العميد سالم. لم يكن الأمر يتعلق فقط بتجاوز الحدود، بل بتخطي رغباته، بتدمير خططه، بتكسير أحلامه لمستقبل ابنته.

"لا تحبينه؟" تكرر العميد سالم، وصوته بدأ يرتعش. "وهل الحب هو كل شيء في الزواج يا ليلى؟ أليست هناك أمور أخرى أهم؟ الاحترام؟ التفاهم؟ التكافؤ في النسب والمال؟ أليست هذه الأمور تبني بيوتاً صامدة؟"

"ولكن يا أبي، كيف أعيش مع رجل لا أحبه؟ كيف أُنشئ معه أطفالاً؟" سألت ليلى، وهي تتشبث بحقها في اختيار شريك حياتها.

"اختيار شريك الحياة يا ليلى، ليس قراراً فردياً مطلقاً. إنه قرار تتشاور فيه العائلة، ويتفق فيه الجميع. وقد اتخذنا هذا القرار، ونحن واثقون من أن يوسف رجل صالح."

"ولكن فارس أيضاً رجل صالح!" قاطعت ليلى. "وهو يحبني."

"أتتظنين أن فارس وحده في هذا العالم يحبك؟" سأل العميد سالم بنبرة فيها شيء من السخرية المريرة. "هناك الكثيرون، ولكن الحب الذي ينبثق عن معرفة واعية، وعن موافقة الأهل، هو الحب الذي يبارك الله فيه."

"يا سالم، لابد أن نفكر بهدوء." قالت أمينة، وهي تقترب من ابنتها وتحتضنها. "ليلى، حبيبتي، أعرف أن مشاعرك قوية، ولكن يجب أن نفهم أن هناك قوانين وعادات يجب احترامها. والدك خائف عليك، وخائف على سمعة العائلة. وهذا حق."

"ولكن يا أمي، إذا كان فارس قد وعدني ... وإذا كنتُ أحبه ... فماذا نفعل؟"

"إذا وعدك، فهو مسؤول عن وفائه بوعده، ولكن يجب أن يكون وعده صحيحاً." قال العميد سالم. "علينا أن نتحدث إليه. علينا أن نفهم ما يدور في خلده. ولكن تأكدي يا ليلى، أن أي علاقة خارج إطار الشرع، ستقابل بالرفض."

كانت الشمس قد بدأت تغيب، مطلقةً أشعتها الأخيرة على الصحراء، مرسلةً ظلالاً طويلة ومخيفة. كانت ليلى تعلم أن كلماتها قد فتحت صندوق باندورا، وأن صراعاً ما قد بدأ. صراع بين ما تريده روحها، وبين ما يفرضه عليها دينها وعاداتها وتقاليدها، وصراع بين حب قد يكون مأساوياً، ومستقبل مرسوم بعناية، ولكنه يفتقر إلى نبض قلبها. لم تكن هذه نهاية القصة، بل كانت بداية عاصفة لم يتوقع أحد وقوعها، عاصفة قد تجرف معها كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%