حب في الصحراء الجزء الثاني

رياح الشك تشتد

بقلم ليلى الأحمد

بعد خروج ليلى ووالدتها من مجلس العميد سالم، لم يجد العميد سكينة. ثقل ما سمع أثقل كاهله، وبدت له الصور كأنها تتداخل في ذهنه. هل كانت ليلى قد استغلت طيبته، أم أنها كانت بالفعل ضحية انجراف لم تستطع مقاومته؟ التفت نحو أمينة التي عادت لتجلس بجانبه، وبدت ملامحها تحمل هموماً أكبر من المعتاد.

"ماذا نفعل يا أمينة؟" سأل العميد، وصوته فقد شيئاً من قوته. "ابنتنا في موقف صعب، ونحن في موقف أصعب."

"نعم يا سالم، هي كذلك." تنهدت أمينة. "لقد أظهرت ليلى ضعفاً لم نتوقعه. لم أكن أظن أن حبها لفارس قد بلغ هذا الحد."

"حب؟ أم تهور؟" قال العميد سالم، وعاد إليه شيء من حدته. "لم يتعلم أبناؤنا أن الحب العاطفي لا يمكن أن يكون هو الأساس الوحيد في قرار الزواج. هناك مسؤوليات، هناك عواقب، هناك احترام للآخرين."

"أعلم يا سالم، ولكن ليلى فتاة رقيقة. وفارس شاب له جاذبيته. لا نستطيع أن نلومها بالكامل. ربما كان علينا أن نكون أكثر يقظة."

"يقظة؟ هل ترين أننا لم نكن يقظين؟ لقد حرصنا على تربيتها على القيم، وحاولنا أن نُنشئها على الفضيلة. ولكن، يبدو أن العواطف البشرية لها قوانينها الخاصة."

"القوانين التي لا ترحم." قالت أمينة، وأشارت بيدها نحو الخارج. "انظر إلى الشمس، تبدو باهتة، كأنها تشعر بالغضب. الصحراء لا ترحم، والحياة لا ترحم."

"ولكن ما هو الحل الآن؟" سأل العميد سالم. "هل نُجبر ليلى على الزواج من يوسف وهي في هذه الحالة؟ هذا سيُشعل ناراً لا تُطفأ."

"لا، لا يمكننا ذلك. يجب أن نفهم أولاً طبيعة هذه العلاقة مع فارس. هل هي مجرد نزوة عابرة، أم أنها حب حقيقي؟"

"حقيقي؟ وهل هناك حب حقيقي خارج إطار الشرع؟" تساءل العميد سالم. "ما حدث هو تجاوز، ما حدث هو خطأ، وما حدث هو ما سنحاول إصلاحه."

"يجب أن نتحدث مع فارس." قالت أمينة بحزم. "علينا أن نضع الأمور في نصابها. لابد أن نفهم نواياه، وهل هو مستعد لأن يتزوجها فعلاً، بالمسؤولية الكاملة، أم أنه كان يتحدث بكلام لا يعني شيئاً."

"إذا كان مستعداً، فكيف سيُبرر ما فعله؟ كيف سيُبرر هذه السرية؟" تساءل العميد سالم. "كيف سيتحدث مع أبيوسف؟ كيف سنُبطل خطبة قد تم ترتيبها؟"

"الأمور معقدة يا سالم، ولكن لا مستحيل مع الصبر والفهم." قالت أمينة. "يجب أن نتصرف بحكمة. لا نريد أن نُفقد ليلى، وفي نفس الوقت لا نريد أن نخسر سمعة العائلة، أو أن نُسبب أذى لعائلة يوسف."

"عائلة يوسف!" تنهد العميد سالم. "هذا ما يقلقني أكثر. إنهم أناس طيبون، ويربطنا بهم تاريخ طويل. لا أريد أن أُسبب لهم أي إحراج."

"سنُبين لهم الحقيقة، وسنعتذر. ربما كان القدر يريد لهذا الأمر أن يحدث. ربما لم يكن يوسف هو القدر المناسب لليلى."

"ولكن فارس، هل هو القدر المناسب؟" تساءل العميد سالم. "إنه ابن عمها، وهذا قد يكون سبباً لرفض بعض العائلات."

"هل هذا هو سبب خوفك؟" سألت أمينة. "أم أنك لا تثق في فارس؟"

"لا أقول أنني لا أثق فيه. لكنني أخشى أن تكون هذه العلاقة قد أثرت على حكمه. الحب قد يُعمي البصيرة."

"لهذا السبب يجب أن نتحدث إليه. لابد أن نرى ما إذا كان لديه خطة واضحة، أو أنه مجرد شاب يندفع وراء عواطفه."

بعد صمت طويل، قال العميد سالم: "حسناً. سنُبقي الأمر سرياً في الوقت الحالي. لن نُفصح عنه لأحد، حتى نستطيع التعامل مع الموقف بهدوء. سأُقابل فارس غداً. سأُحاول أن أُفهم منه كل شيء."

"وماذا عن يوسف؟" سألت أمينة. "هل ستُخبره بأي شيء؟"

"ليس الآن. سنُحاول أن نُبقي الأمر سرياً قدر الإمكان. إن اضطررنا، سنُقدم له اعتذاراً صادقاً."

في تلك الليلة، لم ينم العميد سالم كثيراً. كانت الصور تتراءى له في الظلام. صورة ليلى، وجهها المليء بالدموع، وكلماتها التي تحمل مزيجاً من الشجاعة والخوف. وصورة فارس، الشاب الذي كان يراه ابناً له، هل قد استغل ثقته؟ هل خان الأمانة؟

كانت الصحراء، في الخارج، تشهد تغيرات. رياح خفيفة بدأت تهب، تحمل معها تراباً ناعماً، وكأنها تُنذر بتغير قادم، بتغير قد يكون عاصفاً.

في صباح اليوم التالي، كانت الشمس قد عادت لتُشرق بوهجها المعهود، لكن الوهج لم يكن كافياً لتبديد الظلال التي كانت تخيم على قلوب أهل البيت. في المجلس، جلس العميد سالم، ووجهه يعكس مزيجاً من التصميم والقلق. كان ينتظر وصول فارس.

عندما دخل فارس، كان يبدو كالعادة، قوياً، واثقاً، بشعره الأسود الفاحم وعينيه اللامعتين. ولكنه هذه المرة، بدا مختلفاً. كانت هناك نظرة خفية في عينيه، شيء من الترقب، شيء من التحدي.

"مرحباً يا عمي." قال فارس، وصوته كان واضحاً كالعادة.

"مرحباً يا بني." أجاب العميد سالم، محاولاً أن يبدو هادئاً. "جلستُ معك اليوم لأتحدث في أمر هام."

"بالتأكيد يا عمي."

"لقد تحدثتُ مع ليلى." قال العميد سالم، وبدا أنه يرمي كرة النار في وجه فارس.

تغيرت ملامح فارس قليلاً، ولكن سرعان ما استعاد رباطة جأشه. "وماذا قالت لك يا عمي؟"

"قالت إن بينكما ... علاقة."

صمت فارس لبرهة، كانت كافية لتُشعر العميد سالم بالتوتر. ثم ابتسم فارس ابتسامة خفيفة، لم تصل إلى عينيه. "نعم يا عمي، هذا صحيح."

"علاقة؟ حب؟ إلى هذا الحد؟" سأل العميد سالم، محاولاً أن يفهم.

"نعم يا عمي. لقد أحببتُ ليلى منذ زمن. ولكنني كنتُ أرى أن الوقت لم يكن مناسباً. كنتُ أنتظر اللحظة المناسبة."

"واللحظة المناسبة هي أن تبدأ علاقة سرية، وتُفصح عنها في الوقت الذي تكون فيه خطبتها قد تم ترتيبها؟" قال العميد سالم بنبرة لا تخلو من اللوم.

"لم تكن خطبتها قد تم ترتيبها في وقتها يا عمي. بل تم فرضها." قال فارس، وبدأت نبرة التحدي تظهر في صوته.

"فرضها؟ هل تعني أن ليلى لم توافق؟"

"ليلى لا توافق على زواج لم تختره. وهي اختارتني."

"اختارتك؟ ولكنك لم تتقدم رسمياً. لم تطلب يدها من أبيها. لقد قمتِ بإثارة فتنة، يا بني."

"لقد كنتُ على وشك التقدم يا عمي. ولكن سمعتُ عن ترتيبات زواجها من يوسف. ولم أستطع أن أُبقي الأمر مكتوماً. ذهبتُ إلى ليلى، وتحدثنا. وأعلنتُ لها حبي، وأعلنتُ لها رغبتي في الزواج منها. وقد وعدتها بأن أحميها."

"تحميها؟ من ماذا؟ من قرار أبيها؟ من قرار عائلتها؟" سأل العميد سالم، وبدت نبرته غاضبة. "هل تظن أن لك الحق في التدخل في شؤون عائلتي؟"

"ليس تدخلاً يا عمي. بل هو طلب حق. ليلى ابنة عمي، ولها حق في أن تُعامل بالتقدير والاحترام. وقد شعرتُ بأن زواجها من يوسف لن يكون زواجاً سعيداً لها."

"ومن قال لك إنها لن تكون سعيدة؟"

"من نظرات عينيها يا عمي. من نظرات ليلى التي لم أرى فيها الفرح الذي كانت تتمناه."

"هل تشكك في قدرتي على اختيار الأفضل لابنتي؟" سأل العميد سالم، وبدا أن الغضب قد سيطر عليه.

"لا يا عمي. ولكن الحب أعمى، كما تقول. ولكنني أعرف ليلى جيداً. وأعلم أنها لا تستطيع العيش مع رجل لا تُحبه."

"هل هي حقاً لا تحب يوسف؟ أم أنها تحبك أنت؟" كان هذا السؤال هو جوهر الصراع.

"أعتقد أننا نحب بعضنا البعض يا عمي. وقد تبادلنا مشاعر صادقة."

"مشاعر صادقة؟ خارج إطار الشرع؟" أعاد العميد سالم كلمته، مع التأكيد على كلمة "الشرع". "ما فعلتِه، يا فارس، هو تجاوز واضح. لقد وضعتَ ليلى في موقف صعب، ووضعتَ نفسك في موقف أصعب."

"أنا أتحمل المسؤولية يا عمي. أنا مستعد للزواج من ليلى. وسأتقدم بطلب يدها رسمياً، وسأُقدم كل ما يلزم."

"ولكن ما هو وضعها مع يوسف؟ هل ستُخبره؟ هل ستُخبر عائلته؟"

"سأُخبرهم. وسأُقدم لهم اعتذاري. وأنا واثق من أنهم سيتفهمون."

"هل أنت واثق؟ أم أنك تتمنى ذلك؟" سأل العميد سالم. "هذا الأمر قد يُسبب الكثير من الإحراج، وقد يُفسد علاقات طويلة."

"أنا أعرف أن الأمر صعب. ولكنه الحل الوحيد. أنا أحب ليلى، وهي تحبني. ولا يمكننا أن نتخلى عن بعضنا."

"الحب قد يتغير يا بني. والمشاعر قد تتبدل." قال العميد سالم. "ولكن ما لا يتبدل هو سمعة العائلة، وما لا يتبدل هو احترام العادات والتقاليد."

"هل سمعة العائلة أهم من سعادة ابنتك؟" سأل فارس، وكرر نفس السؤال الذي طرحته ليلى.

"لا، ولكن السعادة الحقيقية تبنى على أسس سليمة. وعلى احترام. وعلى رضا الله ورضا الوالدين."

"ونحن نحترم كل ذلك يا عمي. ولكننا نؤمن بأن حبنا هو ما سيُبارك الله فيه، وسيجعلنا نُنشئ أسرة سعيدة."

"وكيف ستُقنع يوسف وعائلته؟"

"بالصدق والصراحة. سأُبين لهم أن الأمر لم يكن متعمداً، وأن ليلى لم تكن تعلم بترتيب الخطبة عندما تعلقت بي. وسأُقدم لهم اعتذاري على أي إزعاج قد سببته."

"وهل تظن أن هذا الاعتذار كافٍ؟"

"أعلم أنه ليس كافياً. ولكنني مستعد لتقديم أي شيء لتعويض هذا الخطأ."

في تلك اللحظة، شعر العميد سالم بأنه في مفترق طرق. أمامه يوسف، الفتى الذي رآه زوجاً مثالياً لابنته، والذي كان يمثل ضمانة للاستقرار والوئام. وأمامه فارس، الشاب الذي تربى في بيتهم، والذي يبدو أن ليلى قد اختارته، وهو نفسه يبدو مستعداً لتحمل المسؤولية.

"فارس،" قال العميد سالم، وكلماته تحمل ثقلاً. "ما فعلتِه، قد وضعنا جميعاً في موقف لا يُحسد عليه. لقد وضعتَ ليلى في موقف محرج. ووضعتَني في موقف لا أعرف كيف أخرج منه."

"أنا أتفهم ذلك يا عمي. وأنا مستعد لأن أُصلح الأمور. سأذهب وأتحدث إلى يوسف وعائلته. سأُبين لهم كل شيء."

"وهل تظن أنهم سيقبلون؟"

"أتمنى ذلك. وإذا لم يقبلوا، فعلينا أن نتحمل النتائج."

"النتائج قد تكون وخيمة." قال العميد سالم. "قد تُسبب هذه المشكلة نزاعاً بين القبائل. وهذا آخر ما أتمناه."

"لن يحدث ذلك يا عمي. سأتصرف بحكمة."

"حكمة؟ هل ترى أن ما فعلتِه كان من باب الحكمة؟"

"لم يكن الأمر مثالياً يا عمي. ولكنه كان نتيجة لمشاعر قوية. وأنا الآن أُحاول أن أُصحح هذا الخطأ."

صمت العميد سالم. نظر إلى فارس، الشاب الذي بدا صادقاً في مشاعره، ولكنه كان سبباً في إثارة البلبلة. ثم نظر إلى نفسه، رجل كان يظن أنه يتحكم في مجرى الأمور، ولكنه الآن وجد نفسه أمام قوة لم يتوقعها.

"حسناً يا فارس." قال العميد سالم أخيراً. "أنا سأتحدث إلى يوسف وعائلته. ولكن قبل ذلك، أريد منك أن تُقسم لي، أنك ستُعامل ليلى بمعاملة حسنة، وأنك ستحترمها، وأنك لن تتخلى عنها أبداً."

"أقسم لك يا عمي، بأنني سأُعامل ليلى بأفضل ما لدي. وسأكون لها خير زوج وخير سند."

"وإذا لم تستطع؟"

"لن يحدث ذلك." قال فارس بثقة.

"أتمنى ذلك." قال العميد سالم، وصوته بدا متعباً. "اذهب الآن، وتحدث مع يوسف وعائلته. كن صادقاً، وكن حكيماً."

خرج فارس من المجلس، تاركاً العميد سالم وحيداً مع أفكاره. كانت رياح الشك قد اشتدت، حاملة معها تساؤلات كثيرة. هل كان فارس صادقاً؟ هل كانت ليلى حقاً تحبه؟ وهل يمكن لهذا الحب أن يتغلب على صعاب الحياة، أم أنه سيكون مجرد نزوة عابرة، ستترك وراءها خراباً؟ بدت الصحراء في الخارج وكأنها قد اكتست بالرمال، حجبت الرؤية، وجعلت الطريق إلى المستقبل غامضاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%