حب في الصحراء الجزء الثاني

نور الأمل في عتمة الماضي

بقلم ليلى الأحمد

بعد أن استعادت ليلى بعضاً من عافيتها، ودبت الحياة في عروقها بفضل ماء الواحة وتمراتها اللذيذة، خرجت من الخيمة لتجد سليمان جالساً بالقرب من النار التي أوقدها، يتأمل النجوم التي بدأت تتلألأ في سماء الصحراء الصافية. كانت النجوم تبدو أقرب وأكثر بريقاً هنا، كأنها ماسات متناثرة على قطعة قماش سوداء مخملية.

اقتربت منه ليلى، ورأت على وجهه تعابير هادئة، كأن هموم الدنيا لا تلمسه. "مساء الخير يا عم سليمان."

التفت سليمان إليها، وابتسم. "مساء النور يا ابنتي. هل ارتحتِ؟"

"نعم، الحمد لله. أشكرك كثيراً على حسن ضيافتك."

"لا داعي للشكر. أنتِ ضيفتي، وهذا واجبي. الصحراء لا ترحم الغريب، لكنها تكرم الضيف." تحدث سليمان بنبرة عميقة، فيها شيء من الرزانة. "أرى في عينيكِ حزناً، يا ابنتي. هل تسمحين لي أن أسأل؟"

ترددت ليلى قليلاً. لم تكن معتادة على مشاركة أسرارها مع غرباء، لكن سليمان بدا وكأنه يمتلك قدرة على استشعار ما يدور في دواخل الآخرين. "الأمر يتعلق بماضٍ لا أرغب في الحديث عنه."

"كل إنسان يحمل ماضياً، يا ابنتي. بعضه يضيء دروبنا، وبعضه يلقي بظلاله." هز سليمان رأسه ببطء. "لكن لا يجب أن نترك الظلال تغطي على نور الأمل."

أعجبت ليلى بكلماته. كانت بسيطة، لكنها عميقة. "آمل ذلك."

"أنا أرى في عينيكِ بريقاً، يا ليلى. بريق الأمل. وهذا يعني أنكِ لم تستسلمي بعد. وهذا بحد ذاته قوة عظيمة."

ساد الصمت بينهما للحظة، لم يكن صمتاً ثقيلاً، بل كان صمتاً مريحاً، ممتلئاً بما لم يُقل. بدأت ليلى تشعر بشيء من الألفة مع هذا الرجل الغريب.

"هل تعيش هنا دائماً؟" سألت ليلى.

"نعم، هذه الأرض هي بيتي، وهذه الصحراء هي أمي. لقد قضيت عمري أتجول فيها، أراقب نجومها، أسمع همسات رياحها. تعلمت منها الصبر، والقوة، والاعتماد على النفس."

"وهل تشعر بالوحدة؟"

ضحك سليمان ضحكة خفيفة. "الوحدة؟ الصحراء مليئة بالحياة، يا ابنتي. الأرانب البرية، والظباء، والطيور، وحتى الثعابين. كلها كائنات تعيش في تناغم. ولدي إبلي. إنها عائلتي. ثم إن الله دائماً معي. كيف أشعر بالوحدة وأنا مع خالق الكون؟"

كان كلامه منطقياً، لكنه كان يحمل أيضاً بعداً روحياً عميقاً. شعرت ليلى بأنها تقف أمام حكمة قديمة.

"لقد أتيت إلى هنا، يا ليلى، لأن روحكِ كانت تبحث عن شيء. ربما عن سلام، أو عن تجديد. الصحراء قادرة على أن تمنحكِ ذلك، إذا كنتِ مستعدة لتلقيه."

"لم أكن أعرف أنني سألتقي بك هنا."

"ربما لم تكنِ تعرفين، لكن القدر أراد ذلك. ربما نلتقي بأشخاص في حياتنا ليمنحونا درساً، أو ليفتحوا لنا باباً جديداً."

كانت كلمات سليمان تلامس أوتاراً حساسة في قلب ليلى. لقد كانت تبحث عن ملجأ، لكنها وجدت ربما مرشداً.

"ما هي رحلتكِ إلى المدينة البعيدة؟" سأل سليمان، وعاد إلى السؤال الأول.

تنفس ليلى بعمق. "أنا ذاهبة إلى هناك لأبدأ من جديد. لقد تركت خلفي كل شيء."

"لماذا؟"

"لأنني لم أعد أستطيع العيش في المكان الذي كنت فيه. لقد شعرت بالاختناق."

"الاختناق يأتي غالباً من قيود نضعها على أنفسنا، أو يسمح الآخرون بوضعها علينا."

"كان الأمر معقداً. يتعلق بشخص كنت أحبه."

"الحب؟" ابتسم سليمان. "الحب هو أجمل ما في الحياة، ولكنه أيضاً أعقدها. الحب الحلال، الذي يرضي الله، هو أساس السعادة الحقيقية. أما الحب الذي لا يعتمد على رضى الله، فهو غالباً ما يؤدي إلى الألم."

شعرت ليلى بأن سليمان يعلم شيئاً عن قصتها، أو ربما كان يتحدث عن تجربة حياتية. "لقد كان الأمر يتعلق بـ 'أحمد'."

"أحمد. اسم طيب."

"لقد كان رجلاً صالحاً، ولكن..." ترددت ليلى. "الأسباب تداخلت، وتطورت الأمور بشكل لم أتوقعه. لقد اضطررت إلى اتخاذ قرار صعب."

"القرارات الصعبة غالباً ما تكون اختباراً للإيمان، يا ابنتي. اختبار لقوة تحملنا، ولثقتنا بالله."

"كنت أظن أنني أحبه، وكنت أعتقد أنه يحبني. ولكن الأمور لم تسر كما خططنا."

"الخطط البشرية تختلف عن خطط الله. والله لا يبتلينا إلا بما هو خير لنا، وإن كنا لا ندرك ذلك في حينها."

"ولكن كيف أصدق ذلك وأنا أشعر بهذا الألم؟" سألت ليلى، وقد امتلأت عيناها بالدموع.

"الألم هو معلم قاسٍ، ولكنه يعلم دروساً لا يمكن أن نتعلمها في أيام السعادة. لقد جعلكِ الألم تبحثين عن السكون، عن الهروب. وهذه هي البداية. البداية للبحث عن نفسكِ الحقيقية، والبحث عن طريق جديد."

"ولكن ما هو الطريق الجديد؟"

"إنه طريق تقودكِ إليه روحكِ، وتضويه ثقتكِ بالله. طريق يرتكز على مبادئ صحيحة، وعلى بناء حياة كريمة، مع من يشارككِ هذا الطريق، بعلم الله ورضاه."

تأملت ليلى كلماته. كان سليمان يتحدث عن الحب بطريقة مختلفة، بطريقة طاهرة، بناءة. "هل تقصد الزواج؟"

"بالتأكيد. الزواج هو سكن، ومودة، ورحمة. هو شراكة لبناء أسرة، ولإرضاء الله. ولكن يجب أن يأتي في وقته، ومع الشخص المناسب، الذي يرى فيكِ ما يستحق أن يبني معه مستقبلاً. والشخص المناسب هو من يحب الله، ويتقيه."

"لقد خضت تجربة سابقة، ولم تكن ناجحة."

"كل تجربة هي درس، يا ليلى. لا تجعلي من فشل سابق سبباً لرفض كل مستقبل. إذا كان قلبكِ لا يزال ينبض بالأمل، فاعلمي أن الله لم يغلق كل الأبواب."

شعرت ليلى بشيء من الراحة تغمر قلبها. كانت كلمات سليمان كبلسم يشفي جراحها. لقد بدأت تفهم لماذا اختارت الصحراء. ربما لم يكن هروباً بقدر ما كان بحثاً عن إجابات.

"شكراً لك يا عم سليمان. كلامك أعطاني أملاً جديداً."

"لا تشكريني. اشكري الله الذي هداكِ إلى هذه الواحة، وهداني إلى مساعدتك. عودي إلى خيمتكِ، وارتاحي. غداً يوم جديد، وغداً قد تبدأ رحلتكِ الحقيقية."

وقفت ليلى، ونظرت إلى النجوم مرة أخرى. بدت أكثر توهجاً الآن، وكأنها تحتفل ببداية جديدة. عادت إلى الخيمة، وقلبها لم يعد يحمل ثقل الماضي، بل بدأت تشعر بخفة، بخفة الأمل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%