حب في الصحراء الجزء الثاني

غواية الرمال

بقلم ليلى الأحمد

امتدت يد عائشة، كالنخلة الواهنة في جوف الصحراء، لتلمس خيط الضوء الباهت المتسلل من نافذة الغرفة، حاجبةً عينيها عن نور الفجر الذي لم يعد يحمل لها أي بشرى. كان الليل قد انسدل بثقله على روحها، تاركاً إياها أسيرةً لجراحٍ لم تندمل. صوت خطواتٍ خفيفةٍ في الخارج، أزعج السكون الذي بدأ يتجذر في قلبها، وأيقظ فيها رجفةً لم تفهم مصدرها. هل هو زوجها، عائدٌ من عزلته الاختيارية؟ أم هو شبحٌ من الماضي، يحمل معه ذكرياتٍ لم تخطط يوماً لاستقبالها؟

كانت قد تركت له رسالةً، كلمةٌ واحدةٌ كانت كافيةً لتفضح أعماق اضطرابها: "اذهب." لم تكن تعرف إن كان قد قرأها، وإن كان قد استجاب لها. كان صمتُ الغرفةِ يصرخُ بالأسئلة، وكان صمتُ قلبهِ أكثرُ إيلاماً. في الأيام الأخيرة، كان سالمٌ قد غدا كالسهمِ المنحني، يبحثُ عن مخرجٍ لا يجده. كان وجهه شاحباً، وعيناه تحملان فراغاً شاسعاً، يتسعُ كلما ازدادت وحدته. كلما حاولَت عائشةُ الاقتراب، بدا وكأنه يبتعدُ أكثر، كسرابٍ يحاولُ أن يمسكه، لكنه يتلاشى بين أصابعه.

تذكرت كلماته الأخيرة، التي تفوه بها بصوتٍ مكتومٍ، كأنما يخشى أن يسمعها أحدٌ غيرها: "هناك أشياءٌ في النفسِ، يا عائشة، كالرمالِ المتحركة. إذا حاولتَ أن تثبتَ عليها، غاصت بك أكثر. وإذا حاولتَ أن تهربَ منها، سحبتك معها." كان يتحدثُ عن نفسه، بلا شك. عن صراعهِ الداخلي الذي كان يمزقه. لكنها كانت تراهُ يتجهُ نحو الهاوية، ولا تملكُ سبيلاً لإنقاذه.

غواية الرمال، هكذا أطلقت على ما كان يعتري سالم. كانت الصحراء، التي أحبها ذات يوم، وصارعت من أجلها، قد بدأت تتحول إلى سجنٍ مظلمٍ له. كان يقضي ساعاتٍ طويلةٍ في تأملِ الخطوطِ المتعرجةِ على الكثبان، كأنما يبحثُ عن إجاباتٍ ضائعةٍ بين ثناياها. في إحدى الليالي، وجدتهُ عائشةُ جالساً وحده تحتَ قمرٍ مكتملٍ، ينظرُ إلى الظلامِ وكأنه يرى فيه شيئاً لا تراه. سألتهُ عن ما يشغله، فأجاب بصوتٍ متعبٍ: "أبحثُ عن بدايةٍ جديدة، يا عائشة. بدايةٍ لا تخنقني."

لكن بدا أن ما يسميهِ "بدايةً جديدة" كان يقوده إلى طريقٍ مظلم. بدأ يتلقى زياراتٍ متكررةٍ من رجلٍ غريبٍ، ذي لحيةٍ سوداءٍ كثيفةٍ وعينينِ ذكيتين. كان يرتدي ثياباً فاخرةً، ويحملُ في يديهِ أشياءَ لم تعرف عائشةُ ماهيتها، لكنها كانت تشمُ منها رائحةً قويةً غريبة. كان سالمٌ يختلي بهِ في غرفتهِ لساعاتٍ، ثم يعودُ شاردَ الذهنِ، متفائلاً بشكلٍ مبالغٍ فيه، أو غارقاً في حزنٍ عميقٍ لم تفهم سببه.

في إحدى المرات، سمعت عائشةٌ سالمًا يتحدثُ بصوتٍ مرتفعٍ مع هذا الرجل. كانت كلماته مليئةً باليأسِ والرجاء. "لا أستطيعُ أكثر، يا عماد. لقد ضاعت مني كلُ السبل. هل أنتَ حقاً الحل؟" وكان صوتُ عمادٍ يأتيهِ كالهمسِ الماكر: "الأمرُ بين يديكَ، يا سالم. أنتَ فقط من يملكُ مفتاحَ التحرر. إنها مجردُ جرعةٍ بسيطةٍ، تعيدُ إليكَ القوةَ والتركيز."

ارتجفت عائشةُ حينها، وشعرت ببرودةٍ تسري في عروقها. هل كان سالمٌ يقعُ في فخٍ؟ هل كان هذا "الحل" الذي يبحثُ عنه هو مجردُ وهمٍ سيقوده إلى دمارٍ أكبر؟ حاولت أن تتحدثَ إليه، أن تسألهُ عن ماهيةِ هذه "الجرعة"، لكنه كان يتهربُ من أسئلتها، ويعاملها ببرودٍ لا يعهدهُ منها. "لا تقلقي عليّ، يا عائشة. أنا بخير. أحاولُ فقط أن أجدَ طريقي."

كانت تلك الأيامُ قاسيه. كانت تبكي في صمتٍ، وهي ترى الرجلَ الذي أحبتهُ، والذي وعدها ببناءِ بيتٍ كريمٍ، يتهاوى أمام عينيها. كان يبتعدُ عنها، وعن الحياة، وعن كلِ ما كان يمثلُه. كانت تشعرُ بالوحدةِ تتسربُ إلى جدرانِ بيتهما، لتتحولَ إلى شبحٍ يسكنُ بينهما. كانت تراودهُ أحلامٌ مزعجةٌ، يرى فيها سالمٌ يرتدي ملابسَ بيضاءَ، ويتجهُ نحو نورٍ متلألئٍ، لكنه نورٌ خادعٌ، كأنه نورُ شمعةٍ ستموتُ قريباً.

في ليلةٍ من الليالي، استيقظت عائشةُ على صوتِ بكاءٍ مكتومٍ. وجدت سالمًا جالساً على طرفِ السرير، واضعاً وجهه بين يديه، وجسدهُ يرتجف. اقتربت منهُ ببطءٍ، وامتدت يدها لتلامسَ كتفه. "ما بكَ، يا سالم؟" سألتهُ بصوتٍ هادئٍ، ملؤه الشفقة. رفعَ وجهه، ورأت عيناهُ مليئتين بالدموع، لكن لم تكن تلك دموعَ حزنٍ طبيعي. كانت هناك مسحةٌ من الهذيانِ في لمعانها.

"لقد أخذتُها، يا عائشة." قال بصوتٍ بالكادِ يُسمع. "لقد أخذتُ تلك الجرعة."

جمدت عائشةُ في مكانها. شعرت كأن الأرضَ تميدُ بها. "ماذا؟ ماذا تقول؟"

"لقد وعدني عمادٌ بأنها ستعيدُ إليّ روحي. ستمنحني القوةَ لأواجهَ كلَ شيء. لكنها... لكنها تقتلني ببطء." كانت كلماته تخرجُ متقطعةً، كأنما يصارعُ شيئاً لا يمكنُ رؤيته. بدأت يداه ترتجفان بشدة، وتتسعُ حدقتا عينيه.

"سالم!" صرخت، وهي تحاولُ أن تمسك بيديه، لكنه كان يندفعُ بعيداً عنها. "ما الذي فعلتهُ بنفسكَ؟"

"لم أفعل، يا عائشة. إنهُ هو... إنهُ يقتلني. الرمالُ تسحبني. لم أكن أعرفُ أنها بهذا السوء." كان يتلوى على السرير، وكأن جسدهُ لم يعد ملكه. ظهرت على وجهه بقعٌ حمراءُ غريبة، وبدأ يتصببُ عرقاً بارداً.

شعرت عائشةُ بالرعبِ يسيطرُ عليها. لم تكن تعرفُ ماذا تفعل. هل تتصلُ بأحد؟ بمن؟ في هذه الصحراءِ القاحلة، ومن هو عمادٌ هذا؟ كلُ ما كانت تراهُ أمامها هو زوجها، الذي أحبتهُ وأخلصت لهُ، يغرقُ في دوامةٍ لا نهاية لها، تدفعها إليهِ قوىً غامضةٌ. أدركت في تلك اللحظة، أن الصراعَ الذي كانت تحسبه بين سالمٍ ونفسه، كان صراعاً أكبر، صراعاً بين الخيرِ والشر، بين النورِ والظلام. وكانت المعركةُ شرسةً، وأخشى ما أخشاه، أن سالمًا لم يعد يملكُ القوةَ ليدافعَ عن نفسه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%