حب في الصحراء الجزء الثاني

ظلال الماضي

بقلم ليلى الأحمد

عادت الروحُ إلى عائشةَ ببطءٍ، حين بدأت تتلاشى حدةُ الهذيانِ عن وجهِ سالم. تلاشى ارتعاشُ جسدهِ، واستقرت أنفاسه، وإن بقيت ثقيلةً تحملُ عبءَ ما مرّ به. كانت تراقبُه بصمتٍ، وقلبها يخفقُ بقوةٍ، كطائرٍ محبوسٍ في قفصٍ ضيق. لم تكن قد رأتهُ من قبلُ في حالةٍ كهذه، حالةٌ تجعلُها تخشى عليهِ من نفسه، بل ومن كلِ ما حوله.

عندما فتحَ سالمٌ عينيهِ مجدداً، وجدَ عائشةَ جالسةً بجانبه، تضعُ يداً على جبينهِ، كأنها تحاولُ أن تبردَ حرارةَ جسدهِ. نظرَ إليها بعينينِ زائغتين، ثم أطلقَ تنهيدةً طويلةً، خرجت من أعماقِ صدره. "هل... هل كنتُ أحلم؟" سأل بصوتٍ ضعيفٍ، كأنما لم يعد يملكُ القوةَ الكافيةَ للتفريقِ بين الواقعِ والخيال.

"لا، يا سالم. لم تكن تحلم. لقد... لقد تناولتَ شيئاً." أجابت عائشةُ، وحاولت أن تبدو هادئةً، رغمَ العاصفةِ التي كانت تعصفُ بداخلها. لم ترد أن تزيدَ من قلقهِ، أو أن تكشفَ عن مدى خوفها.

سكتَ سالمٌ للحظةٍ، ثم ارتسمت على وجههِ علاماتُ الوعيِ والألم. "لقد خدعني، يا عائشة. عمادٌ خدعني. قالَ إنها ستعيدُ لي قوتي، ستجعلني أرى الأشياءَ بوضوح. لكنها... لكنها أخذت مني ما تبقّى." انهمرت دموعهُ بصمتٍ، على خديهِ الجافين.

"من هو عمادٌ هذا، يا سالم؟" سألت عائشةُ، محاولةً أن تجمعَ خيوطَ القصةِ المتناثرة. "ومن أينَ لكَ به؟"

تنهدَ سالمٌ، وبدأ يروي بصوتٍ متقطعٍ، كمن يخرجُ ذكرياتٍ مؤلمةً من صدره. "عمادٌ... عمادٌ صديقٌ قديمٌ، قابلتهُ بالصدفةِ قبلَ فترةٍ. كانَ يملكُ عالماً مختلفاً، عالماً يبدو فيهِ كلُ شيءٍ ممكناً. تحدثَ إليّ عن حلولٍ لمشاكلي، عن طرقٍ لتجاوزِ همومي. في البداية، رفضت. لم أكن أرغبُ في أن أغوصَ في أمورٍ قد تضرُ بي. لكن الضغطَ، والوحدةَ، واليأسَ... كلُ هذا جعلني أضعف."

"وماذا قالَ لكَ تحديداً؟" ألحّت عائشةُ، وهي تشعرُ بأنها تقتربُ من كشفِ السرِ الأسودِ الذي ابتلعَ زوجها.

"قالَ إن لديهِ شيئاً... شيئاً يعيدُ النشاطَ للنفسِ، ويمنحُ العقلَ صفاءً لم يعرفهُ من قبل. قالَ إنها مادةٌ طبيعيةٌ، لكنها قويةٌ جداً. وأنها فقط لمن يبحثُ عن خلاصٍ حقيقي." توقفَ سالمٌ، ونظرَ إلى عائشةَ بعينينِ مليئتين بالأسف. "كنتُ أبحثُ عن خلاصٍ، يا عائشة. كنتُ أبحثُ عن طريقةٍ لأنسى. لأنسى كلَ شيءٍ. ضغوطُ العملِ، والمشاكلُ الماليةُ، وحتى... حتى ما حدثَ بيننا."

كلماتها الأخيرةُ وخزت قلبَ عائشةَ. كانت تعلمُ أن علاقتهما قد مرت بفتراتٍ عصيبة، لكنها لم تتوقع أن يكونَ ذلك سبباً دفعهُ إلى البحثِ عن مهربٍ بهذهِ الطريقة. "ماذا حدثَ بيننا، يا سالم؟" سألت بصوتٍ فيهِ رجفةٌ.

"لقد... لقد شعرتُ أنني خذلتكِ، يا عائشة. شعرتُ أنني لم أعد الرجلَ الذي يستحقُكِ. كلُ ما أتذكرهُ هو تلكَ الأيامُ التي كنتِ فيها تشكينِ فيّ، وتشعرينَ بالوحدةِ. كانَ الضغطُ عليّ هائلاً. عمادٌ بدا وكأنهُ الوحيدُ الذي يفهمُ ما أمرُ به. بدأَ يزورني، ويقدمُ لي ما يسميهِ "الجرعةَ السحرية". في البداية، كانت مجردَ كمياتٍ قليلة، أشعرُ بعدها بنشاطٍ غريب، ونسيانٍ مؤقتٍ لهمومي. ثم... ثم ازدادت الكمية. واليوم، لم أعد أسيطرُ على نفسي."

كانت القصةُ مفزعةً. لم تكن مجردَ مشكلةٍ نفسيةٍ، بل كانت إدماناً، مادةً خارجيةً تدمرُ جسدهُ وعقله. "وهل يعرفُ عمادٌ أنك... أنك تعاني هكذا؟"

"لا أعرف. كانَ يبتعدُ عني حينَ بدأتُ أشعرُ ببعضِ الآثارِ الجانبية. كانَ يفضلُ أن يراني قوياً، كما كانَ في البداية. ربما... ربما هو أيضاً يريدُ مني أن أغوصَ أكثر."

نظرت عائشةُ حولها في الغرفة، كأنما تبحثُ عن دليلٍ، عن أيِ شيءٍ يمكنُ أن يساعدها. كانت تشعرُ بالضعفِ أمامَ هذا العدوِ الغامضِ الذي لم تعرفْ اسمهُ الحقيقي، ولا مصدرَ هذهِ المادةِ الفتاكة. "يجبُ أن نتخلصَ من هذا، يا سالم. يجبُ أن نجدَ طبيباً، أو نبلغَ السلطات."

"السلطات؟" ضحكَ سالمٌ ضحكةً مجروحة. "من سيصدقُ قصتي؟ مادةٌ تأتي من شخصٍ غريبٍ، تجعلني أفقدُ صوابي؟ سيعتقدونَ أنني مجنون. بالإضافةِ إلى ذلك، أعتقدُ أن عماداً لديهِ علاقاتٌ واسعة. قد لا يكونُ من الحكمةِ أن ندخلَ في صراعٍ معه."

"ولكننا لا نستطيعُ أن نتركَ الأمرَ هكذا! أنتَ تموتُ ببطءٍ، يا سالم."

"أعلمُ ذلك، يا عائشة. وأنا آسفٌ جداً. آسفٌ لأنني أدخلتكِ في هذا الأمر. لقد كنتُ أنانياً. كنتُ أبحثُ عن خلاصي، ولم أفكرْ فيكِ."

لم تستطع عائشةُ أن تكتمَ دموعها. احتضنت سالمًا بقوة، كأنما تحاولُ أن تحميهِ من كلِ هذا الشرِ المحيطِ به. "لن أترككَ وحدك، يا سالم. مهما حدث. سنتجاوزُ هذا معاً. سنكشفُ عماداً هذا، وسننهي هذا الكابوس."

في تلكَ اللحظة، أدركت عائشةُ أن الحربَ التي بدأتْ بينها وبين سالمٍ، قد تحولت إلى حربٍ أكبر. حربٌ ضدَ قوىً خفيةٍ، تحملُ في طياتها الخداعَ والإدمانَ والتدمير. لكنها شعرتْ أيضاً ببصيصٍ من الأمل. ففي قلبِ هذهِ المعركةِ، اكتشفتْ قوةً لم تكن تعلمُ أنها تملكها. قوةُ الحبِ، والإصرارِ، والإيمانِ بأن الحقَ سينتصرُ في نهايةِ المطاف. لكنها كانت تعرفُ، أن الطريقَ إلى ذلكَ الانتصارِ سيكونُ طويلاً وشاقاً، مليئاً بالمخاطرِ والظلالِ التي ربما تكونُ قد استيقظتْ للتو.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%