حب في الصحراء الجزء الثاني
محاولة الهرب
بقلم ليلى الأحمد
أدركت عائشةُ أن الاستسلامَ ليسَ خياراً. كانت الغرفةُ التي جمعتهما في السابقِ، قد تحولت إلى ساحةِ معركةٍ، لا يدري طرفاها. سالمٌ، أسيرُ جسدهِ وعقله، يقاومُ بصمتٍ، بينما تتصارعُ فيهِ ذكرياتُ الألمِ وأوهامُ النجاة. وعائشة، تقفُ على خطِ المواجهة، تحاولُ أن تبنيَ جسراً من الأملِ فوقَ بحرٍ من اليأس.
كانت الأيامُ التاليةُ أشبهَ بالاستنزاف. استمرَ سالمٌ في معاناته، تارةً يفيقُ من غيبوبتهِ، وطوراً يغرقُ في هذيانٍ عميقٍ، يتخللهُ صراخٌ مكتومٌ وكلماتٌ غيرُ مفهومة. كانت عائشةُ تراقبهُ، تراقبُ كيفَ تتأكلُ روحهُ يوماً بعدَ يوم. لم تكن تعرفُ من هو عمادٌ هذا، ولمن يعمل، وما هي طبيعةُ تلكَ المادةِ التي أدخلها إلى حياةِ زوجها. كلُ ما كانت تعرفه، هو أن هذهِ الصحراءَ الشاسعةَ، التي كانت يوماً رمزاً للحبِ والتضحية، أصبحت الآنَ مسرحاً لجريمةٍ باردة، تتفننُ في إخفاءِ آثارها.
في إحدى الليالي، حينَ كانَ سالمٌ في سباتٍ عميقٍ، لم تكن فيهِ أيُ علامةٍ على الاستيقاظ، قررت عائشةُ أن تبحثَ عن جواب. أمسكتْ بمصباحٍ صغيرٍ، وخرجتْ من الغرفةِ متسللةً. كانَ الظلامُ دامساً، والصمتُ يخيمُ على المكان. بدأتْ تتفحصُ كلَ زاويةٍ، كلَ رفٍ، كلَ درجٍ. كانت تبحثُ عن أيِ شيءٍ قد يدلها على مصدرِ تلكَ المادة، أو على هويةِ عمادٍ.
لم تجدْ شيئاً في البداية. فقط الأغراضُ الشخصيةُ لسالم، وملابسهُ، وكتبهُ. شعرتْ بالإحباطِ يتسللُ إلى قلبها. هل كانت تبحثُ عبثاً؟ هل كلُ ما يمكنها فعلهُ هو الانتظارُ، والرقصُ معَ شبحِ زوجها؟
فجأةً، لفتَ انتباهها درجٌ قديمٌ، مخبأٌ خلفَ كومةٍ من الصناديقِ في ركنٍ من الغرفة. كانَ مغلقاً بإحكام. حاولتْ فتحه، لكنه كانَ عنيداً. دفعتْ كلَ قوتها، حتى سمعتْ صوتاً خفيفاً، ثم انفتحَ الدرجُ ببطءٍ.
داخلَ الدرج، لم تجدْ شيئاً متوقعاً. لا قاروراتٍ، ولا أوراقاً غريبة. وجدتْ صندوقاً خشبياً صغيراً، مزخرفاً بنقوشٍ قديمة. فتحتهُ، فوجدتْ بداخلهِ مجموعةً من الرسائلِ القديمة، معلقةً بشريطٍ حريريٍ باهت. كانت مكتوبةً بخطٍ أنيقٍ، يعرفهُ قلبُ عائشةَ جيداً. كانت رسائلَ سالمٍ إليها، من أيامِ الخطوبةِ الأولى، حينَ كانَ يغادرُ المدينةَ لظروفِ العمل، ويرسلُ إليها كلماته.
قرأتْ بعضَ الرسائلِ، وابتسمتْ بحزن. كانت تلكَ الكلماتُ الجميلةُ، مليئةً بالحبِ والوعدِ، تصطدمُ الآنَ بواقعٍ مريرٍ. لكن، بينما كانت تتصفحُ الرسائل، سقطتْ ورقةٌ صغيرةٌ من بينها. كانت مختلفةً عن بقيةِ الرسائل. كانت مطويةً بعنايةٍ، وتبدو حديثةً.
فتحت الورقةَ، ورأتْ فيها كلماتٍ مكتوبةً بخطٍ مختلفٍ، خطٍ لم تعهدهُ. كانت تلكَ الكلماتُ مقتضبةً، لكنها حملتْ وزناً ثقيلاً: "سالم، لا تخبرْ عائشةَ بشيء. إنها لا تفهم. هذهِ المادةُ هي فرصتكَ الوحيدة. أنا هنا لمساعدتكَ. عماد."
شعرتْ عائشةُ ببرودةٍ في أطرافها. كانت هذهِ رسالةٌ من عمادٍ إلى سالم. إثباتٌ آخرُ على تورطهِ. لكن عبارةَ "إنها لا تفهم" وخزتها. هل كانَ عمادٌ يعتبرها عائقاً؟ هل كانَ يعلمُ أن لديها شكوكاً؟
واصلتْ البحثَ في الصندوق، وبينما كانت تعيدُ ترتيبَ الرسائل، لاحظتْ وجودَ ورقةٍ أخرى، مخبأةً في قاعِ الصندوق، تحتَ كلِ الرسائل. كانت تلكَ الورقةُ أكبرَ قليلاً، ومكتوبةً بنفسِ الخطِ الغريب. كانت تحتوي على قائمةٍ طويلةٍ من أسماءٍ، وأرقامٍ. كانت تبدو كدفترِ اتصالاتٍ، لكنها كانت تحملُ أسماءً لا تعرفها، وأرقاماً لم ترها من قبل.
بينَ الأسماء، لفتَ انتباهها اسمٌ واحدٌ، مكتوبٌ باللونِ الأحمر: "الشيخُ عبدُ الرحمن." ومن ثم، رقمُ هاتفٍ، وعنوانٌ غريبٌ في مدينةٍ بعيدة. شعرتْ عائشةُ أن هذا الاسمَ، وهذا العنوانَ، ربما يكونانِ مفتاحَ لغزٍ أكبر. من هو الشيخُ عبدُ الرحمن؟ وهل لهُ علاقةٌ بما يمرُ بهِ سالم؟
أغلقتْ الدرجَ، وأعادتْ كلَ شيءٍ إلى مكانه. كانت تحملُ في قلبها خوفاً جديداً، وخوفاً أقدم. خوفٌ من عمادٍ، وخوفٌ من المجهول. لكنها حملتْ معها أيضاً بصيصَ أملٍ. أملٌ قد يكمنُ في هذا العنوانِ الغريب، وفي اسمِ الشيخِ عبدِ الرحمن.
عندما عادتْ إلى الغرفة، وجدتْ سالمًا قد استيقظَ. كانَ يجلسُ على طرفِ السرير، ينظرُ إلى الفراغِ بعينينِ فارغتين. اقتربتْ منهُ، وهي تحملُ في يدها ورقةَ العنوانِ، واسمَ الشيخ.
"سالم،" قالتْ بصوتٍ هادئ، "أعتقدُ أنني وجدتُ شيئاً قد يساعدنا."
نظرَ إليها سالمٌ، وبدا وكأن الشرارةَ قد عادتْ إلى عينيه. "ماذا وجدتِ؟"
"وجدتُ هذا." قالتْ، ومدتْ إليهِ الورقة. "لقد وجدتُ هذهِ القائمة، وهذا الاسم. هل تعرفُ الشيخَ عبدَ الرحمن؟"
أخذَ سالمٌ الورقةَ، وتفحصها. بدأتْ علاماتُ الدهشةِ تظهرُ على وجهه. "الشيخُ عبدُ الرحمن... نعم، أعرفه. إنهُ رجلٌ صالحٌ، يعيشُ بعيداً عن المدينة. يقالُ إنهُ يعرفُ الكثيرَ عن الأعشابِ الطبية، وعن العلاجِ بالرقيةِ الشرعية. لكن... كيفَ وجدتي هذا؟"
"لقد بحثتُ، يا سالم. بحثتُ عن أيِ سبيلٍ لإنقاذك. هل تعتقدُ أن لديهِ ما يمكنُ أن يساعدنا؟"
نظرَ سالمٌ إلى عائشةَ، بعينينِ ملؤهما الأملُ المتردد. "لا أدري. لكنني مستعدٌ لتجربةِ أيِ شيء. أنا... أنا لم أعد أقوى على هذا. أشعرُ بأنني أغرقُ."
"إذن، يجبُ أن نذهبَ إليهِ. فوراً." قالتْ عائشةُ، بعزمٍ لا يلين. "سنغادرُ هذهِ الصحراءَ، وسنبحثُ عن هذا الشيخ. سنتخلصُ من هذا الشرِ الذي أصابك."
كانت فكرةَ الهروبِ تلوحُ في الأفق. هروبٌ من المكانِ، ومن الزمانِ، ومن المرضِ الذي كانَ ينهشُ سالمًا. لكنها كانت تعلمُ، أن عماداً لن يتركهم يفرونَ بسهولة. وأن هناكَ أسراراً أكبرَ، ربما تنتظرهم في الطريق.