حب في الصحراء الجزء الثاني
رحلة نحو الشفاء
بقلم ليلى الأحمد
عندما بزغَ نورُ الصباحِ، كانت عائشةُ وسالمٌ قد استعدا للرحيل. جهزتْ عائشةُ قوتَ يومهما من الماءِ والتمرِ، ووضعتْهما في قربةٍ جلديةٍ قديمة. ساعدتْ سالمًا على ارتداءِ ثيابه، وكانَ جسدهُ لا يزالُ ضعيفًا، لكن إرادتهُ كانت تبدو أقوى من ذي قبل. كانت عيناهُ تتلألأانِ ببصيصٍ من الأملِ، أملٌ أضاءتهُ فكرةُ الوصولِ إلى الشيخِ عبدِ الرحمن.
"هل أنتَ مستعدٌ، يا سالم؟" سألتْ عائشةُ، وهي تضعُ يدها على كتفه. أومأَ سالمٌ برأسه، وقالَ بصوتٍ واثقٍ: "نعم، يا عائشة. مستعدٌ. لن أدعَ هذهِ الصحراءَ، وهذا الشرَ، يلتهماني بعدَ الآن."
خرجَا من البيتِ، وتركا خلفهما المكانَ الذي شهدَ على معاناتهما. كانت أشعةُ الشمسِ الأولى تضربُ الرمالَ الذهبيةَ، فتخلقُ مناظرَ خلابةً، لكنها لم تعدْ تحملُ لسالمٍ إلا ذكرياتٍ مؤلمة. استقلا ناقتيهما، وبدآ رحلتهما نحو المجهول.
كانت الرحلةُ شاقةً. الصحراءُ لم تكنْ رحيمةً، والشمسُ كانتْ حارقةً. كانَ سالمٌ يواجهُ بعضَ اللحظاتِ من الوهنِ، وكانَ عليهِ أن يرتاحَ بينَ الحينِ والآخر. لكن عائشةَ كانتْ بجانبه، تشجعهُ، وتذكرهُ بالهدفِ الذي يسعيانِ إليه. كانت تحدثهُ عن الشيخِ عبدِ الرحمن، عن صلاحِهِ، وعن قدرتهِ على الشفاء.
"يقولونَ يا سالم، إن الشيخَ عبدَ الرحمنِ قد شفى الكثيرينَ من أمراضٍ مستعصية. وإن لديهِ معرفةً عميقةً بأسرارِ الخلقِ. ربما يجدُ لكَ العلاجَ الذي لم يستطعْ عمادٌ أن يمنحكَ إياه." "أتمنى ذلكَ، يا عائشة. لقد تعبتُ من حملِ هذا العبءِ الثقيل."
في إحدى الليالي، بينما كانا يستريحانِ تحتَ سماءٍ تزينها ملايينُ النجوم، لم يتحدثْ سالمٌ عن حالته. بل بدأَ يتحدثُ عن عائلتهِ، عن نشأتهِ، وعن علاقتهِ بوالدتهِ التي توفاها اللهُ مبكرًا.
"كانتْ أمي امرأةً صالحةً، يا عائشة. كانتْ دائمًا توصيني بالابتعادِ عن صحبةِ السوءِ، والبحثِ عن النورِ في كلِ شيء. ربما لو أنني استمعتُ لنصائحها، لما وصلتُ إلى ما أنا عليهِ الآن." "ليسَ ذنبكَ، يا سالم. لقد وقعتَ في فخٍ. لكنك الآنَ تحاولُ الخروجَ منهُ، وهذا هو الأهم."
"ولكنني أخشى، يا عائشة، أن أكونَ قد أضعتُ ثقتكِ. أخشى أن تكونَ قد رأيتِ مني ما لم تتوقعهُ امرأةٌ من زوجها." "يا سالم، الحبُ الحقيقيُ لا يقومُ على المثاليةِ، بل على التسامحِ والغفرانِ. لقد أخطأتَ، لكنكَ اعترفتَ بخطئكَ، وتسعى لإصلاحه. هذا يكفيني."
نظرتْ إليهِ عائشةُ بحبٍ، ومدتْ يدها لتلمسَ خده. "أنتَ زوجي، يا سالم. وسندكِ. ولن أترككَ وحدك في هذهِ الرحلة."
كانتْ كلماتها بلسمًا لروحهِ. كانَ يعرفُ أن لديهِ امرأةً عظيمةً بجانبه، امرأةً أظهرتْ لهُ معنى الوفاءِ والإخلاصِ في وقتٍ كانَ هو فيهِ غارقًا في الظلام.
بعدَ يومينِ من السيرِ في الصحراءِ، بدأتْ معالمُ الطبيعةِ تتغير. ظهرتْ بعضُ النباتاتِ الشوكية، وبدأتْ الأرضُ تكتسي بالحصى. أدركوا أنهم يقتربونَ من منطقةٍ ليستْ وعرةً تمامًا.
"أعتقدُ أننا على الطريقِ الصحيح،" قالَ سالمٌ، وهو ينظرُ إلى دليلٍ صغيرٍ كانَ قد حملهُ من بيتهِ، وهو عبارةٌ عن خريطةٍ بسيطةٍ رسمها بيده. "هل أنتَ متأكدٌ؟" سألتْ عائشةُ. "نعم، هذهِ المنطقةُ قريبةٌ من المكانِ الذي وصفهُ لي صديقٌ قديمٌ للشيخِ عبدِ الرحمن."
في المساءِ، وبينما كانوا يستعدونَ للنوم، سمعوا صوتَ خطواتٍ قادمةً من بعيد. كانتْ خطواتٍ ليستْ بخطواتِ إنسانٍ، بل بخطواتِ حيوانٍ. ظهرَ من خلفِ الكثبانِ رجلٌ يركبُ حصانًا، وكانَ يرتدي ملابسَ غريبةً، تشبهُ ملابسَ الرعاة.
توقفَ الرجلُ أمامهم، ونظرَ إليهم بفضول. "من أنتما؟ وماذا تفعلانِ في هذهِ المنطقةِ النائية؟" "نحنُ نبحثُ عن الشيخِ عبدِ الرحمن،" أجابَ سالمٌ. "هل تعرفُ طريقه؟"
ابتسمَ الرجلُ ابتسامةً غامضةً. "نعم، أعرفُ طريقه. لكن وصولكَ إلى الشيخِ عبدِ الرحمنِ ليسَ بالأمرِ السهل. فهو لا يستقبلُ كلَ من يأتي إليه." "نحنُ في ضيقٍ شديد، يا هذا،" قالتْ عائشةُ، بجدية. "لدينا قصةٌ طويلةٌ، وقصةٌ مؤلمة."
نظرَ إليهم الرجلُ ملياً، ثم قالَ: "سوفَ أدلكما على الطريقِ، لكني أحذرُكما. الطريقُ ليسَ آمنًا. هناكَ من لا يريدُ لنا أن نصلَ إلى الشيخِ. وهناك من يبحثُ عنكم."
شعرَ سالمٌ وعائشةُ ببرودةٍ تسري في عروقهما. هل كانَ عمادٌ يلاحقهما؟ هل كانَ يعرفُ أنهما في طريقهما للبحثِ عن علاج؟
"من هو الذي يبحثُ عنا؟" سألَ سالمٌ. "لا يمكنني أن أخبركَ بالكثير،" قالَ الرجلُ، وهو يمسكُ بلجامِ حصانه. "لكن، ابقيا حذرين. ولا تثقا بمن يقدمُ لكم حلولاً سريعةً، أو وعوداً براقةً. فالسمُ غالبًا ما يختبئُ في حلوى. اتبعَا هذا الدربَ، وعندما تصلانِ إلى شجرةِ السدرِ الكبيرة، اتجهَا نحو اليمين. هناكَ ستجدانِ بيتَ الشيخ."
ودعَ الرجلُ، واختفى في ظلامِ الليل. تركتْ كلماته عائشةَ وسالمًا في حيرةٍ وقلق. هل كانَ هذا الرجلُ صديقًا، أم عميلاً لعماد؟ كلُ ما كانا يعرفانِه، هو أن رحلتهما لم تنتهِ بعد، وأن هناكَ أسراراً كثيرةً لم تُكشفْ بعد.