زوجتي الجميلة الجزء الثالث

همسات الفجر وصخب الغرباء

بقلم مريم الحسن

كانت رائحة القهوة العربية الممزوجة بعبق الهيل تعبق أرجاء المطبخ، تداعب حواس فارس مع أولى خيوط الفجر. لم تكن تلك رائحة قهوة الصباح المعتادة، بل كانت تحمل شيئاً من الترقب، شيئاً من الغموض. أمسك بكوب القهوة الساخن بين يديه، ارتشف منه ببطء، وعيناه تائهتان في فراغ النافذة الزجاجية، حيث بدأت المدينة تستيقظ ببطء على أنغام الأذان. في الخارج، كان صخب الحياة يبدأ، لكن في داخله، كان سكون عميق يلف روحه، سكون يتخلله صوت دقات قلب متسارعة، لا يعلم مصدرها.

فارس، رجل تجاوز الثلاثين، ببشرة سمراء حنطية، وعينين سوداوين عميقتين تحملان بريق الذكاء والحنان، وملامح حادة تعكس صلابة وتربية أصيلة. يعمل مهندساً في شركة عقارية كبرى، لم يعرف الملل في حياته المهنية، وكان دوماً يبحث عن التحدي والإبداع. لكن التحدي الحقيقي، والصراع العميق، كان يدور في ساحة روحه، ساحة تشهد على معركة دائمة بين رغباته التي يخشى الاعتراف بها، وبين قيمه الراسخة التي تربى عليها.

كانت حياته تبدو للآخرين منظمة، هادئة، خالية من العواصف. يعيش في شقة فخمة تطل على المدينة، يعمل بجد، ويحرص على صلة رحمه وزيارات أمه التي يعشقها. لكن خلف هذا الهدوء الظاهر، كان هناك فراغ كبير، فراغ لم يستطع مالٌ ولا نجاحٌ مهني أن يملأه. كان يشعر بوحدة غريبة، وحدة لا تزول حتى وهو بين أهله وأصدقائه. كان يبحث عن شريكة حياة، عن رفيقة درب، عن أم لأبنائه المستقبليين. لكن البحث لم يكن سهلاً، خاصة وأن معاييره كانت عالية، مستمدة من رؤيته للإسلام كمنهاج حياة، وللزواج كميثاق مقدس.

تذكر الليلة الماضية، الاجتماع المفاجئ الذي دعاه إليه خاله، الرجل ذو الخبرة والحكمة، والذي لطالما كان مرشداً له. قال له الخال بصوت هادئ ولكنه يحمل ثقلاً: "يا فارس، لقد رأيتُ من الدنيا ما يكفي لأدرك أن السعادة الحقيقية ليست في البناء والمال، بل في شريك صالح وقلب رحيم. رأيتُ من تقدم لك، ورأيتُ ما لم يعجبني. ولكن هذه المرة، لديّ ما أظنه سيُرضيك. ابنة صديق قديم، امرأة عرفتُ برها وتقواها، وبجمال روحها وعقلها. أرجو أن تلقي نظرة، فحسن الظن بالله هو البداية."

كانت تلك الكلمات كافية لتهييج بحر المشاعر داخل فارس. لم يكن يعلم من هي هذه الفتاة، ولم يسمع عنها شيئاً، لكن ثقة خاله العمياء كانت سبباً قوياً ليتجاوز تحفظاته. كان قد مر بتجارب سابقة جعلته حذراً، بل متشككاً أحياناً. كانت هناك فتيات أعجب بهن، وفتيات أعجب هو بهن، لكن لم يصل الأمر أبداً إلى مرحلة الجدية. إما أنهن لم يكنّ على قدر التوقعات الدينية والأخلاقية، أو أنه كان هو نفسه غير مستعد للانتقال إلى مرحلة جديدة.

نزل فارس من شقته، يتجه إلى مكتبه. كانت الشمس قد ارتفعت قليلاً، تلقي بأشعتها الذهبية على مباني المدينة الشاهقة. نظر إلى سيارته الفاخرة، شعور غريب بالإرهاق خيّم عليه. هل كان الأمر يتعلق بلقاء الغد؟ أم بشيء آخر؟

في زحام الطريق، وبين سيل السيارات المتسارع، لمح مشهداً جعله يشد على مقود السيارة. امرأة عجوز، بملابس بالية، تقف على جانب الطريق، تحاول عبور الشارع المزدحم. تهاوى قلب فارس، وكاد أن يتوقف. لم يتردد لحظة. أوقف سيارته على جانب الطريق، ونزل منها مسرعاً.

"يا جدتي، أرجوكِ، لا تعبري الآن، الشارع خطير!" صاح فارس وهو يقترب منها.

رفعت العجوز وجهها، تكشف عن تجاعيد عميقة، ونظرات بريئة، وعينين تحملان حزناً عميقاً. كانت تحمل كيساً قماشياً قديماً، بدت أثقاله تفوق قوة ذراعيها.

"الرب يسامحك يا بني. ولكنني بحاجة للوصول إلى الجهة الأخرى. أبنائي ينتظرونني." قالت بصوت خافت.

ابتسم فارس ابتسامة مطمئنة، حاول أن يخفي بها قلقه. "أنا سأساعدكِ يا جدتي. تفضلي، اركبي معي. سأوصلكِ إلى حيث تريدين."

ترددت العجوز قليلاً، ثم وافقت. فتح فارس باب السيارة الخلفي، وساعدها على الجلوس. جلست بجانبه في المقدمة، بعد أن أصرت على ذلك، لتكون قريبة منه، ولتتمكن من الإفصاح له عن سبب سعيها.

"أين تريدين الذهاب يا جدتي؟" سأل فارس، وهو ينظر في المرآة الخلفية لوجهها.

"إلى سوق الخضار القديم، يا بني. اشتريتُ بعض الخضروات، ولكن يبدو أنني لم أستطع حملها وحدي. أردتُ أن أشتري قليلاً من اللحم لعائلتي." قالت بنبرة خجولة.

"لا تقلقي، سنشتري كل ما تحتاجين. ولكن، من هم أبناؤكِ الذين ينتظرونكِ؟" سأل فارس بفضول.

تنهدت العجوز، وامتلأت عيناها بالدموع. "اثنان منهم في السجن يا بني. ارتكبوا خطأً، ولكن قلوبهم طيبة. أما الثالث، فهو مريض، لا يستطيع العمل. أحاول أن أعيش وأخدمهم."

شعر فارس بوخزة في قلبه. هذه قسوة الحياة، وتلك هي مسؤولية الأبناء. "الله في عونكِ يا جدتي. كم أنتِ قوية وصابرة."

وصلوا إلى سوق الخضار القديم. كان المكان يعج بالباعة والمشترين، وروائح مختلفة تتطاير في الهواء. ساعد فارس العجوز على النزول، وبدأ معها في اختيار الخضروات الطازجة، ثم اللحم. كان ينظر إليها وهي تختار بعناية، يحاول أن يرسم ابتسامة على وجهها.

"يا بني، هل لي أن أسألك سؤالاً؟" قالت العجوز فجأة، وهي تزن بعض الطماطم.

"بالتأكيد يا جدتي." أجاب فارس.

"تبدو شاباً صالحاً، متديناً، طيب القلب. هل تزوجت؟"

شعر فارس بحرارة تتصاعد في وجهه. كان هذا السؤال الذي يخشاه، والذي يواجهه دوماً. "لا يا جدتي، لم أتزوج بعد."

"وماذا تنتظر؟ الدنيا قصيرة، والوحدة قاسية. الأبناء هم زينة الحياة، والزوجة الصالحة هي خير معين." قالت بحكمة.

"أبحث عن الزوجة المناسبة يا جدتي. امرأة تكون قرة عين، وشريكة في السراء والضراء." قال فارس.

"اللهم آمين. ولكن لا تكن معقداً في اختيارك. فما تريده العين قد لا تريده الروح، وما تريده الروح قد لا يكون كاملاً في العين. ابحث عن البر والتقوى، ففيهما السعادة الحقيقية. رأيتُ الكثيرات ممن يظهرن بأجمل الصور، ولكن روحهن خاوية. ورأيتُ من لا يملكن الجمال الظاهر، ولكن قلوبهن كالذهب. تزوج لمن معك على دينك، تتزوج خيراً لك." قالت العجوز، وأصغت كلماتها في أذن فارس كأنها وحي.

اشترى فارس كل ما تحتاج العجوز، ثم أوصلها إلى بيتها المتواضع، وأصر على أن يطمئن عليها. قدم لها مبلغاً من المال، رفضته في البداية، ولكنه أصر.

"خذي هذه يا جدتي، لتساعدكِ في مصروفات العائلة."

"بارك الله فيك يا بني. أسأل الله أن يرزقك زوجة صالحة ترزقك الذرية الطيبة." قالت وهي تدعو له.

عاد فارس إلى سيارته، وقلبه يغلي بمشاعر متناقضة. هذه العجوز، بقسوة حياتها، ورغم كل ما تعانيه، لم تفقد الأمل، ولم تفقد بوصلتها الأخلاقية. كلماتها كانت كنور يضيء في عتمة روحه. ربما كان خاله على حق. ربما عليه أن ينظر بقلبه، لا بعينيه فقط.

عندما وصل إلى مكتبه، وجد رسالة في بريده الإلكتروني. عنوانها: "موعد اللقاء". كانت من سكرتيرة خاله. غداً، بعد صلاة العصر، في منزل خاله.

وضع فارس يده على صدره. شعور بالتوتر والقلق، ممزوج بشيء من الأمل، قد بدأ يتسلل إليه. هل سيلتقي بمن ستملأ فراغ حياته؟ هل سيجد في هذه الغريبة القادمة من عالم مجهول، ما يبحث عنه؟ همسات الفجر، وصخب الغرباء، كلها اجتمعت في لحظة واحدة، لتعلن بداية فصل جديد، فصل لم يكن فارس مستعداً تماماً لمواجهته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%