زوجتي الجميلة الجزء الثالث

همسات الماضي وأشباح المستقبل

بقلم مريم الحسن

كانت نسمة الفجر الباردة تتسلل من شق نافذة غرفة نومه، تحمل معها عبق الياسمين المتسلق على جدران المنزل. استيقظ يوسف على صوت زقزقة العصافير، لكن قلبه كان ثقيلاً، مثقلاً بهموم لم يستطع تفكيكها. بجانبه، كانت هدى نائمة بعمق، وجهها الهادئ يكسوه نور الشمس الخافت، وهي زينة الدنيا، وأمان روحه. قبلها برفق على جبينها، ثم نهض متسللاً، كعادته، ليمنحها فسحة من هدوئها قبل أن تبدأ ضغوط النهار.

في الخارج، جلس على مصطبة الحديقة، يستنشق الهواء النقي. لم تكن سعادته بزواجه من هدى وهناءه معها تكتمل، فقد ظل شبح الماضي يخيم على حياته. لم يكن يقصد به ذكرى فاطمة، زوجته الأولى التي رحلت مبكرًا، بل كانت تلك الندوب العميقة التي خلفتها صراعات العائلة وأسرارها. كانت فاطمة بريئة من تلك التعقيدات، لكن ارتباطه بها جعله هدفًا، والآن، يشعر بأن أفعاله قد تعرّض هدى للخطر.

في الأيام القليلة الماضية، بدأت تصله رسائل غامضة، تحمل تهديدات مبطنة، وتشير إلى مواضيع يعرف جيدًا أنها تخص مشاريع والده التجارية القديمة، تلك التي كانت تتخللها بعض الصفاقات المشبوهة، والتي حاول يوسف التبرؤ منها فور توليه زمام الأمور. لم يكن يريد أن يزعج هدى، فعيناها بريئتان، وقلبها طاهر، ولا تستحق أن تشارك في قلقه. لكن هل كان بإمكانه إخفاء الحقيقة عنها إلى الأبد؟

دخلت هدى إلى الحديقة، ترتدي ثوبًا بسيطًا، شعرها الطويل ينسدل على كتفيها. ابتسمت ابتسامة ساحرة، ثم انضمت إليه، وجلست بجانبه. "صباح الخير يا حبيبي. تبدو شاردًا اليوم."

ربت على يدها بحنان. "صباح النور يا روحي. مجرد بعض الأفكار التي تدور في رأسي."

"أفكار عن العمل؟ أم عن شيء آخر؟" سألت بفضول، وعيناها مليئتان بالقلق. كانت تعرف أن هناك ما يقلقه، وإن لم تفصح له عن تفاصيل.

"لا تقلقي يا عزيزتي. كل شيء على ما يرام. العمل يتطلب بعض التفكير المستمر." قال، محاولًا بث الاطمئنان في صوتها.

"لكنني أرى القلق في عينيك. أنت تعرف أنك تستطيع أن تخبرني بأي شيء. أحمل همومك معي، وإن لم أشاركك بها بشكل مباشر." قالت، ووضعت يدها على قلبه. "هذا القلب الذي أحببته، ليس لي وحدي، بل هو لي لأشاركه فرحه وحزنه."

تنهد يوسف. ربما حان الوقت. "هدى، هناك بعض الأمور القديمة التي بدأت تطفو على السطح. تتعلق بأعمال والدي. لم أكن أود أن أقلقك بهذا الشأن، لكني أشعر أن هذا الأمر قد يتسع نطاقه."

حدقت به، عيناها تتسعان. "ماذا تعني؟ هل هناك خطر؟"

"ليس خطرًا مباشرًا الآن، لكنه قد يصبح كذلك. وصلتني بعض الرسائل التي تشير إلى أن بعض الأشخاص الذين لم يعجبهم تغيير مسار أعمالنا، ربما يحاولون إحداث مشكلة. أعدك أنني أتعامل مع الأمر بحذر شديد."

"من هؤلاء الأشخاص؟ وماذا يريدون؟" سألت، وبدأت تعابير وجهها تكتسي جدية.

"لا أعرف بالتحديد. لكنهم يتحدثون عن صفقات قديمة، عن حق ضائع. لم أكن راغبًا في إثارة هذه الأمور، لكن يبدو أن الماضي له أنيابه."

"يوسف، لم أتزوجك لأكون في عالم خالي من المشاكل. تزوجتك لأني أحبك، ولأني أؤمن بك. وأنا معك. مهما كانت المشاكل، سنواجهها معًا." قالت بلهجة حازمة، ثم امسكت بيده بقوة.

هذه الكلمات كانت كالدواء لروحه. ابتسم ابتسامة حقيقية هذه المرة. "أنتِ نعم الزوجة، ونعم السند. وجودك بجانبي يمنحني القوة."

في منزل والدة هدى، كانت والدتها، السيدة أمينة، تتحدث مع ابنتها سارة. "هل أنتِ متأكدة يا سارة أن يوسف لم يخبر هدى عن الأمر؟"

"متأكدة يا أمي. لقد رأيت القلق في عيني هدى، لكنها كانت تحاول إخفاءه. يوسف يريد حمايتها." قالت سارة، وعيناها ترمقان والدتها ببعض الانزعاج. "لكنني أخشى أن هذا الحماية قد تتحول إلى عبء عليها، وإن كانت لا تعلم."

"أتفهم قلقك، يا بنيتي. لكن يوسف رجل حكيم. ربما لديه خطة." قالت السيدة أمينة، وعيناها تنظران إلى الأفق، كأنها تستحضر رؤى لا يراها الآخرون. "تذكرت الآن قصة قديمة عن عائلة، كيف أن الصمت عن الحق كان دائمًا هو بداية الانهيار."

"وهل تعتقدين أن هناك حقًا ضائعًا؟" سألت سارة.

"لا أستطيع الجزم. لكن يوسف وجد نفسه في مكان والده، وهذا المكان لم يكن خاليًا من الظلال. أتمنى أن يكون نور هدى كافيًا لإضاءة تلك الظلال."

في تلك الأثناء، كان المحامي الخاص بالعائلة، السيد عدنان، يراجع بعض الوثائق القديمة في مكتبه. كانت تلك الوثائق تخص توزيع ممتلكات والد يوسف، وبعض الأوراق التي بدأت تثير الشكوك حول مدى قانونية بعض تلك التوزيعات. وصله اتصال هاتفي من شخص غامض، يطلب لقاءً عاجلاً، ويتحدث عن "حقوق مهضومة" و"حسابات قديمة يجب تسويتها". أدرك المحامي عدنان أن الرياح بدأت تعصف.

عاد يوسف إلى هدى، وقبل أن يغادرها ليذهب إلى العمل، قال: "أعدك بأن أبقيكِ على اطلاع بكل شيء. ولن أخفي عنكِ شيئًا يتعلق بأمنك وأمننا."

ابتسمت له، وهي ترفع يدها وتمسح على لحيته الخفيفة. "أعلم يا حبيبي. أثق بك."

نظر إليها، يجد فيها سكينة روحه، وقوة عزيمته. لكنه في أعماقه، شعر بأن هذه الهدوء لن يدوم طويلاً. وأن ما بدأ كهمسات، قد يتحول إلى عاصفة. وأن شبح الماضي، ما زال يملك الكثير من الأوراق التي لم يكشف عنها بعد.

كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، لكن الظلال في قلبه كانت تتكاثر. لم يكن يدرك أن هذه البداية، كانت مجرد مقدمة لمعركة أكبر، معركة ستختبر قوة حبه لهدى، وقوة إيمانه بالله، وقدرته على استعادة الحق، وتطهير اسم عائلته من كل ما علق بها من شوائب.

ابتسمت هدى له، بينما كان يلملم أوراق عمله. "أتمنى لك يومًا موفقًا، يا زوجي الغالي."

"ولكِ يومًا سعيدًا، يا أغلى ما في حياتي." قال، وعيناه تتشبثان بها.

خرج من المنزل، وشعر ببرد يتسلل إلى جسده، ليس برد الفجر، بل برد الشعور بالخطر القادم. نظر إلى السماء، ودعا الله أن يحفظه ويحفظ هدى، وأن يمنحه القوة لتجاوز ما هو آت. أغلق باب المنزل خلفه، لكن باب الماضي، الذي ظن أنه أغلقه بإحكام، بدأ ينفتح على مصراعيه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%