زوجتي الجميلة الجزء الثالث
ظلال متكاثرة وأصداء مخيفة
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام تتوالى، ويوسف يحاول جاهدًا أن يظهر لـ هدى وجاهته وثباته، رغم القلق المتزايد الذي كان ينخر في داخله. الرسائل الغامضة استمرت، تتخذ طابعًا أكثر إلحاحًا، وتتضمن إشارات صريحة إلى مستندات ووثائق قديمة، تشير إلى توزيع غير عادل للأصول بعد وفاة والده. لم يكن يوسف يعرف من يقف وراء هذه التهديدات، لكنه كان يشك في أشخاص حاول والده أن يقطع علاقاته بهم في سنواته الأخيرة، بسبب ممارساتهم التجارية غير الشريفة.
في أحد الأيام، بينما كان يراجع ملفات الشركة، وصله اتصال هاتفي من المحامي عدنان. "يوسف، هناك أمر عاجل. لقد جاءني شخص يدعي أنه ممثل لمجموعة من الأشخاص الذين لهم حقوق ضائعة في قضية توزيع تركة والدك. يطالبون بتسوية فورية، وإلا سيلجأون للقضاء."
شعر يوسف ببرودة تسري في عروقه. "ماذا يقولون بالتحديد؟ وهل لديهم أي مستندات؟"
"لديهم بعض الأوراق التي تبدو قديمة، وبعض الشهادات التي تدعي أن هناك إخفاء لبعض الأصول، وتوزيع تم بطريقة غير عادلة. يطلبون مبلغًا كبيرًا، يمثل نسبة من تلك الأصول المفترضة."
"هذا هراء! والدي كان رجلًا نزيهًا في تعاملاته الأخيرة. لم يكن هناك شيء مخفي." قال يوسف، وعيناه تضيقان. "هل قابلت هذا الشخص؟"
"نعم، قابلته. يبدو مصممًا، ويتحدث بلهجة توحي بأنه يعرف الكثير. لم أكشف له عن معلومات كثيرة، لكنه أصر على ضرورة التحدث معك شخصيًا."
"حسنًا. أرني أين ومتى يريد اللقاء." قال يوسف، وهو يشعر بأن المعركة بدأت تتجسد. "لكنني لن أسمح لأي شخص بأن يبتزني أو يبتز عائلتي. ولن أدع هدى تشعر بالقلق بسبب هذه التفاصيل القديمة."
اجتمع يوسف بالممثل الغامض في مكان عام، لكنه اختار مقهى هادئًا في حي بعيد عن مقر شركته. كان الرجل يرتدي ملابس أنيقة، لكن عينيه كانتا تحملان بريقًا حذرًا. قدم نفسه باسم "أبو حمزة".
"سيدي، نحن لا نطلب إلا حقنا. حقوق أجدادنا التي ضاعت في غياهب الزمن، وتدخلت فيها أيدٍ أفسدتها." قال أبو حمزة، وهو يتناول كوب قهوته.
"حقوق؟ أي حقوق تتحدث عنها؟ والدي كان رجلًا عادلًا، ولم يظلم أحدًا." رد يوسف بحزم.
"الظلم يا سيدي قد يكون بالسكوت عن الحق، وليس فقط بالمنع. هناك صفقات تمت، وأموال تم تحويلها، تحت ستار القانون، لكنها كانت في حقيقتها سرقة واضحة."
"أرني دليلك. لا أتحدث عن اتهامات مبهمة، بل عن حقائق مثبتة." قال يوسف.
مد أبو حمزة يده إلى حقيبته، وأخرج ملفًا قديمًا. "هذه بعض الوثائق التي تثبت وجود أصول لم يتم إدراجها في قوائم التركة. ومن ضمن هذه الأصول، أسهم في مشاريع كانت مربحة جدًا في وقتها."
فتح يوسف الملف، وبدأ يتصفح الأوراق. كانت هناك مستندات تبدو حقيقية، مكتوبة بخط قديم، وعليها توقيعات غريبة. شعر بأن الأرض تدور به. لم يكن يتوقع أن يكون هناك شيء بهذه التفاصيل.
"هذه مجرد أوراق قديمة. لا تثبت شيئًا." قال، محاولًا استعادة هدوئه.
"بل تثبت الكثير يا سيدي. تثبت أن والدك، رحمه الله، لم يكن كما تظن في كل معاملاته. وأن هناك من تضرر من تلك الصفقات."
"ومن هم هؤلاء المتضررون؟" سأل يوسف.
"نحن. أحفاد أولئك الذين تم خداعهم. ونحن هنا لنستعيد ما لنا. ونحن مستعدون للتعاون، وللتنازل عن بعض المطالبات إذا تم الاتفاق على تسوية عادلة."
"ما هي التسوية العادلة برأيك؟" سأل يوسف.
"مليون دينار. وهي نسبة بسيطة مما تم أخذه. وإلا، سنتوجه إلى المحاكم، وسنكشف عن كل شيء. وسيكون الأمر محرجًا جدًا لك، ولسمعة عائلتك."
شعر يوسف بالغضب يتصاعد في داخله. "أنا لن أدفع لكم شيئًا بناءً على تهديدات. سأتحقق من هذه الوثائق بنفسي، وسأحكم بنفسي. وإذا وجدتم أنكم على حق، سنتحدث. أما إذا اكتشفت أنكم تخدعونني، فلن أرحمكم."
نهض يوسف من مكانه، وترك أبو حمزة جالسًا. كان يعلم أن هذه مجرد البداية. وأن هذه المشكلة قد تتفاقم وتؤثر على حياته مع هدى.
عاد إلى منزله، وقلبه مثقل. وجد هدى في المطبخ، تعد له الشاي. ابتسمت له. "أهلًا بك. يبدو أنك منهك اليوم."
"بعض المشاكل في العمل يا حبيبتي. لكن لا تقلقي." قال، وحاول أن يبتسم.
"أعلم أنك تحاول حمايتي، لكنني جزء من هذه الحياة، وجزء من هذه المشاكل. أخبرني بما يقلقك." قالت، وجلست بجانبه على طاولة المطبخ.
نظر إليها، ورأى فيها الصدق والوفاء. قرر أن يبدأ في إخبارها. "هدى، هناك بعض الأمور القديمة تتعلق بأعمال والدي. أشخاص يطالبون بمبالغ كبيرة، ويدعون أن هناك حقوقًا ضائعة. لقد قدموا لي بعض الوثائق."
"ماذا تقول هذه الوثائق؟" سألت بجدية.
"تقول إن والدي لم يكن عادلًا في بعض صفقاته. وهذا ما يصعب علي تصديقه. لكني أشعر أن هناك شيئًا ما."
"يوسف، لا تدع هذا الأمر يفسد عليك حياتك. أنت رجل شريف، وابنك سيكون شريفًا. والدك رحمة الله عليه، كان يعيش في زمن مختلف، ولم يكن لديه نور الإيمان والإسلام كما لدينا الآن. لكن لا تسمح لهذه الشكوك بأن تهز ثقتك بنفسك."
"أنا واثق من نفسي، لكني أريد الحقيقة. أريد أن أتأكد أن اسم عائلتي لم يتلوث. وأن هدى، التي أحببتها، لا تعيش مع رجل يحمل عارًا."
"أنت لا تحمل عارًا يا يوسف. أنت تحمل مسؤولية. وهذه المسؤولية قد تشمل تنظيف ما تركه الآخرون. وسأكون معك في كل خطوة." قالت، ووضعت يدها على يده.
شعر يوسف بأن دفء يدها يبعث فيه الأمل. لكنه في نفس الوقت، كان يدرك أن هذه القصة لم تنته بعد. وأن هناك المزيد من الحقائق المخفية، والمزيد من الأشباح التي ستظهر من الماضي.
في تلك الليلة، لم يستطع يوسف النوم. كان يفكر في الوثائق، وفي أبو حمزة، وفي هدى. كان يشعر بأن هناك خيطًا رفيعًا يفصله عن عالم مظلم، وعالم آخر مليء بالحب والأمان. وكان عليه أن يختار، وأن يقاوم.
في منزل والدة هدى، كانت السيدة أمينة تراقب هدى وسارة. "أرى في عيني هدى قوة، وفي عيني سارة قلقًا. والأمور لا تسير كما نرجو."
"الأمر معقد يا أمي. يوسف يواجه مشكلة كبيرة، وأخشى أن تؤثر على هدى. سارة تحاول أن تكون قوية، لكنها تشعر بالخوف." قالت سارة.
"الخوف طبيعي. لكن الإيمان أقوى. أتمنى أن يتمكن يوسف من إثبات براءته، وإلا فإن هذه القصة ستكون مؤلمة جدًا."
في ذلك المساء، بينما كانت السماء تزينها نجوم لامعة، كان يوسف يشعر بظلام يتسلل إلى قلبه. لم يكن يعرف ما الذي يخبئه له الغد، لكنه كان يعلم أن كل شيء سيتغير. وأن أبواب الماضي التي بدأت تنفتح، لن يمكن إغلاقها بسهولة.