زوجتي الجميلة الجزء الثالث
اللقاء الأول وهمسات القدر
بقلم مريم الحسن
كانت الشمس قد أخذت في الغروب، ملقية بظلال طويلة على حديقة منزل خاله الأنيق. رائحة الياسمين اختلطت بعطر الورد، فخلقت مزيجاً عطرياً يأسر الأنفاس. جلس فارس في ركن من أركان الحديقة، تحت شجرة زيتون معمرة، يراقب الغروب بأعين تحمل مزيجاً من التأمل والترقب. لم يكن الاعتياد على مثل هذه اللقاءات العائلية، لكنه كان يعلم أن هذا اللقاء له طابع مختلف.
وصل خاله، الأستاذ أحمد، رجل في أواخر الخمسينات، بشعر أبيض يزين صدغيه، وابتسامة دافئة لا تفارقه. اقترب منه وجلس بجانبه، وضع يده على كتفه. "كيف حالك يا بني؟ هل أنت متوتر؟"
"قليلاً يا عمي، ولكن أكثر ترقباً." أجاب فارس بصدق.
"هذا طبيعي. ولكن تذكر، أنت تلتقي بإنسانة، لا بحكم قضائي. تحدث بصدق، واستمع بقلب مفتوح." قال الأستاذ أحمد، وهو يشير إلى الباب الخلفي للمنزل. "لقد وصلوا. هي ووالدتها. هيا بنا."
وقف فارس، عدل من هندام ثوبه، وحاول أن يهدئ من سرعة دقات قلبه. سارا معاً نحو المدخل، حيث كانت تنتظرهما امرأتان. الأولى، والدة الفتاة، سيدة في منتصف العمر، وجهها يحمل آثار الزمن، ولكن عينيها تشعان بوقار وحنان. أما الثانية...
كانت الفتاة تقف خلف والدتها، شبه مختفية، ولكنها كانت كالشمس التي تحاول أن تخترق الغيوم. لم يكن فارس قد رأى مثل هذا الجمال الهادئ من قبل. شعر بأن الهواء قد انسحب من رئتيه للحظة. كانت ترتدي حجاباً بسيطاً بلون ياسميني، يبرز جمال بشرتها السمراء الصافية. عيناها، رغم خجلهما، كانتا تشعان ببريق ذكي، وكأنهما تحملان قصصاً كثيرة. لم يكن جمالها صارخاً، بل كان جمالاً ينم عن أصالة، وروحانية، وعفة.
"مرحباً بكم. تفضلوا." قال الأستاذ أحمد بترحيب، مقدماً فارس. "وهذا ابني، فارس."
قدمت والدة الفتاة ابنتها. "وهذه ابنتي، لينا."
تبادلا التحية بكلمات مقتضبة، ولكن نظراتهما تبادلت أضعاف ما قالته الكلمات. شعر فارس بأن لديهما الكثير ليقولاه، ولكن الخجل كان حاجزاً أولياً.
جلسوا جميعاً في صالة استقبال واسعة، زينت جدرانها بلوحات فنية إسلامية، وعطور البخور تعبق المكان. بدأ الحديث يدور حول الأمور العامة، حول العائلة، حول العمل. حاول فارس أن يبتسم، وأن يتحدث بهدوء، ولكن تركيزه كان منصباً على لينا. كانت تتحدث بصوت ناعم، تحمل فيه رقة، وذكاء. عندما كانت تتحدث، كانت عيناها تتجولان في أرجاء الغرفة، تتجنب النظر المباشر إليه، ولكنها كانت تستمع باهتمام.
"هل تحبين القراءة يا لينا؟" سأل فارس، محاولاً كسر حاجز الصمت.
"نعم، أحبها كثيراً. خاصة كتب التاريخ والأدب." أجابت لينا، وبدت عليها علامات الاهتمام بالسؤال.
"وما هو آخر كتاب قرأتيه؟" سأل فارس، مستمتعاً بحديثها.
"قرأتُ حديثاً رواية عربية قديمة، عن الأندلس. أعجبتني اللغة، والحكاية." قالت، وبدت عيناها تلمعان بذكرى الكتاب.
"الأندلس! بلد الجمال والعلم. كان فيها من الحضارة ما نفتخر به. أتمنى أن تعود تلك الأيام." قال فارس، وهو ينظر إليها، وكأنه يراها في زمن آخر.
"آمين." قالت لينا، بصوت خافت.
تحدث فارس عن شغفه بالهندسة، وعن الأبراج التي صممها، وعن حلمه ببناء مؤسسة خيرية. تحدثت لينا عن عملها التطوعي في مركز لتحفيظ القرآن، وعن حبها للأطفال، ورغبتها في تعليمهم. كانت كلماتهما تتلاقى، كأنهما مساران كانا يهدفان إلى نقطة التقاء واحدة.
"لقد سمعتُ يا فارس، أنك تحب السفر." قالت والدة لينا، وهي تحاول أن تشجع على المزيد من الحديث.
"نعم، أحب اكتشاف ثقافات جديدة، ورؤية عظمة خلق الله. زرتُ بلاداً كثيرة، ولكن يبقى لبلادنا سحر خاص." قال فارس.
"ولماذا لم تسافر إلى ماليزيا؟" سألت لينا فجأة، وبدت عليها جرأة مفاجئة.
تفاجأ فارس بالسؤال، وتذكر فوراً أن خاله قد أخبر والدة لينا عن رغبته في السفر إلى ماليزيا. "ماليزيا؟ إنها في خططي المستقبلية. سمعتُ الكثير عن طبيعتها الخلابة، وعن نموها الاقتصادي."
"فعلاً، إنها بلد جميل. أنا زرتها مع والدي قبل وفاته. الأجواء هناك رائعة، والمساجد جميلة جداً." قالت لينا، وبدا عليها شيء من الحنين.
"والدك؟" سأل فارس، وشعر بأن الموضوع أصبح أكثر عمقاً.
"لقد توفي منذ سنتين. كان رجلاً صالحاً، علمني الكثير." قالت لينا، وبدت على وجهها علامات الحزن، ولكنها استطاعت أن تسيطر على مشاعرها.
"رحمه الله. الله يرحم والدي أيضاً." قال فارس، وشعر بتعاطف عميق تجاهها. "كان والدي هو من زرع فيّ حب هذه القيم، وحب الإسلام."
"والدي كذلك. كان يحثني دائماً على طلب العلم، وعلى الإحسان إلى الناس." قالت لينا، ونظرت إليه مباشرة هذه المرة، وبدت عيناها تحملان شيئاً من الفهم المتبادل.
شعرت لينا بتوتر شديد. لم تكن معتادة على هذا الموقف. كان عليها أن تتحدث، وأن تجيب، وأن تظهر ما في قلبها، ولكن الخجل كان يسد طريقها. كانت ترى في فارس شاباً مهذباً، وخلوقاً، وله بريق في عينيه. سمعت عنه الكثير من خالتها، ولكن رؤيته وجهاً لوجه كانت مختلفة. كان حديثه عن الدين، وعن القيم، وعن أحلامه، كلها أمور جعلتها تشعر بالارتياح.
"أتذكر حين كنا صغاراً، في رحلة مدرسية، زرنا متحفاً كبيراً. كان هناك قاعة خاصة بآثار الحضارة الإسلامية. رأينا فيها قطعاً أثرية رائعة، من العصور الذهبية. شعرتُ حينها بفخر كبير. ولكن، في نفس الوقت، شعرتُ بالحزن لأننا فقدنا الكثير من تاريخنا." قالت لينا، وهي تحاول أن تشارك فارس شيئاً من أفكارها.
"هذا بالضبط ما أشعر به. نحن بحاجة إلى استعادة مجدنا، ليس بالتباهي بما كان، بل بالعمل الجاد، وبناء مستقبل مشرق، مستمد من ديننا وقيمنا." قال فارس، وبدا عليه الحماس.
"أتمنى ذلك. ولكن الطريق طويل، والأمة بحاجة إلى رجال ونساء مخلصين." قالت لينا، ونظرت إلى والدتها.
"بالتأكيد. وهذه هي مسؤوليتنا جميعاً." قالت والدتها.
انتهى اللقاء، وبدا على وجوه الجميع شعور بالرضا، ولكن أيضاً بشيء من التساؤل. ودع فارس لينا ووالدتها، وأوصاهما بالعودة بأمان. عندما غادرت سيارتهم، عاد فارس إلى خاله.
"ما رأيك يا بني؟" سأل الأستاذ أحمد.
"رجل صالح، وقلبها طيب، وعقلها راجح." قال فارس، وهو يفكر في لينا.
"وهي أيضاً. أعجبت بك. رأت فيك ما تبحث عنه." قال الأستاذ أحمد.
"سأتواصل معك يا عمي، لأعرف رأيها النهائي." قال فارس، وبدت عليه علامات التفكير العميق.
عاد فارس إلى منزله، وقلبه ينبض بسرعة. كانت رائحة الياسمين لا تزال عالقة في أنفه. كانت لينا، بجمالها الهادئ، وذكائها، وعفتها، قد تركت أثراً عميقاً في روحه. لم يكن الأمر مجرد إعجاب، بل كان شيئاً أعمق، شيئاً بدأ ينمو في قلبه. هل كانت هذه بداية لشيء جميل؟ هل كانت هذه هي المرأة التي طالما بحث عنها؟ همسات القدر كانت تدور حوله، تحمل معها وعوداً، وتحديات، وآمالاً.