زوجتي الجميلة الجزء الثالث
الشك في قلب الوفاء
بقلم مريم الحسن
مرت الأيام وكأنها لحظاتٌ خاطفة، وكل يومٍ يحمل معه ضغطاً متزايداً. لم أعد أستطيع تجاهل ما بدأتُ أشك فيه. رسالة نور، القلادة بحرف الفاء، صمت العم أحمد المريب، كل هذه الخيوط بدأت تتشابك في ذهني لتنسج صورةً قاتمة.
كنتُ أراقب الشيخ سالم في المسجد، في الديوان، في التجمعات العائلية. أحاول أن أقرأ في عينيه، أن أبحث عن أي علامةٍ تدل على أنه يخفي سراً. لكنه كان كما عهدته دائماً: الوقار، الحكمة، والهدوء. كان يتحدث معي بودٍ، يسأل عن أحوالي، عن أحوال نور. كان كأن لا شيء قد تغير. لكنني كنتُ أرى الأمور بمنظورٍ مختلف الآن. لم يعد مجرد عمي، بل شخصٌ قد يكون له علاقةٌ بأعمق أسرار عائلتي.
شعرتُ بعبءٍ ثقيلٍ على صدري. كلما رأيتُ ضحكة نور، شعرتُ بالذنب. كنتُ أتمنى لو أنني لم أرَ تلك الرسالة، لو أن نور لم تحرقها. الغموض كان أشدّ وطأةً من الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.
في إحدى الأمسيات، بينما كنتُ أحتسي القهوة مع والدي، سألته سؤالاً مباشراً، لكنه كان ملغوماً. "يا أبي، أتذكر فترة شباب والدتي؟ هل كانت لها علاقاتٌ معينةٌ بعيدةٌ عن أسرتنا؟"
نظر إليّ والدي مستغرباً. "علاقاتٌ؟ والدتك كانت فتاةً طيبةً ومنضبطة. بالطبع، كان لها صديقاتٌ، وعلاقاتٌ طبيعيةٌ مع أرحامها. لكن أي علاقاتٍ أخرى؟ لا أتذكر شيئاً من هذا القبيل."
"ولكن هل تعرف أي شيءٍ عن علاقة والدتي بالشيخ سالم في فترة شبابها؟ هل كانا يتحدثان كثيراً؟"
ارتسمت على وجه والدي ابتسامةٌ خفيفة. "الشيخ سالم؟ بالطبع، كان قريباً من والدتك. هو شقيق جدي. لكن علاقتهما كانت علاقة الاحترام المتبادل بين الأقارب. لم يكن هناك شيءٌ يتجاوز ذلك. كانت والدتك تحترمه كثيراً، وكانت تنصحه في بعض الأمور."
"هل تزورها هي في منزلها؟ أو هو يزورها؟"
"كان يزورهم كعائلة. لم يكن هناك شيءٌ خاص. والدتك كانت تعرف بمسؤوليات الشيخ سالم، وبأعماله. لم تكن لتزعجه بذلك."
أجاب والدي بمنتهى الهدوء والطبيعية، كأنه يتحدث عن أمرٍ مسلمٍ به. لكنني لم أستطع أن أطمئن. هل كان يعلم شيئاً ولم يذكر لي؟ هل كان يحمي سمعة العائلة؟
"وهل تتذكر إذا كانت والدتي قد تلقت أي رسائلٍ غريبة في تلك الفترة؟" سألتُ، وأنا أعلم أن السؤال هذا قد يكون جريئاً جداً.
توقف والدي عن تناول قهوته. نظر إليّ بعمقٍ، وكأنه يحاول قراءة ما يدور في ذهني. "رسائلٌ غريبة؟ لا يا بني. لم يتذكر والدي أي شيءٍ كهذا. لماذا تسأل كل هذه الأسئلة عن الماضي؟ هل حدث شيء؟"
"لا يا أبي، فقط فضول. أحاول أن أفهم بعض الأمور التي لم تكن واضحة لي."
"إذا كان هناك شيءٌ يقلقك، فلا تتردد في إخباري."
"أعلم يا أبي. شكراً لك."
خرجتُ من حديثي مع والدي بشعورٍ أشدّ ضيقاً. والدتي لم تكن تخفي شيئاً عن والدي، أو على الأقل، هذا ما قاله. ولكن لو كانت الرسالة صحيحة، فهذا يعني أن شيئاً ما قد حدث خلف ظهر والدي.
في تلك الليلة، لم أستطع النوم. ذهبتُ إلى غرفتي، وفتحتُ جهاز الحاسوب. بدأتُ أبحث عن أي معلوماتٍ تتعلق بالشيخ سالم، عن تاريخ عائلته، عن أي تفاصيل قد تكون ذات صلة.
وجدتُ أن الشيخ سالم كان قد تزوج في سنٍ مبكرة، وأن زوجته توفيت بعد سنواتٍ قليلة، ولم يرزقا بأطفال. هذا التفصيل زاد من وحدته، وجعلني أتساءل، هل كان هذا سبباً ما؟
ثم تذكرتُ القلادة. حرف الفاء. هل يمكن أن يكون لهذه القلادة علاقةٌ ما؟ بحثتُ عن أي صورٍ قديمة لوالدتي، لأقارنها. لم أجد أي شيءٍ مطابق.
ذهبتُ إلى نور، وجدتها جالسةً تقرأ القرآن. "هل يمكن أن تكون هذه القلادة لشخصٍ آخر غير والدتي؟" سألتها.
"بالتأكيد. قد تكون لأي شخصٍ. ربما لأحدٍ من الأقارب البعيدين. أو حتى لشخصٍ لا نعرفه."
"ولكن كيف وصلت إلى صندوق أوراق والدتي؟"
"لا أعرف. ربما أهدتها لها إحدى صديقاتها. ربما وجدتها وأعجبت بها، فأبقتها معها."
"لكن ما يقلقني هو حرف الفاء. هل تعرفين أي شخصٍ قريب من والدتك، يحمل هذا الحرف؟"
تفكير نور بدا عميقاً. "حرف الفاء... هل تقصدين ربما... فاطمة؟ صديقة والدتي التي ذكرتها سابقاً؟"
"نعم، ربما. ولكنها سافرت. ولا أعرف أين هي الآن."
"إذا كانت فاطمة، ربما كانت القلادة لها. ولكن كيف وصلت إلى أوراق والدتك؟"
"هذا هو السؤال الذي يرهقني."
قررتُ أن أتخذ خطوةً أكثر جرأة. قررتُ أن أواجه الشيخ سالم، ولكن ليس مباشرةً. سأحاول استدراجه.
في اليوم التالي، ذهبتُ إلى مكتب الشيخ سالم، بحجةٍ بسيطة. "يا عمي، أريد أن أستشيرك في أمرٍ تجاري."
جلسنا، وتحدثنا في أمورٍ عامة. ثم، وبحذر، بدأتُ أدخل في الموضوع. "يا عمي، هل تتذكر فترة شباب والدتي؟ كانت دائماً تتحدث عن مدى احترامها لك، وتقديرها لنصائحك."
ابتسم الشيخ سالم. "نعم، كانت ابنةً بارةً، وأختٌ كريمة. أحببتها كثيراً. كانت نعم الزوجة لوالدك."
"ولكن هل كانت هناك علاقاتٌ خاصةٌ بينكما؟ بصفتك عمها؟"
"علاقاتٌ خاصة؟ لم يكن هناك ما هو أبعد من الاحترام المتبادل والود العائلي. والدتك كانت امرأةً نقية، ومثلٌ يحتذى به."
"ولكن، هل تتذكر إذا كانت قد مرت بفترةٍ صعبة، أو كانت تخفي شيئاً؟" سألتُ، وأنا أراقبه عن كثب.
تغير وجه الشيخ سالم قليلاً. بدت علامات التفكير واضحة. "فترة صعبة؟ كل إنسانٍ يمر بفتراتٍ صعبة. ولكن هل كانت والدتك تخفي شيئاً؟ لا أتذكر شيئاً من هذا القبيل. كانت دائماً صريحةً معي."
"ولكن، هل تتذكر إذا كانت قد تلقت رسائلٍ غريبة في تلك الفترة؟ أو كان لديها سرٌ ما؟"
صمت الشيخ سالم لبرهة. نظر إلى الأرض، وكأنه يستجمع ذكرياته. ثم قال بصوتٍ هادئ: "عماد، العلاقات بين الناس معقدة. وقد تكون هناك أمورٌ لا يراها إلا من كان خارج هذا النطاق. ولكني أؤكد لك، والدتك كانت امرأةً كريمة، ولم تفعل شيئاً قد يجلب العار لعائلتها."
"ولكن، يا عمي، هل تتذكر إذا كانت قد ذكرت لك عن علاقةٍ ما، أو شخصٍ معين؟"
هذه المرة، هزّ الشيخ سالم رأسه بالنفي. "لا أتذكر شيئاً من هذا القبيل. يبدو أنك تحمل هموماً كبيرة يا بني. إذا كان هناك شيءٌ يقلقك، فتحدث معي بصراحة. قد أكون قادراً على مساعدتك."
خرجتُ من عند الشيخ سالم بنفس الحيرة. هل كان يتجنب الإجابة؟ أم أنه حقاً لم يكن يعرف شيئاً؟
عدتُ إلى المنزل، وقلبي أثقل من ذي قبل. بدا أن كل الأبواب مغلقة.
"لقد سألتُ الشيخ سالم." أخبرتُ نور. "لم أحصل على شيءٍ منه. هو ينفي بشدة وجود أي علاقةٍ خاصة، أو أي سرٍ تخفيه والدتي."
"ربما هو على حق يا عماد. ربما الرسالة كانت مجرد كذبة."
"ولكن القلادة؟ حرف الفاء؟"
"لا نعرف عن من هي."
"ولكن إذا كانت الرسالة من شخصٍ يعرف الحقيقة، وشخصٍ كان قريباً من والدتي، فلماذا لم تذكر اسم هذا الشخص؟ ولماذا ذكرت اسم الشيخ سالم؟"
"ربما أرادت أن تثير الشكوك. ربما أرادت أن تدمر علاقاتٍ معينة."
"ولكن الرسالة ذكرت شيئاً عن علاقةٍ سابقة، وعن طفلٍ آخر. هل يمكن أن تكون هذه القصة حقيقية؟"
"إذا كانت كذلك، فكيف يمكن لوالدتك أن تخفي ذلك؟ وكيف لم يعلم والدك؟"
"هذا ما لا أستطيع فهمه."
في تلك اللحظة، خطرت ببالي فكرة. ماذا لو كان الشخص الذي يملك المفتاح، ليس الشيخ سالم، بل هو الشخص الذي قد تكون هذه القلادة له؟
"ماذا لو ذهبنا إلى منزل والدتي القديم؟" قلتُ فجأة. "ربما هناك أشياءٌ مخفيةٌ لم نعثر عليها."
"ولكن المنزل مغلقٌ منذ زمن." قالت نور.
"لدي مفتاحٌ احتياطي. أحتفظ به من أجل أي طارئ."
في صباح اليوم التالي، توجهنا إلى منزل العائلة القديم. كان البيت خالياً، ساكناً، يحمل عبق الذكريات. بدأنا البحث، غرفاً غرفة، درجاً درجاً.
في غرفة والدتي، فتحتُ خزانة ملابسها القديمة. بحثتُ في جيوب الفساتين، في ثنايا الأوشحة. ثم، في قاع الخزانة، وجدتُ صندوقاً خشبياً صغيراً، يبدو قديماً جداً.
فتحتُه، فوجدتُ بداخله مجموعةً من الرسائل. لم تكن مطبوعة، بل مكتوبة بخط يدٍ أنثوي أنيق. كانت الرسائل مؤرخةً قبل زواج والدتي بسنوات.
بدأتُ أقرأ، وقلبي يتسارع. كانت الرسائل بين والدتي وصديقتها فاطمة. كانت فاطمة تشارك والدتي أسرارها، أحلامها، مخاوفها.
ثم، بين الرسائل، وجدتُ رسالةً واحدةً مختلفة. كانت مكتوبةً بخط يدٍ مختلف، خطٌ خشنٌ بعض الشيء. كانت الرسالة موجهةً إلى والدتي.
"عزيزتي... (اسم والدتي)، أرجو أن تكوني بخير. أكتب إليكِ بقلبٍ يعتصره الألم. لقد علمتُ بالأمر. إنه أمرٌ خطير. لا أعرف كيف أقول لكِ هذا، لكن... (اسم شخصٍ لا أعرفه)... ليس من عائلتنا. إنه ابنٌ لنا. ويجب أن نحافظ على سرنا. لا تخبري أحداً. حافظي على سلامتك. صديقتكِ، (اسمٌ غير واضح)..."
انهارت عليّ الأرض. طفلٌ آخر؟ شخصٌ ليس من العائلة؟ من هذا الشخص؟ ومن هي هذه المرسلة؟
نظرتُ إلى نور، فوجدتها تنظر إليّ بذعر. "ماذا وجدت يا عماد؟"
"هذه الرسالة... هذه الرسالة... تتحدث عن... طفلٍ آخر. طفلٌ لوالدتي. وهذا الطفل... ليس من عائلتنا."
انتهى بنا الأمر إلى نقطةٍ لم نتوقعها أبداً. لم يعد الأمر مجرد شكوكٍ حول علاقةٍ سابقة، بل عن وجود طفلٍ آخر. سرٌ أقدم، وأكثر تعقيداً.