زوجتي الجميلة الجزء الثالث
ظلال الشك ورياح الاختبار
بقلم مريم الحسن
بدأت التحضيرات للزواج، وكانت الأجواء مليئة بالفرح والسعادة. قام فارس بتحديد موعد عقد القران، وأخبر والدته، التي لم تستطع إخفاء فرحتها. كانت لينا أيضاً تشارك فرحتها مع والدتها، وبدأت في تجهيز شقتها الجديدة، التي اختارها فارس بعناية لتكون قريبة من منزل عائلته. كانت الأيام تمر كلمح البصر، كل يوم يحمل معه مشاعر جديدة، وأحلاماً متجددة.
ولكن، في خضم هذه السعادة، بدأت تلوح في الأفق بعض الظلال الخفيفة، كغيوم عابرة في سماء صافية. كان ذلك نتيجة لتدخلات لم يكن فارس يتوقعها. فبعد أن تأكد الجميع من موافقة لينا، ومن صدق مشاعر فارس، بدأت بعض الأقارب، ممن لديهم ميول إلى التدخل فيما لا يعنيهم، في بث بعض الشكوك.
كانت أبرز هذه الأصوات هي صوت ابنة عم فارس، وفاء. كانت وفاء، منذ فترة طويلة، تحاول لفت انتباه فارس، وكانت ترى في زواجه من لينا ضربة قوية لطموحاتها. ورغم أن علاقتها بفارس كانت محدودة، إلا أنها كانت تمتلك جرأة غير محدودة في محاولة التدخل في حياته.
بدأت وفاء تتحدث مع والدة فارس، بلغة تحمل الكثير من التلميحات. "يا خالتي، أنا سعيدة لفارس، ولكن هل أنتِ متأكدة من هذه الفتاة؟ لم نعرفها من قبل. هل عرفتِ عائلتها جيداً؟ هل لها ماضٍ؟"
كانت والدة فارس، رغم حبها لابنها، امرأة حساسة، وتأثرت بكلام وفاء. لم تكن تعرف لينا شخصياً، ولكنها كانت تثق في اختيار ابنها، وتثق في حكم خاله. ولكن، أحياناً، كثرة الشكوك، حتى لو كانت بلا أساس، يمكن أن تزرع بذرة قلق في النفس.
"يا وفاء، فارس يعرف ما يفعل. وقد سألتُ خاله، وهو واثق من عائلتها. ولدينا قناعة بأنها فتاة صالحة." قالت والدة فارس، محاولة تهدئة وفاء.
لكن وفاء لم تيأس. بدأت تتحدث مع أخواتها، وبنات خالاتها، وتنشر القصة بلغة تحمل الكثير من الغموض، وتثير الفضول. "هل سمعتم عن لينا، الفتاة التي سيتزوجها فارس؟ سمعتُ أنها يتيمة الأب. وهذا ليس عيباً، ولكن هل يدل ذلك على ضعف في التربية؟ وهل سمعتم عن حادثة قديمة تتعلق بعائلتها؟"
كانت هذه الأحاديث، رغم أنها كانت مجرد تلميحات، كافية لتبدأ في التأثير على فارس. لم يكن رجلاً يثق بالثرثرة، ولكنه بدأ يشعر ببعض الضغط. لماذا كل هذه الأسئلة؟ لماذا كل هذا الاهتمام بحياة خاصة؟
في إحدى الأمسيات، وبينما كان فارس يتحدث مع لينا، سألها بشكل مباشر، محاولاً أن يستشف الأمر. "لينا، هل أنتِ متأكدة من أن عائلتكِ لا تحمل أي أسرار؟ هل هناك أي شيء قد يؤثر على مستقبلنا؟"
شعرت لينا ببرودة مفاجئة في صوته. "أسرار؟ ما هي الأسرار التي تتحدث عنها يا فارس؟ هل سمعت شيئاً؟"
تردد فارس قليلاً. لم يكن يريد أن يزعجها، ولكنه شعر بضرورة أن يكون صريحاً. "لا شيء محدد، ولكن بعض الأقارب بدأوا يتساءلون عن عائلتكِ. هل لديكِ أي أخوة، أي أقارب؟"
تنبهت لينا إلى طبيعة السؤال. لقد فهمت. كانت تتوقع هذا. كانت تعلم أن ماضي والدها، وظروف عائلتها، قد تكون سبباً للقلق لدى البعض.
"يا فارس، والدتي أرملة، وتعاني كثيراً. لقد توفي والدي قبل عامين، وكان مديوناً. حاولنا أنا ووالدتي أن نسدد ديونه، ولكنه مبلغ كبير. لدينا بعض الأقارب، ولكنهم لا يقدمون لنا المساعدة الكافية. نحن نعتمد على أنفسنا، وعلى الله." قالت لينا بصوت هادئ، ولكن فيه قوة.
"هل ديون والدك كبيرة؟" سأل فارس، وقلبه يخفق.
"نعم، كبيرة. ولكننا نعمل جاهدتين، وأنا أعمل وأدخر لأجل سدادها. لا أريد أن أترك هذا العبء على والدتي." قالت لينا.
"ولماذا لم تخبريني بذلك من قبل؟" سأل فارس، وبدا عليه الامتعاض.
"لم أرد أن أثقل عليك. كنتُ أعلم أننا سنبدأ حياتنا معاً، وأردتُ أن أكون قد حللتُ هذه المشكلة بنفسي. ولكن، يبدو أن الأمر قد انكشف." قالت لينا، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها.
"لينا، أنا لستُ غاضباً منكِ. أنا فقط... أريد أن أعرف كل شيء. أنتِ شريكة حياتي، ولا ينبغي أن يكون هناك أي شيء نخفيه عن بعضنا البعض." قال فارس، وبدأ صوته يلين. "ثم، إن ديون والدكِ، أليست ديناً يمكن أن يساعد فيه الزوج؟"
"لا أدري يا فارس. إنها أمور معقدة. ولكنني سأحدثكِ عن كل شيء بالتفصيل." قالت لينا، وشعرت بالراحة لأن فارس لم يكن غاضباً.
بعد هذه المحادثة، بدأت الأجواء بين فارس ولينا تتغير قليلاً. لم يعد كل شيء وردياً كما كان. كانت هناك مشاعر قلق، وشعور بأن الأمر أكبر مما تخيل. كانت لينا تشعر بالضغط، وبالخجل من ماضي عائلتها. وكانت وفاء، ومن يشبهها، يشعرون بأنهم قد وجدوا ما كانوا يبحثون عنه.
في أحد الأيام، تلقت والدة لينا رسالة غامضة، لا تحمل اسماً. الرسالة كانت تحذرها من زواج ابنتها من فارس. "لا تزوجي ابنتكِ من هذا الرجل. إن له ماضياً أيضاً. لقد سمعنا عنه. كان لديه علاقات مع فتيات قبل خطوبته. وهو ليس صالحاً كما تظنون."
كانت هذه الرسالة كالصاعقة على والدة لينا. لم تكن تعرف ماذا تفعل. هل تصدق؟ هل تكذب؟ ولكن الرسالة كانت تحمل تفاصيل دقيقة عن أمور كانت بعيدة كل البعد عن الحقيقة. فارس كان يسعى إلى زواج حلال، ولم يكن لديه أي علاقات سابقة.
أخبرت لينا فارس بما حدث. شعر فارس بالغضب. "من يجرؤ على فعل ذلك؟ من يحاول أن يدمر سعادتنا؟"
"لا أدري يا فارس. ولكن قلبي مرتاب. هل سمعت شيئاً عنا؟" سألت لينا، وبدت عليها علامات الخوف.
"لا شيء سوى ما سمعته عن ديون أبيكِ. ولكن هذه الأمور لا تستحق أن تؤثر على علاقتنا. ما يهم هو ما في قلوبنا، وما بيننا. سنواجه هذا الأمر معاً." قال فارس، محاولاً أن يطمئنها.
ولكن، كان هناك شيء آخر. كان هناك قلق متزايد لدى والدة فارس. كانت تتلقى مكالمات هاتفية من أقارب، يطلبون منها التأكد من نسب لينا، ومن عائلتها، ومن ماضيها. كانت هذه الشائعات، رغم ضعفها، تبدأ في التأثير عليها.
"يا فارس، ابني. أنت تعرف مدى حبي لك. وأنا أريد لك السعادة. ولكن... هذه الأمور... هل أنت متأكد؟" قالت والدة فارس، بكلمات تحمل الكثير من التردد.
شعر فارس بالإحباط. لقد حاول أن يشرح لوالدته، ولأي شخص يسأله، أن ما يربطه بلينا هو حب نقي، مبني على الاحترام والتقوى. ولكنه بدأ يشعر بأن هناك قوة تحاول أن تفصل بينهما.
"أمي، أنا أحب لينا. وهي تحبني. وهي فتاة صالحة، وتقية. أرجو