زوجتي الجميلة الجزء الثالث
قيودٌ وهميةٌ وأغلالٌ صامتة
بقلم مريم الحسن
كانت ليلةً أخرى تمرُّ دون أن ينعم فيها كريمٌ براحةٍ حقيقية. في غرفته، التي بدت له الآن أشبه بسجنٍ فاخر، كان عقلهُ يتصارعُ مع نفسه. لم يكن الأمرُ مجردَ سهرٍ، بل كان غوصًا في بحرٍ من الأفكارِ التي لا قرارَ لها. كان يقلِّبُ هاتفهَ بين يديه، وكأنَّ فيهِ مفتاحَ خلاصٍ أو غرقٍ لا رجعةَ فيه. لم يكنْ يتصلُ بأحدٍ، ولا يرسلُ رسائلَ، بل كانَ يتفحصُ الصورَ والذكرياتِ المسجلةَ، يراجعُ ماضياً لم يعدْ لهُ وجودٌ إلا في شاشةِ جواله. كلُّ صورةٍ كانتْ وخزةً، وكلُّ مقطعٍ كانَ صدىً لضحكاتٍ باهتةٍ وصيحاتٍ خافتة.
في ذلكَ الوقت، كانتْ نورٌ في غرفتها، تتأملُ نورَ القمرِ الذي تسللَ من نافذتها. كانتْ تشعرُ بثقلٍ غريبٍ في صدرها. لم تكنْ تعلمُ ماهيةَ هذا الثقل، هل هوَ قلقٌ على زوجها، أمْ شيءٌ أعمقُ من ذلك؟ كانَ حديثُها معَ أمها قبلَ يومينِ يترددُ في أذنيها: "حياتُكِ يا ابنتي ليستْ سُكَّرًا وعسلًا فقط، بل فيها تحدياتٌ وامتحاناتٌ، وعلى العاقلِ أنْ يكونَ على بصيرةٍ من أمرهِ". كانتْ تفكرُ في كريم، في ابتعادهِ التدريجي، في نظراتهِ الشاردةِ حينَ يكونُ قريبًا. هلْ كانَ ذلكَ سببهُ العملُ؟ أمْ أنَّ هناكَ ما هوَ أشدُّ وطأةً؟
في صباحِ اليومِ التالي، حاولَ كريمُ أنْ يبدوَ طبيعيًا. استيقظَ مبكرًا، وأدَّى صلاتَهُ، ثمَّ استحمَّ وتناولَ فطورًا خفيفًا. كانَ يبدوَ في عينِ نورَ متعبًا، لكنهَ ابتسمَ لها ابتسامةً زائفة. "صباحُ الخير يا حبيبتي، كيفَ حالُكِ؟" قالَ بصوتٍ بدا لهُ أجوفًا. ردتْ نورُ بلطف: "صباحُ النور يا كريم. أنا بخير، ما الذي أزعجكَ في الليل؟ أراكَ شاردًا."
ارتعشَ وجهُ كريمَ قليلاً، وحاولَ إخفاءَ انزعاجه. "لا شيءَ يا نور، مجردُ أفكارٍ تتعلقُ بالعمل. تعرفينَ ضغوطاتِ الشركةِ هذهِ الأيام." لم تكنْ نورُ مقتنعة. كانتْ تعرفُ أنَّ هذهِ ليستْ مجردَ ضغوطِ عمل. كانَ هناكَ شيءٌ ينهشُ روحَ كريم، شيءٌ يجعلهُ يفقدُ شغفَهُ بالحياةِ، وحبهُ لها.
في ذلكَ اليوم، وبينما كانتْ نورُ تتجهزُ للخروجِ إلى عملها، هاتفتها صديقتها المقربةُ سارة. "هلْ تسمعينَ يا نور؟ سمعتُ بعضَ الكلامِ في السوقِ عنْ كريم." قالتْ سارةُ بصوتٍ مرتجف. "ماذا سمعتِ؟" سألتْ نورُ بقلقٍ متزايد. "يقولونَ أنَّه... أنَّه يقضي وقتًا طويلاً في أماكنَ مشبوهة. معَ بعضِ الأشخاصِ الذينَ لا يُعرفونَ. وسمعتُ أنَّه... يدخلُ في رهاناتٍ."
شعرتْ نورُ بأنَّ الأرضَ تدورُ بها. رهانات؟ أماكن مشبوهة؟ لم يكنْ هذا كريمٌ الذي تعرفهُ. كريمٌ الذي كانَ يخشى اللهَ، والذي كانَ حريصًا على سمعتهِ وسمعةِ عائلته. "هلْ أنتِ متأكدةٌ يا سارة؟" سألتْ بنبرةٍ لا تصدق. "هذا ما سمعتُه، ولا أدري ما مدى صحته، لكنْ الاسمُ الذي ذُكرَ هوَ كريم، زوجُكِ."
انتهتْ المكالمةُ، وتركتْ نورَ في حالةٍ منَ الذهولِ والرعب. جلستْ على أقربِ كرسي، وشعرتْ بأنَّ قلبها يضربُ بقوةٍ في صدرها. هلْ يمكنُ أنْ يكونَ الأمرُ بهذهِ السوء؟ هلْ كانَ هذا هوَ السرُّ الذي يخفيهِ كريم؟ كيفَ لها أنْ تواجهه؟ كيفَ لها أنْ تفهمَ هذا التحولَ المفاجئ؟
في تلكَ الليلة، عادَ كريمُ إلى المنزلِ متأخرًا. كانَ وجههُ شاحبًا، وعيناهُ محمرتين. لم يجدْ نورَ في استقبالهِ كعادتها. وجدها تجلسُ في غرفةِ المعيشة، وكأنها تنتظره. نظرتْ إليهِ بنظرةٍ ثاقبة، نظرةٌ لم يرَ فيها كريمُ سوى اللومِ والعتاب.
"أينَ كنتَ يا كريم؟" سألتْ بنبرةٍ هادئةٍ لكنها تحملُ قوةً مخيفة. لم يستطعْ كريمُ أنْ يكذبَ. شعرَ بأنَّ كلَّ أساليبِ المراوغةِ قدْ تلاشتْ. "كنتُ... كنتُ معَ بعضِ الأصدقاء." "أصدقاء؟" ارتفعَ صوتُ نورَ قليلاً. "ومنْ هم هؤلاءِ الأصدقاءُ الذينَ يجعلوك تعودُ في هذهِ الساعةِ المتأخرةِ، وأنتَ تبدوَ كأنكَ رأيتَ شبحًا؟"
صمتَ كريم. لم يجدْ كلماتٍ تبررُ لهُ ما فعل. كانَ يعرفُ أنَّ نورَ ذكيةٌ، وأنها لنْ تقبلَ بأعذارٍ واهية. بدأَ يشعرُ بالذنبِ يتغلغلُ في روحه. هلْ فعلاً كانَ ما يفعلهُ بهذهِ الدرجةِ منَ السوء؟ هلْ كانَ يبيعُ سعادتهُ وسعادةَ منْ يحبُ من أجلِ وهمٍ وسراب؟
"أنا..." بدأَ كريمُ مترددًا، "أنا... وقعتُ في بعضِ المشاكلِ يا نور." "مشاكل؟" كررتْ نورُ الكلمةَ، وبدأتْ الدموعُ تتجمعُ في عينيها. "ما نوعُ هذهِ المشاكل؟ هلْ هيَ تلكَ التي سمعتُ عنها؟ عنِ الرهاناتِ؟"
تجمدَ كريمُ في مكانه. كانَ كمنْ أُلقيَ عليهِ ماءٌ بارد. لم يكنْ يتوقعُ أنْ تعرفَ نورُ بهذا السرِ وبهذهِ السرعة. "منْ أخبركِ؟" سألَ بصوتٍ ضعيف. "هذا ليسَ مهمًا الآن يا كريم. المهمُّ هوَ ما يحدثُ لك. أنا زوجتُك، وأنا أحبك، ومن حقّي أنْ أعرفَ ما الذي يجرى."
نهضتْ نورُ منْ مقعدها، وقررتْ أنْ تواجهه. "أخبرني، ما الذي دفعكَ إلى هذا؟ ما الذي جعلكَ تبتعدُ عني، وعنْ حياتنا، وعنْ دينك؟" نظرَ كريمُ إليها، ورأى في عينيها الحزنَ، والأسى، والأملَ الضئيل. شعرَ بأنَّه قدْ أضاعَ كلَّ شيء. "كنتُ أشعرُ بالمللِ يا نور. بالمللِ منْ روتينِ الحياة. و... واجهتُ بعضَ الصعوباتِ المادية، وأردتُ أنْ أجدَ حلولاً سريعة."
"حلولٌ سريعة؟" تساءلتْ نورُ بمرارة. "وهلْ وجدتَ الحلولَ؟ أمْ أنكَ وجدتَ طريقًا إلى الهلاك؟" احتضنتْ نورُ وجهها بيديها، وبدأتْ بالبكاء. بكاءٌ لم يكنْ مجردَ حزن، بل كانَ انفجارًا لكلِّ ما كتمتهُ في صدرها. بكاءٌ على ماضٍ جميلٍ ضائع، وعلى حاضرٍ مظلم، وعلى مستقبلٍ مجهول.
نظرَ كريمُ إلى زوجتهِ، ورأى فيها صورةَ الخسارةِ الكبرى. رأى كيفَ أنَّ خطيئةً واحدةً، أو سلسلةَ خطايا، يمكنُ أنْ تدمرَ حياةَ إنسانٍ بأكملها. لقدْ أصبحَ أسيرَ عاداتٍ سيئة، وأغلالٍ صامتةٍ قيدتهُ وجعلتهُ يتخلى عنْ سعادتهِ الحقيقية. لقدْ كانَ يشعرُ بالذنب، وبالخجل، وبالندم. لكنَّ طريقَ العودةِ بدا لهُ الآنَ صعبًا، شاقًا، مليئًا بالعقبات. لكنَّ دموعَ نور، وحزنها، كانا أكبرَ دافعٍ لهُ لأنْ يحاولَ.