زوجتي الجميلة الجزء الثالث
ظلال الماضي ونداء الحاضر
بقلم مريم الحسن
جلسَ كريمُ في مواجهةِ نور، وقدْ ارتسمَ على وجههِ مزيجٌ منَ الحزنِ والندم. كانتْ دموعُ زوجتهِ كالسياطِ التي تلهبُ روحه. لقدْ أدركَ في تلكَ اللحظةِ مدى الألمِ الذي سببهُ لها. "يا نور، أنا آسف. آسفٌ جدًا." قالَ بصوتٍ مختنق. "لم أقصدْ أبدًا أنْ أؤذيكِ، أوْ أنْ أخيبَ ظنكِ."
نظرتْ إليهِ نورُ بعينينِ حمراوين، وقالتْ بصوتٍ متقطع: "لكنكَ فعلتَ يا كريم. لقدْ أذيتني، بلْ أذيتَ نفسك، وأذيتَ علاقتنا. ما الذي حصل؟ أينَ كريمٌ الذي عرفتُه؟ أينَ الرجلُ الذي وعدني بالوفاءِ والصدق؟"
تنهدَ كريمُ بعمق. شعرَ بأنَّه يقفُ على حافةِ الهاوية. "كانَ الأمرُ بدأَ بسيطًا يا نور. مجردُ جلوسٍ معَ بعضِ الزملاءِ الذينَ أردتُ أنْ أتقربَ منهم. ثمَّ بدأنا نتحدثُ عنِ المالِ، وعنْ سبلِ الثراءِ السريع. وبدأَ البعضُ يتحدثُ عنِ الرهاناتِ، وعنِ المكاسبِ الكبيرة. في البدايةِ رفضتُ، لكنَّ فضولي، ورغبتي في إثباتِ نفسي، وفي تحقيقِ ما عجزتُ عنهُ بطرقٍ مشروعة، دفعتني إلى التجربة."
"التجربة؟" هزتْ نورُ رأسها. "هلْ تعتقدُ أنَّ هذهِ تجربةٌ؟ أمْ أنها بدايةُ انزلاقٍ لا عودةَ فيه؟" "كنتُ أظنُ أنني أستطيعُ السيطرةَ على الأمور، يا نور. كنتُ أظنُ أنني أستطيعُ أنْ أربحَ المالَ بسرعةٍ، وأُخرجَ نفسي منْ ضائقتي، ثمَّ أتوقفَ. لكنَّ الأمرَ كانَ أصعبَ مما ظننت. كلُّ خسارةٍ كانتْ تدفعني إلى محاولةٍ أخرى، وكلُّ مكسبٍ كانَ يزيدُ منْ طمعي، ومنْ رغبتي في المزيد. لقدْ أصبحتُ مدمنًا يا نور. مدمنًا على وهمِ المكسبِ السهل."
كانَ اعترافُ كريمَ صادمًا لنور. لم تكنْ تعلمُ أنَّ الأمرَ وصلَ إلى هذهِ الدرجة. "مدمنًا؟" كررتْ الكلمةَ، وشعرتْ بأنَّ قلبها يتجمدُ منَ البرد. "وهلْ فكرتَ في عواقبِ هذا الإدمان؟ هلْ فكرتَ في سمعتنا؟ في عائلتِنا؟ في مستقبلكَ؟"
"كلُّ شيءٍ كانَ يمرُّ أمامَ عيني كالدخانِ يا نور." قالَ كريمُ بأسف. "كنتُ غارقًا في عالمي الخاص، عالمٍ مليءٍ بالتشويقِ والخطرِ والوعدِ بالثراء. لم أكنْ أرى سوى ذلك. كنتُ أتجاهلُ الجميع، وأختلقُ الأعذارَ لغيابي. كنتُ أخشى أنْ تعرفي، وكنتُ أخشى أنْ أخسركِ."
"لكنكَ الآنَ خسرتَ الكثيرَ بالفعلِ يا كريم." قالتْ نورُ بصوتٍ يرتعش. "لقدْ خسرتَ ثقتي، وخسرتَ جزءًا كبيرًا منْ احترامك لذاتك. بلْ إنكَ بدأتَ تخسرُ دينك. هلْ نسيتَ أنَّ هذا حرامٌ؟ هلْ نسيتَ أنَّ اللهَ يراكَ؟"
هذهِ الكلمةُ الأخيرةُ ضربتْ كريمَ في صميمِ قلبه. لقدْ كانَ هذا هوَ الجانبُ الذي حاولَ تجاهلهُ لأطولِ فترةٍ ممكنة. "لا، لم أنسَ يا نور. لكنَّ الشيطانَ كانَ يوسوسُ لي، ويقنعني بأنَّني سأستطيعُ أنْ أتوبَ وأرجعَ إلى الطريقِ الصحيحِ بعدَ أنْ أحققَ ما أريد. كنتُ أغشُّ نفسي، وأغشُّ الله."
"ولكنَّ اللهَ رحيمٌ يا كريم." قالتْ نورُ، وبدأتْ ترتسمُ في عينيها بصيصُ أمل. "ولكنَّ بابَ التوبةِ مفتوحٌ دائمًا. لكنَّ الأمرَ يتطلبُ صدقًا، وإرادةً قويةً، وعملًا جادًا." "وهلْ أستطيعُ ذلكَ يا نور؟ هلْ ستسامحينني؟ هلْ ستساعدينني؟" سألَ كريمُ بترددٍ، وعيناهُ تلتمسانِ العفوَ في عيني زوجته.
نظرتْ نورُ إلى زوجها. رأتْ فيهِ الرجلَ الذي أحبتهُ، الرجلَ الذي تزوجتهُ، الرجلَ الذي تريدُ أنْ يبقى معها. لكنها رأتْ أيضًا الرجلَ الذي أضاعَ طريقه. "سأساعدكَ يا كريم، لأنني أحبك. وسأسامحك، لأنني أعرفُ أنَّك لستَ بهذا السوءِ الذي بدا عليهِ الأمر. لكنَّ الطريقَ لنْ يكونَ سهلاً. ستحتاجُ إلى جهدٍ كبيرٍ منك. ستحتاجُ إلى التخلي عنْ كلِّ ما يربطكَ بهذا العالمِ السام. وستحتاجُ إلى أنْ تبني الثقةَ بيننا منْ جديد."
"سأفعلُ كلَّ ما يتطلبهُ الأمر، يا نور. أقسمُ لكِ." قالَ كريمُ بحرارة، ومدَّ يدهُ إليها. ترددتْ نورُ للحظة، ثمَّ مدتْ يدها وأمسكتْ بيدِ زوجها. شعرَ كريمُ بدفءِ يدها، وكأنها تمنحهُ قوةً جديدة. "إذًا، ما هيَ الخطوةُ الأولى؟" سألتْ نورُ.
"يجبُ أنْ أتوقفَ فورًا عنْ كلِّ ما أقومُ به." قالَ كريمُ بحزم. "يجبُ أنْ أتخلصَ منْ كلِّ أرقامِ الرهاناتِ، ومنْ كلِّ الأشخاصِ الذينَ عرفتهم في هذا الطريق. ويجبُ أنْ أعودَ إلى صلاتي، وأنْ أطلبَ العفوَ منَ الله." "وهلْ تحتاجُ إلى مساعدةٍ في ذلك؟" سألتْ نورُ. "هلْ تعرفُ أينَ تبدأ؟"
"لا أعرفُ تمامًا." اعترفَ كريمُ. "لقدْ غرقتُ كثيرًا. لكنني أعرفُ أنني لا أريدُ أنْ أكونَ هكذا. أريدُ أنْ أكونَ الرجلَ الذي تستحقينَ، والرجلَ الذي يتذكرهُ اللهُ بالخير."
في تلكَ الليلة، نامَ كريمٌ لأولِ مرةٍ منذُ فترةٍ طويلةٍ بشعورٍ بالراحةِ نسبيًا. لم تكنْ راحتهُ كاملة، فالذنوبُ تتطلبُ جهدًا للتكفيرِ عنها، والعودةُ إلى الطريقِ الصحيحِ تحتاجُ إلى إرادةٍ قوية. لكنَّ شعورَ الأملِ، وشعورَ زوجتهِ بجانبه، منحاهُ القوةَ التي كانَ يحتاجها. كانتْ ظلالُ الماضي لا تزالُ تلقي بظلالها، لكنَّ نداءَ الحاضرِ، ورغبتَهمَا المشتركةَ في مستقبلٍ أفضل، بدأتْ تتغلبُ عليها.