زوجتي الجميلة الجزء الثالث
أسرارٌ دفينةٌ وخطواتٌ جديدة
بقلم مريم الحسن
مرتْ الأسابيعُ على كريمَ ونورٍ وهما يبنيانِ جسورَ الثقةِ منْ جديد. كانَ كريمُ يلتزمُ بكلِّ وعوده، ويعملُ بجدٍ في وظيفتهِ، ويقضي وقتًا أطولَ معَ أسرته. كانَ يشعرُ بأنَّ حياتهُ بدأتْ تستعيدُ لونها وطعمها. نورُ بدورها، كانتْ تجاهدُ لتتجاوزَ آثارَ خيبةِ الأملِ التي شعرتْ بها، وتُعطي زوجها الفرصةَ الكاملةَ لإثباتِ نفسه.
في أحدِ الأيام، تلقتْ نورُ مكالمةً هاتفيةً منْ طبيبةِ العائلة. "يا آنسة نور، أتمنى أنْ تكوني بخير." قالتْ الطبيبةُ بنبرةٍ لطيفة. "لدينا بعضُ الأخبارِ التي أردتُ أنْ أبلغكِ بها شخصيًا." شعرتْ نورُ ببعضِ القلق. "خيرٌ إنْ شاءَ الله، تفضلي." "لقدْ أظهرتْ بعضُ الفحوصاتِ التي أجريناها مؤخرًا أنَّ والدتكِ... تعاني منْ حالةٍ صحيةٍ تتطلبُ بعضَ المتابعةِ الدقيقة. لا تقلقي، فالأمرُ ليسَ خطيرًا جدًا في هذهِ المرحلة، ولكنْ منْ الأفضلِ أنْ نبدأَ العلاجَ في أقربِ وقت."
كانَ الخبرُ صادمًا لنور. والدتها، التي كانتْ دائمًا رمزًا للقوةِ والصحة، تعاني منْ مرض؟ شعرتْ بأنَّ الأرضَ تميدُ بها. "أيُّ حالةٍ يا دكتورة؟ وما هيَ طبيعةُ العلاج؟" شرحتْ الطبيبةُ بصبرٍ بعضَ التفاصيل، وطمأنتْ نورَ بأنَّها ستحصلُ على أفضلِ رعاية. "الأهمُّ الآنَ هوَ الدعمُ النفسي، والرعايةُ المستمرة. هلْ يمكنُكِ الحضورُ غدًا لنتحدثَ أكثر؟"
أنهتْ نورُ المكالمةَ وقلبها يخفقُ بقلق. كانتْ هذهِ مشكلةٌ جديدةٌ تضافُ إلى مشاكلِ الحياةِ المتلاحقة. كيفَ ستقولُ لكريمَ؟ كيفَ ستقاسمُهُ هذا الهمَّ، بعدَ أنْ بدأَ بالكادِ يتعافى منْ أعبائهِ الخاصة؟
في المساءِ، عندما عادَ كريمُ إلى المنزل، وجدَ نورَ جالسةً معَ والدتها. بدتْ والدةُ نورَ شاحبةً، لكنها حاولتْ أنْ تبتسمَ. "كيفَ حالُكِ يا أمي؟" سألَ كريمُ بنبرةٍ تحملُ الحنان. "بخيرٍ يا بني، لا تقلق." قالتْ الوالدة.
بعدَ أنْ تناولوا العشاء، أخذَ كريمُ نورَ جانبًا. "ما الأمرُ يا حبيبتي؟ أرى القلقَ على وجهكِ." تنهدتْ نورُ بعمق. "والدتي... ليستْ على ما يرام." ثمَّ روتْ لهُ ما سمعتهُ منْ الطبيبة. كانَ وجهُ كريمَ مليئًا بالأسى. "لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله. يجبُ أنْ نكونَ بجانبها. هلْ هناكَ ما يمكنُ أنْ نفعلهُ؟"
"الطبيبةُ تقولُ إنَّ الأمرَ يتطلبُ رعايةً مستمرة، ودعمًا نفسيًا." قالتْ نورُ. "وأنَّها بحاجةٍ إلى الابتعادِ عنْ أيِّ ضغوطات. أتمنى لوْ نستطيعُ أنْ نأخذها معنا في رحلةٍ، لتغييرِ الجو."
نظرَ كريمُ إلى نور. كانتْ فكرةٌ جميلة، لكنها صعبةٌ التنفيذِ في ظلِّ وضعهِ المالي. لكنهُ شعرَ برغبةٍ قويةٍ في إسعادِ زوجتهِ، وفي تخفيفِ أعبائها. "ربما يمكننا التخطيطَ لشيءٍ ما." قالَ بحذر. "سأرى ما إذا كانَ بإمكاني الحصولُ على إجازةٍ منَ العمل، وسنبحثُ عنْ مكانٍ هادئٍ ومريحٍ لها."
في هذهِ الأثناء، كانَ هناكَ تطورٌ آخرُ في حياةِ كريم. فقدْ تلقى عرضًا لترقيةٍ في عملهِ، ولكنَّه يتطلبُ منهُ السفرَ إلى بلدٍ آخرَ لمدةِ شهرٍ تقريبًا. كانَ العرضُ مغريًا ماديًا، ولكنهُ يعني الابتعادَ عنْ نور، وعنْ والدتها، في وقتٍ تحتاجانِ فيهِ إلى دعمه.
"ما رأيكِ يا نور؟" سألَ كريمُ بعدَ أنْ عرضَ عليها الأمر. "إنهُ فرصةٌ كبيرة، ولكنني لستُ متأكدًا إذا كانَ الوقتُ مناسبًا." فكرتْ نورُ للحظة. كانتْ تعرفُ أنَّ هذهِ الترقيةَ ستكونُ مفيدةً جدًا لكريمَ، وستساعدهما في تجاوزِ بعضِ الصعوباتِ المالية. "أعتقدُ أنكَ يجبُ أنْ تأخذَ الفرصةَ يا كريم. أنا سأكونُ بجانبِ والدتي، وسنكونُ قادرينَ على التعاملِ معَ الأمور. أنتَ تحتاجُ إلى هذهِ الترقيةِ لتبنيَ مستقبلكَ."
"ولكنني لا أريدُ أنْ أترككِ وحدكِ في هذا الوقت." قالَ كريمُ بقلق. "لنْ أكونَ وحدي." قالتْ نورُ بحزم. "سيكونُ معي أخي، وسنكونُ قادرينَ على تدبرِ الأمور. وأنتَ يجبُ أنْ تثبتَ لهم أنكَ تستطيعُ النجاح."
بدأَ كريمُ في التحضيرِ للسفر. كانَ يشعرُ بمزيجٍ منَ الحماسِ والقلق. منْ ناحيةٍ، كانَ متحمسًا لهذهِ الفرصةِ الجديدة، ومنْ ناحيةٍ أخرى، كانَ قلقًا على نورِ وعلى والدتها.
في الأيامِ الأخيرةِ قبلَ سفره، حاولَ كريمُ أنْ يقضيَ أكبرَ وقتٍ ممكنٍ معَ نور. كانا يتحدثانِ عنْ خططهما المستقبلية، وعنْ أحلامهما. كانا يبنيانِ خطةً لرحلةِ والدةِ نورَ إلى مكانٍ هادئٍ ومنعزلٍ بعدَ عودته.
"أتمنى أنْ تكونَ هذهِ الرحلةُ مفيدةً لأمي." قالتْ نورُ وهيَ تحتضنُ كريم. "إنْ شاءَ الله." قالَ كريمُ. "وسنكونُ معها خطوةً بخطوة. ولا تقلقي عليَّ، فسأكونُ على اتصالٍ دائمٍ بكِ."
قبلَ مغادرتهِ إلى المطار، أعطى كريمُ لنورِ مبلغًا منَ المال. "هذا لتدبرِ أمورِكِ وأمورِ والدتكِ." قالَ. "وإذا احتجتِ أيَّ شيءٍ آخر، فلا تترددي في الاتصالِ بي." ابتسمتْ نورُ وضمتهُ بقوة. "شكرًا لكَ يا كريم. أنتَ حقًا زوجٌ رائع."
عندما غادرَ كريم، شعرتْ نورُ بفراغٍ كبير. لكنها سرعانَ ما استجمعتْ قواها. لقدْ كانَ هناكَ الكثيرُ منَ العملِ الذي يجبُ القيامُ به. لقدْ كانَ عليها أنْ تكونَ قويةً من أجلِ والدتها، ومن أجلِ نفسها. بدأتْ بالتواصلِ معَ أخيها، ووضعتْ خطةً مفصلةً للعنايةِ بوالدتها. كانَ هناكَ طريقٌ طويلٌ أمامهما، لكنهما كانا مستعدينَ لمواجهتهِ معًا.