الفصل 1 / 25

قلبي في يديك

همس الصحراء في ليلٍ قمري

بقلم ليلى الأحمد

كانت الرياح الصحراوية، تلك السيمفونية القديمة للأرض، تعزف ألحانها الخفية على وجنتيها. نورة، بعباءتها الداكنة التي تلتف حول قوامها برشاقة، وقفت عند حافة الوادي، تستنشق عبير ترابٍ حمل على مر العصور قصصاً لا تُحصى. نجومٌ فضيةٌ تزينت بها سماءُ البادية، ترسم في دواخلها لوحةً من الحنين والشوق. لم تكن مجرد ليلةٍ عادية، بل كانت تلك الليلة التي تلوح فيها البدايات، وربما النهايات.

تسللت أنفاسها المرتعشة، تتصاعد كبخارٍ من نارٍ كامنة. كانت الشمس قد ألقت بآخر خيوطها الذهبية على الأفق، تاركةً العالم خلفها في سباتٍ عميق. بينما تدرجت ألوان السماء من البرتقالي الناري إلى الأزرق الداكن، ثم إلى سوادٍ حالكٍ تكسوه لآلئ السماء، بدأت نورة تشعر بثقلٍ يأخذ في الاستقرار على صدرها. لم يكن الثقل ثقلاً مادياً، بل كان ثقلَ وعدٍ، وثقلَ ترقبٍ، وثقلَ بدايةِ رحلةٍ لم تكن تعلم أين ستنتهي.

كانت والدتها، أم إبراهيم، قد أمرتها بالبقاء قرب الخيمة، لكن فضولها، ذلك الشغف المتقد بالبحث عن جوهر الأشياء، كان يدفعها دائماً إلى ما وراء المألوف. لم تكن نورة فتاةً تتوانى عن السماع، بل كانت فتاةً تعشقُ المعرفة، وتفهمُ بعمقٍ معنى المسؤولية. لكن في تلك الليلة، كان شيئاً ما داخلها يلح عليها، شيءٌ لم تستطع حتى هي تفسيره.

كانت عيناها، بلونِ الشاي الغامق، تتفحصان الظلال الممتدة، تبحثان عن علامة، عن إشارة، عن أي شيءٍ قد يفسر هذا الشعور الغريب الذي تسلل إلى روحها. كانت الصحراء، في عزلتها المهيبة، ملاذها ومسرح أحلامها. هنا، حيث الصمتُ يصدحُ بالمعاني، وحيثُ الغبارُ يحملُ حكايات الأجداد، كانت نورة تجدُ نفسها.

فجأةً، سمعت صوتاً. صوتٌ خافتٌ، أشبهَ بوشوشةٍ الريح، ولكنه كان مختلفاً. لم يكن صوتاً طبيعياً، بل كان يحملُ نبرةً إنسانية، نبرةَ استغاثةٍ مكتومة. رفعت رأسها، وقلبها يخفقُ كطبلٍ مجنون. لم تكن وحدها في هذه الليلة.

وبدون تردد، وبدافعٍ إنسانيٍ فطريٍ تفوقُ فيه كل حسابات، اندفعت نورة نحو مصدر الصوت. خطواتها السريعة كانت تتسابق مع دقات قلبها، ترتجفُ كلما اقتربت. كانت تعرفُ أن هذه البادية، رغم سحرها، تحملُ في طياتها أخطاراً دفينة. ولكن، ما الذي يمكنها فعله سوى الاستجابة لنداءٍ يستغيث؟

بعد مسافةٍ قصيرة، رأت شيئاً. كان جسماً ملقىً على الرمال، بالكاد مرئياً في ظلمة الليل. اقتربت بحذر، وهمست بصوتٍ بالكاد يُسمع: "من هناك؟"

لا رد.

ازداد قلقها. ركعت بجواره، وعيناها تتفحصان الجسد. كان رجلاً. يرتدي ملابسَ بدا أنها ممزقة، ووجهه شاحبٌ بشكلٍ مقلق. كان بالكاد يتنفس.

"أنت بخير؟" سألت بصوتٍ أعلى قليلاً، وأمسكت بيده. كانت يده باردةً وخشنة، لكنها كانت تنبضُ بحياةٍ ضعيفة.

لم يستطع الرد بكلمات، لكنه رفع بصره بصعوبة. كانت عيناه، بلونِ الرماد، تنظران إليها بتوسلٍ صامت. رأى فيهما تعباً عميقاً، وجرحاً لا تراه العين المجردة.

"لا تقلق، سأساعدك." وعدت نورة، وهي تدركُ حجم المسؤولية التي ألقاها القدر على عاتقها. لم تكن تعرفُ من هو هذا الرجل، أو كيف وصل إلى هنا، لكنها كانت تعرفُ أن تركَه هكذا هو جريمةٌ بحق الإنسانية.

بحركةٍ بطيئة، بدأت نورة تحاولُ مساعدته على الوقوف. كان جسده ثقيلاً، لكنها استجمعت كل قوتها. كان كلُ انزلاقٍ له، كان كلُ تأوهٍ يصدرُ منه، يزيدُ من إصرارها. كانت تعلمُ أن الخيمةَ بعيدة، وأن الليلَ بارد، وأن الخطرَ قد يكونُ متربصاً في كل زاوية.

"تحمل قليلاً." كانت تقولُ له، وتُشجعه، وكأنها تُشجعُ نفسها. "سنصلُ قريباً."

كانت خطواتها المترنحة، وهي تحملُ جزءاً من وزنه، تتجهُ نحو وميضٍ بعيدٍ في الظلام. كان ذلك الوميضُ نورَ خيمتهم. كانت المسافةُ تبدو أطولَ من أي وقتٍ مضى.

وبينما كانت تسحبُه بصبرٍ وتفانٍ، مرت في ذهنها صورةُ أبيها، الشيخَ إبراهيم، الرجلُ الذي علمها معنى الكرم، ومعنى الشجاعة، ومعنى مساعدةِ المحتاج. كانت تتذكرُ كلماته: "يا ابنتي، القلبُ الرحيمُ هو أجملُ زينةٍ للمرأة."

لم تكن تدري ما الذي تخبئه لها هذه الليلة، أو ما الذي سيعنيه هذا الرجلُ الغريبُ الذي أصبحَ عبئاً على ذراعيها. لكنها كانت تعرفُ شيئاً واحداً: أن خيطاً رفيعاً، لم تكن تراه، قد تشابك بين قلبها وقلبِ هذا الغريب، في هذه الليلةِ الصحراويةِ الساحرة. كانت تلك اللحظة، بدايةُ قصةٍ لم تُكتب فصولها بعد، قصةٌ ستُنسجُ خيوطها من العطف، ومن الندم، ومن احتمالٍ لعشقٍ طاهرٍ لا تعرفُ الصحراءُ مثله.

كانت كلُ نسمةِ هواءٍ باردةٍ تتسللُ عبر عباءتها، تحملُ معها رائحةَ النعناعِ والتمر، ورائحةَ البخورِ الخفيفِ الذي كان يتصاعدُ من خيمتهم. كان كلُ شيءٍ يذكرها بأصلها، ببيئتها، بالقيمِ التي نشأت عليها. ورغمَ تعبها، ورغمَ قلقها، كانت هناكَ بذرةُ أملٍ تنمو داخلها، أملٌ في أن هذه الليلةَ لن تكونَ مجردَ ليلةٍ عابرة، بل ستكونَ بدايةً لشيءٍ أعمق، شيءٍ يلمسُ شغافَ قلبها.

وصلت أخيراً إلى قرب الخيمة. كان اللهبُ يتراقصُ من الداخل، دليلاً على وجودِ أحدهم. صاحت بصوتٍ مرهق: "يا أمي! لقد وجدتُ شخصاً!"

تسمعُ حركةً من الداخل، ثم باب الخيمةِ يُفتحُ بسرعة. ظهرت والدتها، أم إبراهيم، بوجهها الذي يحملُ سماتِ القوةِ والحنان. اندهشت حين رأت المنظر.

"من هذا يا نورة؟ وما الذي حدث؟" سألت بعينينِ واسعتين.

"لا أعرفُ يا أمي، وجدتهُ ملقىً عند الوادي. يبدو أنهُ في حالةٍ خطرة." أجابت نورة، وهي تُحاولُ أن تُبقي الرجلَ واقفاً.

هرعت أم إبراهيم نحوهم، وبتوجيهاتٍ منها، تمكنتا من إدخاله إلى الخيمة. كانت الخيمةُ بسيطةً، ولكنها كانت دافئةً ومليئةً بعبقِ البساطةِ العربية. وضعت نورةُ الرجلَ على بساطٍ ناعم، بينما بدأت أم إبراهيم بتفقدِ حاله.

كانت تلك اللحظة، نقطةَ التحول. نقطةَ التقاءِ غريبين، نقطةَ بدايةِ قصةٍ ستبدأُ خيوطها بالتشابك، خيوطاً لم تكن نورةُ ولا الرجلُ الغريبُ يتوقعانها. كانت تلك الليلةَ، ليلةَ همسِ الصحراءِ في ليلٍ قمري، تحملُ في طياتها أسراراً أعمق، وأشواقاً أكبر، لم تكن حتى تلك النجومُ الساطعةُ قادرةً على إحصائها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%