قلبي في يديك
همساتٌ في أروقة الأماني
بقلم ليلى الأحمد
تلوّت شمس الظهيرة في سماء جدة، ملقيةً أشعتها الذهبية على قصر آل سراج الوارف، وكأنها تبارك الأجواء المفعمة بالسكينة والتفاؤل. داخل قاعات الاستقبال الفسيحة، حيث تراقصت الثريات البلورية مع نسمات الهواء العليل القادمة من الحدائق الغناء، جلست ليلى، خطيبة عبد الرحمن، تتبادل أطراف الحديث مع والدته، السيدة فاطمة. كانت ليلى، بفستانها الحريري الهادئ وابتسامتها الرقيقة، تفيض بالوقار والأنوثة، وقد نسجت حولها هالة من الاحترام والتقدير.
"يا ابنتي، كم يسعد قلبي رؤيتكِ هكذا، مطمئنةً وسعيدةً في بيتِكِ المستقبلي،" قالت السيدة فاطمة، وعيناها تلمعان بالحنان، وهي تضع يدها الداعمة على يد ليلى. "عبد الرحمن شابٌ طيبٌ، ورث عن أبيهِ المعدن الأصيل، وأنتِ، ما شاء الله، كأنكِ بدرٌ اكتملت بهِ السماء."
ابتسمت ليلى خجلًا، وشعرت بصدق كلمات السيدة فاطمة يلامس شغاف قلبها. كانت علاقتها بعبد الرحمن تسير بخطى واثقة وثابتة، مبنيةً على الاحترام المتبادل والتفاهم العميق. لم يكن حبهما مجرد لهيبٍ عابر، بل كان شعلةً دافئةً تستمد وقودها من القيم والمبادئ المشتركة. كانت لقاءاتهما، التي تتم في إطارٍ شرعيٍّ واضح، تتسم بالحياء والتقدير، وكل كلمةٍ تُقال تحمل في طياتها بناءً للمستقبل.
"جزاكِ الله خيرًا يا خالتي،" أجابت ليلى بصوتٍ خفيضٍ كهمس الورد. "عبد الرحمن رجلٌ نادر، يكرمُني ويُقدّرُني، وأنا أشعرُ بمسؤوليةٍ عظيمةٍ لأكونَ عند حسن ظنهِ وظنكم."
في زاويةٍ أخرى من القصر، كان عبد الرحمن يتحدث مع والده، الحاج أحمد، عن تفاصيلٍ تخصّ شركتهما الناشئة. الحاج أحمد، برغم تقدم العمر، كان لا يزال في قمة نشاطه الذهني، يتابع كل شاردة وواردة في أعماله، ويستشير ابنه في أدق القرارات.
"الاستقرارُ يبدأُ من البيتِ يا بني،" قال الحاج أحمد، وهو يحتسي قهوتهِ العربية الأصيلة. "وزواجكَ من ليلى هو الخطوةُ الأولى نحو هذا الاستقرار. إنها فتاةٌ من عائلةٍ كريمةٍ، وتربيةٌ حسنةٌ، وستكونُ لكِ خيرَ معينٍ وسندٍ."
أومأ عبد الرحمن برأسه موافقًا، وعلامات الإعجاب ترتسم على وجهه. "والدي، ليلى ليست مجرد زوجةٍ مستقبلية، بل هي شريكةُ حياةٍ، أرى فيها الذكاءَ والحكمةَ والقلبَ الكبير. لقد أثبتت لي مرارًا وتكرارًا أنها تستحقُ كلُّ الثقةِ والحب."
بينما كان الأب وابنه يتبادلان الأحاديث حول المستقبل، كان هناك شخصٌ آخر يراقب بصمتٍ من بعيد، يخفي خلف ابتسامتهِ المفتعلة مشاعرَ معقدة. كان عمر، ابن عم عبد الرحمن، الذي كان يزورهم في تلك الأيام. لطالما شعر عمر بالغيرة من تفوق عبد الرحمن في كل شيء: في الدراسة، في العمل، وحتى في شعبية عائلتهم. وعندما علم بخطبة عبد الرحمن من ليلى، شعر بغصةٍ في حلقه، فقد كان يرى فيها مثالًا للمرأة المثالية التي يطمح إليها، ولكنه كان يعلم أن طريقه إليها مسدودٌ بفعل الارتباط الشرعي.
"مبروكٌ يا عبد الرحمن،" قال عمر، وهو يقترب منهما بابتسامةٍ لا تصلُ إلى عينيه. "سمعتُ عن خبرِ خطبتِكَ، فتاةٌ رائعةٌ حقًا، سمعتُ عن أخلاقها وجمالها."
رد عبد الرحمن ببساطةٍ، دون أن يلمح شيئًا في نبرة عمر. "شكرًا لكَ يا عمر. إنها هديةٌ من الله."
أحسّ عمر بثقلِ كلماتِ عبد الرحمن، وكأنها رسالةٌ مبطنةٌ له. غادر المجلس وقلبُهُ يعتصرُ حنقًا. لم يكن مجرد حسدٍ عادي، بل كان يمتزجُ برغبةٍ دفينةٍ في إثباتِ ذاته، في التفوقِ على عبد الرحمن، وانتزاعِ ما يراهُ حقًا له.
في تلك الأثناء، كانت ليلى تشعرُ بشيءٍ غريبٍ يراودها. في أثناء حديثها مع السيدة فاطمة، مرت في ذهنها لحظاتٌ قليلةٌ مرت فيها نظرةٌ خاطفةٌ من عمر، كانت نظرةً لا يمكن وصفها. لم تكن نظرةَ إعجابٍ عادي، بل كانت تحملُ شيئًا من التحدي، أو ربما الاستياء. حاولت أن تتجاهل ذلك الشعور، مؤكدةً لنفسها أن ما تشعر بهِ مجردُ وهمٍ سببهُ لقاءٌ عابرٌ لشخصٍ غريبٍ عليها.
"ماذا بكِ يا ابنتي؟ هل تشعرينَ بتعبٍ؟" سألت السيدة فاطمة، وقد لاحظت تغيّرًا طفيفًا في تعابير وجه ليلى.
"لا، لا يا خالتي، فقط سرحتُ قليلًا،" أجابت ليلى بابتسامةٍ سريعة. "كنتُ أفكرُ في ترتيباتِ الزفاف، كلُّ شيءٍ يسيرُ بسرعةٍ كبيرةٍ."
"إن شاء الله، سيكونُ كلُّ شيءٍ جميلًا ومرتبًا،" طمأنتها السيدة فاطمة. "عبد الرحمن حريصٌ على أن تكونَ هذهِ الفترةُ خاليةً من أيِّ ضغوطٍ عليكِ."
عندما حان وقتُ انصرافِ عمر، أصرَّ على اصطحابِ ليلى وعبد الرحمن إلى الخارج، لمرافقتهم في سيارته. كانت هذهِ مبادرةٌ مفاجئةٌ، شعرَ عبد الرحمن ببعضِ الغرابةِ تجاهها، لكنه وافق احترامًا لعمر.
جلست ليلى في المقعدِ الخلفي، وعبد الرحمن بجوارها. كان عمر يقودُ السيارةَ بتهوّرٍ ملحوظٍ، وكان يلتفتُ إلى الخلفِ كثيرًا، يبدأُ حديثًا عشوائيًا مع ليلى، ثم يوجهُ حديثهُ إلى عبد الرحمن بتعاليٍّ مبطّن.
"سمعتُ أنكَ ستفتتحُ فرعًا جديدًا للشركةِ في دبي؟" سأل عمر، ونبرةُ صوتهِ فيها تحدٍّ. "تذكرُ يا عبد الرحمن، أن النجاحَ الحقيقيَّ لا يأتي بسهولةٍ، بل يتطلبُ أحيانًا طرقًا جريئةً، قد تكونُ غيرَ تقليدية."
رد عبد الرحمن بهدوءٍ وثقة: "كلُّ طريقٍ نسلكهُ يجبُ أن يكونَ حلالًا، وطرقُ النجاحِ مباحةٌ ما دامتْ لا تخالفُ شرعَ الله."
تنهد عمر بضيقٍ، وشعرَ أن عبد الرحمن يعكسُ عليهِ كلماتهِ. "آه، نعم، الحلالُ أولًا. لكن أحيانًا، في عالمِ الأعمالِ، قد تتطلبُ المنافسةُ ذكاءً حادًا، وربما قليلًا من… الإقناع."
شعرت ليلى ببرودةٍ تسري في جسدها. كانت حديثُ عمر مليئًا بالغموضِ والإشاراتِ المبهمة. هل كان يتحدثُ عن أساليبَ ملتويةٍ في العمل؟ ولمَ كان يصرُّ على توجيهِ هذهِ الأحاديثِ إلى عبد الرحمن أمامها؟
عندما وصلوا إلى وجهتهم، شكر عبد الرحمن عمر على مرافقته، لكنه شعرَ بارتياحٍ كبيرٍ لانتهاءِ الرحلة. ودّع عمر ليلى بابتسامةٍ صفراء، وقال لها: "أتمنى لكِ كلَّ السعادةِ يا ليلى. أنتِ تستحقينَ الأفضل."
بعد أن غادر عمر، نظر عبد الرحمن إلى ليلى. "هل كلُّ شيءٍ على ما يرام؟" سأل بقلق. "لقد شعرتُ بأن عمر كان يتصرفُ بغرابةٍ منذُ وصولهِ."
أومأت ليلى برأسها، محاولةً أن تبدو طبيعية. "نعم، فقط قليلٌ من الإرهاق. ربما كان يومًا طويلًا للجميع."
لكن في داخلها، كانت تساؤلاتٌ كثيرةٌ تدور. هل كان ما تشعر بهِ تجاه عمر مجردُ انطباعٍ سيءٍ؟ أم أن هناكَ شيئًا أعمقَ يختبئُ خلفَ واجهتهِ البراقة؟ كانت تعلمُ أن علاقتها بعبد الرحمن نقيةٌ وصادقة، وأنها تسيرُ في الطريقِ الصحيح، لكنها شعرتْ بأن هناكَ رياحًا خفيةً بدأتْ تعصفُ حولهم، تحملُ معها نسماتٍ من القلقِ والريبة. وكان عليها أن تكونَ مستعدةً لأيِّ شيءٍ قد يهددُ صفاءَ هذهِ العلاقةِ المباركة.