قلبي في يديك
المواجهةُ الصامتةُ في عيونِ الشريك
بقلم ليلى الأحمد
أشرقتْ شمسُ الصباحِ على مدينةِ جدةَ، حاملةً معها وعدًا بيومٍ حاسم. استيقظَ عبد الرحمن وقلبُهُ مثقلٌ بثقلِ اكتشافاتِ الأمس. لم يعدْ الأمرُ مجردَ شكوكٍ، بل تحولَ إلى يقينٍ بأن عمرَ كانَ يخططُ لشيءٍ خطير. كانتْ الرسالةُ المجهولةُ مجردَ تحذيرٍ، والمحادثةُ مع صديقهِ قد كشفتْ عن طبقةٍ أعمقَ من المؤامرة، مؤامرةٍ تستهدفُ ليلى مباشرةً.
جلسَ الحاج أحمدُ في غرفةِ الطعامِ، يحتسي قهوتهُ الصباحية. "هل أنتَ بخيرٍ يا بني؟ تبدو شاحبًا." "أنا بخيرٍ يا والدي،" أجابَ عبد الرحمن، لكنَّ نبرةَ صوتهِ كانتْ تحملُ ثقلَ الهموم. "كنتُ أفكرُ في بعضِ الأمورِ المتعلقةِ بالعمل. أعتقدُ أنني سأذهبُ إلى الشركةِ مبكرًا اليوم."
وصلَ عبد الرحمن إلى مكتبهِ، وكانَ أولُ ما فعلهُ هوَ مراجعةُ سجلاتِ الأمانِ للشركةِ التي تعملُ بها ليلى. لم يكنْ خبيرًا في هذا المجال، لكنَّ صديقهُ قد أعطاهُ بعضَ التوجيهاتِ. بعدَ ساعاتٍ من البحثِ الدقيق، اكتشفَ شيئًا مزعجًا. كانتْ هناكَ محاولاتُ اختراقٍ متكررةٍ لسجلّاتِ ليلى الشخصيةِ، وكذلكَ لمشاريعَ خاصةٍ تعملُ عليها. لم يكنْ هناكَ دليلٌ مباشرٌ يربطُ عمرَ بهذهِ الأنشطة، لكنَّ التوقيتَ والتفاصيلَ كانتْ كافيةً لتأكيدَ شكوكهِ.
في نفسِ الوقت، كانتْ ليلى تعملُ في مكتبها، تشعرُ بتوترٍ غريب. كانتْ تتوقعُ لقاءً مع عمرَ في وقتٍ لاحقٍ من اليوم، حيثُ سيتناقشون في تفاصيلَ مشروعٍ مشتركٍ صغيرٍ اقترحهُ عمرُ، بدافعِ "التعاونِ بينَ العائلتين". كانتْ ليلى مترددةً في قبولِ هذا الاقتراح، لكنها شعرتْ بضرورةِ التعاملِ معه، خوفًا من أن يثيرَ رفضها المزيدَ من المشاكل.
عندما دخلَ عمرُ مكتبَ ليلى، كانتْ ابتسامتهُ معتادة، لكنَّ عينيهِ كانتا تحملانِ بريقًا مختلفًا، بريقَ قوةٍ وغرور. "صباحُ الخيرِ يا ليلى،" قالَ بصوتٍ هادئ. "أتمنى أن أكونَ قد أزعجتُكِ." "لا، على الإطلاق،" أجابتْ ليلى، محاولةً السيطرةَ على خوفها. "تفضل بالجلوس."
بدأَ عمرُ بالحديثِ عن المشروع، لكنَّ حديثهُ سرعانَ ما انحرفَ إلى أمورٍ أخرى. "أعلمُ أنكِ قلقةٌ بشأنِ مستقبلكِ،" قالَ عمر، وهوَ يحدقُ بها. "لكنْ، هل أنتِ حقًا سعيدةٌ؟ هل عبد الرحمنُ هوَ الشخصُ المناسبُ لكِ؟" شعرتْ ليلى ببرودةٍ تسري في عروقها. "ماذا تقصدُ؟" "أقصدُ أنني أرى فيكِ قدراتٍ عظيمة،" تابعَ عمر، متجاهلًا سؤالها. "وهذهِ القدراتُ قد لا تجدُ ضالتها في حياةٍ رتيبةٍ مع عبد الرحمن. أنا… أنا أرى فيكِ شريكةَ حلم، شريكةً يمكنُنا أن نحققَ معًا أشياءَ عظيمة."
كانَ كلامُ عمرَ يحملُ إغراءً خبيثًا، ورغبةً واضحةً في زعزعةِ استقرارها. "عمر، أنا مخطوبةٌ لعبد الرحمن، وسأكونُ زوجتهُ قريبًا،" قالتْ ليلى بحزمٍ، محاولةً استعادةَ رباطةِ جأشها. "وهوَ الحبُّ الوحيدُ الذي أريده."
ضحكَ عمرُ ضحكةً مكتومة. "الحبُّ؟ الحبُّ شيءٌ جميلٌ، لكنه لا يبني الإمبراطوريات. أنا أتحدثُ عن القوة، عن الطموح، عن تركِ بصمةٍ في هذا العالم. وصدقيني يا ليلى، مع عبد الرحمن، لن تتركِ سوى أثرٍ باهت." شعرَتْ ليلى بالاشمئزاز. "أنتَ لا تفهمُ شيئًا عن الحبِ الحقيقي، ولا عن معنى العلاقةِ المبنيةِ على الاحترامِ والتقدير."
"ولماذا لا أفهم؟" سألَ عمر، وابتسامتهُ تحولتْ إلى ما يشبهُ التهديد. "ربما أنا أفهمُ أكثرَ مما تتخيلين. ربما أنا أعرفُ كيفَ أحصلُ على ما أريد." في هذهِ اللحظة، اقتحمَ عبد الرحمن المكتبَ. كانَ وجههُ صارمًا، وعيناهُ تشتعلانِ بالغضبِ المكبوت. "عمر، لقد تجاوزتَ كلَّ الحدود."
نظرَ عمرُ إلى عبد الرحمن، وابتسامةٌ باردةٌ ارتسمتْ على وجههِ. "عبد الرحمن؟ ما الذي تفعلهُ هنا؟" "كنتُ أخشى أن تتلاعبَ بمشاعرِ ليلى، وأن تحاولَ إثارةَ الفتنةِ بيننا،" قالَ عبد الرحمن. "وقد تأكدتُ اليومَ من أن شكوككَ لم تكنْ مجردَ أوهام."
"شكوك؟" تهكمَ عمر. "وما الذي جعلكَ تتأكدُ؟ هل أتتْ لكَ الرسالةُ السريةُ التي أرسلتها ليلى؟" تجمدَ عبد الرحمن. لقد أكدَ عمرُ شيئًا لم يكنْ يعرفهُ. "أنتَ من أرسلتَ الرسالةَ؟" سألَ عبد الرحمن. "لم أقلْ ذلك،" أجابَ عمرُ ببرود. "لكنني سعيدٌ أنني استطعتُ أن أثيرَ بعضَ القلقِ في ذهنكَ. هذا هوَ هدفي."
"ما هوَ هدفكَ بالضبط؟" سألَ عبد الرحمن. "هل تحاولُ إفشالَ زواجنا؟" "لمَ لا؟" أجابَ عمرُ بجرأة. "ربما أرى فيكِ أنتِ، يا ليلى، شريكةً أفضلَ من عبد الرحمن. شريكةً يمكنُنا أن نبنيَ معها مستقبلًا أقوى." "أنتَ مجنون!" صاحتْ ليلى. "أنا أحبُّ عبد الرحمن، ولن أتخلى عنهُ أبدًا."
"هذا ما سنراه،" قالَ عمرُ، ونهضَ من مقعدهِ. "الفرصُ لا تتكررُ دائمًا، يا عبد الرحمن. أحيانًا، يجبُ أن تعرفَ متى تتخلى." غادرَ عمرُ المكتبَ، تاركًا وراءهُ صمتًا ثقيلًا، مليئًا بالتوترِ والغضب.
نظرَ عبد الرحمن إلى ليلى، وشعرَ بالأسفِ لأنها اضطرتْ لمواجهةِ هذا الموقف. "أنا آسفٌ جدًا يا حبيبتي،" قالَ وهوَ يمسكُ بيديها. "لم أكنْ أرغبُ في أن تتعرضي لهذا." "لا تلمْ نفسكَ يا عبد الرحمن،" قالتْ ليلى، وعيناها تلمعانِ بالدموع. "لقد كانَ شجاعًا منك أن تواجهه. الآنَ، أصبحتُ متأكدةً أن ما قلتهُ ليسَ إلا كلماتٌ فارغةٌ، مدفوعةٌ بالحسدِ والغضب."
"نعم،" قالَ عبد الرحمن. "لقد كشفَ عن وجههِ الحقيقي. والآنَ، لن نسمحَ لهُ بتدميرِ سعادتنا." احتضنتْ ليلى عبد الرحمن بقوة، وشعرتْ بالأمانِ في حضنه. لقد واجهوا أولَ تحدٍّ كبيرٍ في علاقتهما، وخرجوا منهُ أقوى. لكنهما كانا يعلمانَ أن المعركةَ مع عمرَ لم تنتهِ بعد. لقد كانتْ مجردَ بدايةٍ لمواجهةٍ صامتةٍ، قد تحملُ في طياتها المزيدَ من المفاجآت.