الفصل 14 / 25

قلبي في يديك

ظلال الماضي وهواجس الحاضر

بقلم ليلى الأحمد

كان نسيم المساء يداعب ستائر غرفة نور، حاملاً معه رائحة الياسمين من الحديقة المجاورة. جلست على حافة السرير، وقلبها يخفق بين ترقبٍ وألم. لم تكن الأيام التي تلت زيارة عمها أحمد مجرد أيام عادية، بل كانت ساعات طويلة قضتها في استعادة شريط حياتها، وفي مواجهة أصداء صوتٍ قديمٍ بدا وكأنه خرج من رماد سنين.

عمها أحمد، الرجل الذي لطالما اعتبرته سنداً وأماناً، حمل معه بشارةً وأيضاً ظلالاً. البشارة كانت تخصّ مستقبلها، وعلاقتها بسالم، الذي بدأت تلمس فيه ما يتجاوز حدود الاحترام المعتاد إلى ما يشبه الألفة التي يغشاها طيف الحب. لكن الظلال، كانت أثقل، وأكثر إرباكاً. قصة زواج والدها الأول، تلك التي لم تسمع بها قط، وكيف انتهى، وكل ما يتعلق بها، كان كحجرٍ أُلقي في بحيرة هدوئها الداخلي، ناشراً دوائر من القلق.

لم تستطع النوم تلك الليلة، وأمسكت بقلادة جدتها الفضية، تلك التي تشعر فيها ببركة الأجداد. تذكرت وجه جدتها المشرق، وكلماتها التي كانت دوماً مليئة بالحكمة واللطف. "يا ابنتي، الأسرار لها أجنحة، وقد تأتيك يوماً لتطير فوق سماء حياتك. المهم أن تكوني على استعدادٍ لتقبّلها، وأن تجعلي منها نوراً لا ظلاماً."

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت تساعد والدتها في إعداد الفطور، سألتها بترددٍ غير ملحوظ: "يا أمي، هل كان لأبي زوجةٌ قبلك؟"

تجمدت يد والدتها للحظة وهي تمسك بسكين الجبن، ثم ابتسمت ابتسامةً خفيفةً شابتها لمحةٌ من الحزن. "لماذا تسألين هذا السؤال الآن يا نور؟"

"هكذا فقط يا أمي، جاء في خاطري."

تنهدت الأم بهدوء، ووضعت السكين جانباً. "نعم يا ابنتي، كان لوالدكِ زواجٌ سابق. زواجٌ لم يكتمل، ولم يكن مكتوباً له الاستمرار."

لم تكن الإجابة مفاجئة تماماً، فعمها أحمد كان قد لمّح إلى ذلك. لكن سماعها من الأم مباشرةً، زاد من وطأتها. "هل كان هناك… أطفال؟" سألت نور، وقلبها يضغط على صدرها.

نظرت الأم إلى ابنتها طويلاً، وعيناها تلمعان بدمعةٍ حبستها. "لا يا حبيبتي، لم يكن هناك أطفال. كان مجرد زواجٍ قصيرٍ جداً، وانتهى قبل أن يبدأ."

حاولت نور أن تستشعر الصدق في كلمات والدتها، لكن شيئاً ما في عينيها بدا وكأنه يخفي تفاصيل. هل كانت والدتها تخفي عنها شيئاً، أم أنها كانت تحاول فقط حمايتها من ألمٍ قديم؟

في تلك الأثناء، كان سالم يواجه تحدياتٍ من نوعٍ آخر. زيارته الأخيرة لمنزل جدته، رغم أنها كانت بهدف الاطمئنان عليها، أثارت بداخله أسئلةً حول جدته وأسرار عائلته. كانت جدته، السيدة العجوز ذات العينين الثاقبتين، دائمة التلميح إلى ماضٍ غامضٍ يتعلق بتاريخ عائلتهم، خاصةً فيما يتعلق بالصلح العائلي الذي تم قبل سنواتٍ طويلة.

"يا سالم يا ولدي، بعض الجروح تلتئم ظاهرياً، لكن آثارها تبقى في العظام. ويجب أن نعرف ماضينا جيداً حتى لا نعيده." كانت هذه كلماتها المتكررة.

شعر سالم أن هناك شيئاً ما وراء هذه الكلمات. بدأ يتفحص الصور القديمة في منزل جدته، ويتحدث مع الأقارب الأكبر سناً، يحاول ربط الخيوط المتناثرة. كان يدرك أن هذا البحث قد يقوده إلى أماكن غير متوقعة، وأن الحقيقة قد تكون مؤلمة.

في المساء، وبينما كان يتجول في شوارع المدينة القديمة، تذكر المرة الأولى التي رأى فيها نور. كانت في سوقٍ شعبي، تشتري بعض الأغراض مع والدتها. كانت ابتسامتها وهي تتحدث مع الباعة، ونقاؤها الواضح، قد أثرا فيه بعمق. كان يرى فيها تجسيداً لكل ما يؤمن به من قيمٍ وأخلاق.

فكر في عرضه للزواج، في الخطوات التي اتخذها. كان كل شيء يسير على ما يرام، لكن هذه الأفكار الجديدة بدأت تثير بعض الشكوك. هل كانت نور تعلم بشيءٍ عن ماضيه أو ماضي عائلته؟ هل كانت هناك أسرارٌ مشتركة قد تطفو على السطح؟

في مكتبه، وبينما كان يراجع بعض العقود، تلقى اتصالاً هاتفياً مفاجئاً. كان من محامٍ لم يسمع به من قبل، يطلب منه لقاءً عاجلاً لمناقشة أمرٍ يتعلق بـ "تركةٍ عائليةٍ هامة". لم يكن لديه فكرةٌ عما يتحدث عنه المحامي، لكن نبرته الجادة أثارت قلقه.

في الأيام التالية، حاولت نور أن تتجنب الحديث عن الماضي. كانت تركز على عملها في المكتبة، وعلى الاستعداد لزيارة عائلة سالم الرسمية. كانت تتطلع لرؤيته، لرؤية والدي سالم. كانت تشعر بأن قربها منه، واهتمامه بها، هو ما يمنحها القوة لمواجهة أي غموضٍ قد يحيط بها.

لكن روح التحري كانت قد استيقظت فيها. بدأت تبحث في ألبومات الصور القديمة لوالدها، بحثت عن أي إشارةٍ قديمة. وجدت صورةً لوالدها شاباً، برفقة رجلٍ غريبٍ يبدو عليه الجدية. لم تعرفه، ولم يكن هناك أي تعليقٍ على الصورة.

في تلك الليلة، وبينما كانت تتحدث مع والدتها على الهاتف، سألتها بشكلٍ مباشر: "يا أمي، هل كان هناك خلافٌ كبيرٌ بين أبي وأحدٍ من عائلته؟"

صمتت والدتها للحظة، ثم قالت بصوتٍ خافت: "كان هناك بعض الاختلافات في وجهات النظر، يا نور. الحياة مليئةٌ بالتقلبات. لكن المهم الآن هو حاضرنا ومستقبلنا."

شعرت نور بأن والدتها تحاول إبعاد الشبهات، أو ربما إبعادها عن ذكرى مؤلمة. لم تستطع الضغط عليها أكثر. لكن إحساسها بأن هناك خيوطاً غير مرئية تربط ماضي عائلتها بماضي عائلة سالم، كان يتزايد.

في المقابل، ذهب سالم لمقابلة المحامي. كان المحامي رجلاً مسناً، ذو لحيةٍ بيضاء كثيفة، وعينين حكيمتين. جلس معه في مكتبه المليء بالملفات والكتب القديمة.

"سيدي سالم،" بدأ المحامي بصوتٍ وقور، "أنا أمثل مصالح عائلة… كان والدك قد ترك وصيةً منذ سنواتٍ طويلة، لم يتم تنفيذها لظروفٍ معينة. تتعلق هذه الوصية بقطعة أرضٍ ومنزلٍ قديمٍ في منطقة… الأمر الذي يحتاج إلى توقيعك وتنفيذ بعض الإجراءات."

شعر سالم بالدهشة. لم يكن يعرف عن أي منزلٍ أو أرضٍ تركت له. "لكن… هذا الأمر لم يذكر لي قط."

"نعم، هذا طبيعي. فقد كانت الظروف حينها معقدة. ووالدك كان قد طلب تأجيل الأمر لحين بلوغك سن الرشد، ثم… مرت الأيام."

بدأ المحامي يشرح التفاصيل، وبدأ سالم يشعر بأن هناك طبقاتٍ أعمق للأمور مما كان يتصور. هذا المنزل القديم، هذه الأرض… هل كان لها علاقةٌ بالصلح العائلي الذي كانت جدته تتحدث عنه؟

عاد سالم إلى منزله، متأملاً. لم يعد الأمر يتعلق فقط بحبه لنور، بل امتد ليشمل تاريخ عائلتيهما. هل كانت هناك قصةٌ مشتركة، أو ربما قصةٌ سبقت قصة حبهما؟

في تلك الليلة، وبينما كانت السماء تتزين بالنجوم، رفعت نور عينيها للسماء. "يا رب، اجعل ما هو قادمٍ خيراً، واكشف عن الحق، وألهمني الصواب."

كانت تشعر بثقلٍ في قلبها، ولكنه ثقلٌ يمتزج بالأمل. كانت تعرف أن حبها لسالم، وحب عائلتها، هما مرساتها في بحر الحياة المتلاطم. لكن ظلال الماضي بدأت تتسلل، تهدد بإرباك صفو مستقبلها.

وفي مكانٍ آخر، وبينما كان سالم يتأمل في الوثائق التي أعطاها له المحامي، شعر بأن الخط الفاصل بين حياته الماضية ومستقبله يزداد ضبابية. هل كان مستعداً لمواجهة كل ما قد يأتيه من ماضٍ لم يعشه؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%