قلبي في يديك
الوصية القديمة وتفاصيل مؤلمة
بقلم ليلى الأحمد
بعد اللقاء مع المحامي، لم يهدأ بال سالم. عاد إلى مكتبه، حاملًا تلك الوثيقة الغامضة التي بدت وكأنها مفتاحٌ لبابٍ موصدٍ منذ زمنٍ طويل. الوصية، التي تركها والده قبل سنواتٍ، كانت تحمل بين سطورها ما لم يكن في حسبانه. الاسم الآخر في الوصية، التوقيع المألوف الذي لم يستطع تحديده، كانا يلعبان في ذهنه كأصداءٍ بعيدة.
أمسك بسماعة الهاتف واتصل بعمته أمينة، شقيقة والده. كانت هي الوحيدة التي قد تكون على درايةٍ بتفاصيل أكثر حول علاقات والده في الماضي، خاصةً فيما يتعلق بالصلح العائلي الذي كانت جدته تلمح إليه.
"السلام عليكم يا عمتي،" قال سالم، وهو يحاول أن يبدو هادئاً.
"وعليكم السلام يا ولدي، كيف حالك؟" أجابت عمتُه بصوتٍ دافئ.
"بخير والحمد لله. عمتي، هل لي أن أسألكِ عن أمرٍ يتعلق بوالدي؟"
"بالطبع يا سالم، تفضل."
"أتذكرين… زواج والدي الأول؟" سأل سالم، وهو يشعر بتيارٍ من التردد يسري في عروقه.
صمتت عمتُه للحظةٍ طويلة، بدا وكأنها تستجمع ذكرياتٍ مؤلمة. "نعم يا ولدي، أتذكر."
"هل كان له… أبناءٌ من هذا الزواج؟"
"لا يا سالم، لم يكن هناك أبناء. كان زواجاً سريعاً، ولم يستمر طويلاً. حدثت بعض المشاكل… وانتهى الأمر."
"وماذا عن… الطرف الآخر؟ هل كان هناك أسبابٌ معينةٌ لانفصالهما؟"
تنهدت عمتُه بعمق. "كان هناك خلافٌ كبيرٌ يا سالم. خلافٌ يتعلق بماضٍ قديمٍ للعائلة، وقضايا مالية. لم يكن الأمر سهلاً أبداً."
بدأت نور تتسلل إلى ذهن سالم. هل كانت هذه القضايا الماضية تتعلق بعائلة نور؟ هل كان هناك تاريخٌ مشتركٌ أعمق من مجرد معرفةٍ سطحية؟
"عمتي،" قال سالم، "لقد حصلتُ مؤخراً على وصيةٍ من والدي، تتعلق بمنزلٍ وأرض. ولكن اللافت للنظر هو وجود توقيعٍ آخر في الوصية، توقيعٌ يبدو مألوفاً. هل لديكِ فكرةٌ عمن قد يكون؟"
"توقيعٌ آخر؟" أعادت عمتُه التساؤل، وبدا صوتها فيه شيءٌ من الدهشة. "دعني أفكر… من كان له علاقةٌ وثيقةٌ بوالدكِ في تلك الفترة، وكان يمكن أن يكون له دورٌ في أمورٍ كهذه؟"
صمتت للحظة، ثم قالت بصوتٍ مشوبٍ بالحيرة: "ربما… ربما يكون والد نور. كان هناك نوعٌ من الصلح بين العائلتين في تلك الفترة، وكان والدها، المرحوم فؤاد، شخصاً ذا مكانةٍ ونفوذ."
اتسع بصر سالم. والد نور؟ هذا مستحيلٌ! كيف يمكن أن يكون والد نور طرفاً في وصيةٍ تخص والده؟ كانتا العائلتان متقاربتين، وكان والداهما زميلين، لكن أن يصل الأمر إلى هذه الدرجة من الارتباط؟
"لكن… لكن لم يذكر لي أحدٌ قط هذا الأمر،" قال سالم، بصوتٍ متوتر.
"ربما لم يرغبوا في إثارة الذكريات القديمة، يا سالم. أو ربما كانت هناك تفاصيلٌ معقدةٌ لم تُكشف."
أنهى سالم المكالمة، وقلبه يخفق بشدة. هل كانت حبيبته نور، التي بدأ يرى فيها مستقبله، مرتبطةً بهذا الغموض القديم؟ هل كانت قصة حبهما مجرد جزءٍ من مسارٍ قديمٍ حاول أحدهم إعادة تشكيله؟
قرر سالم أن يذهب إلى نور. لم يستطع الانتظار. كان يشعر بضرورةٍ ملحةٍ لمواجهتها، ليس بالاتهام، بل بالفهم.
وصل إلى مكتبة نور. كانت ترتب بعض الكتب، ووجهها يغشاه بعض التعب. عندما رأته، ابتسمت ابتسامةً واسعة، لكن سالم شعر بأن ابتسامتها لم تكن بكامل نورها.
"ماذا تفعل هنا يا سالم؟ هل هناك خبرٌ جديد؟" سألت نور، وعيناها تلمعان بفضول.
جلس سالم بجانبها، وأخذ نفساً عميقاً. "نور، لقد اكتشفتُ أمراً يتعلق بوالدي، وأعتقد أنه قد يربطنا أكثر مما كنا نعتقد."
بدأت نور تشعر ببعض القلق. "ما هو؟"
"لقد علمتُ من عمتي أمينة، أن والدي كان له زواجٌ سابق، وأن هذا الزواج انتهى بسبب خلافاتٍ تتعلق بماضٍ قديمٍ للعائلتين. والأهم من ذلك، أن هناك وصيةً تركها والدي، تحمل توقيعاً آخر، وقد تكون هذه الوصية مرتبطةً بوالدكِ."
تجلدت نور في مكانها. والدها؟ وصية؟ لم تكن تفهم ما يحدث. "كيف ذلك يا سالم؟ لم يذكر أبي لي قط شيئاً عن هذا الأمر."
"هذا ما أدهشني أيضاً،" قال سالم، وهو يرى علامات الصدمة على وجه نور. "لقد ذكرت عمتي أن والدكِ كان له دورٌ في الصلح العائلي في تلك الفترة. هل سمعتِ شيئاً كهذا من قبل؟"
نظرت نور إلى وجه سالم، وذكرياتٌ قديمةٌ بدأت تتسلل إلى ذهنها. تذكرت والدتها وهي تتجنب الحديث عن زواج والدها الأول، وتذكرت حواراتها مع والدها التي كانت دائماً تشير إلى مسؤولياته تجاه عائلته.
"أتذكر… أتذكر أن والدتي كانت تتحدث عن صعوباتٍ واجهتها عائلتنا في الماضي،" قالت نور، بصوتٍ مرتعش. "لكنها لم تشرح التفاصيل قط. وعندما سألت أبي، كان يتحفظ كثيراً."
"والآن،" تابع سالم، "أعتقد أن هذه الوصية قد تكون جزءاً من تلك القصة. اسمها… اسم والدكِ، هو الذي كان مرتبطاً بها."
شعرت نور بأن الأرض تميد بها. هل كانت قصة حبها لسالم، هي قصةٌ تبدأ من نقطةٍ مؤلمةٍ في الماضي؟ هل كانت هناك ضغوطٌ عائليةٌ قديمةٌ تعيق سعادتهما؟
"ولكن… لماذا لم يخبرني أحدٌ بهذا؟" تساءلت نور، وعيناها تفيضان بالدموع.
"لا أدري يا نور. ربما لم يرغبوا في إثقال كاهلكِ بهذه الهموم. أو ربما كانوا يأملون أن تمضي هذه الأمور دون أن تعود لتؤثر علينا."
"ولكنها تؤثر يا سالم،" قالت نور، بصوتٍ حزين، "إنها تؤثر الآن."
شعر سالم بألمٍ يعتصر قلبه. لقد كان يرى في نور كل الحب والأمان، ولكنه الآن يرى أيضاً شبح الماضي يخيم على مستقبلهما.
"نور،" قال سالم، وهو يمسك بيديها بحنان، "أنا لا أعرف كل التفاصيل بعد. ولكنني أعرف أنني أحبكِ، وأننا سنتجاوز هذا معاً. علينا أن نبحث عن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة."
"لكن كيف؟" سألت نور، وهي تبكي. "كيف سنفهم كل هذا؟"
"سنتحدث مع والدي،" قال سالم بحزم. "وسنتحدث مع والدتكِ. يجب أن نجمع كل الخيوط المتناثرة. هذا الأمر لا يمكن أن يمر دون أن نفهم أبعاده."
كانت الصدمة باديةً على وجه نور. لم تكن تتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد. كانت ترى في زواجها من سالم بدايةً لحياةٍ جديدةٍ مليئةٍ بالحب والسعادة، لكنها الآن تواجه شبحاً من الماضي لم تكن تعرف بوجوده.
"سالم،" قالت نور، وهي تتنفس بعمق، "أنا خائفة."
"وأنا معكِ يا حبيبتي،" أجاب سالم، وهو يضغط على يديها. "لن أترككِ تواجهين هذا وحدكِ. مهما كانت الأسرار، سنكشفها. مهما كانت الآلام، سنتغلب عليها. من أجلنا، من أجل حبنا."
نظرت نور إلى سالم، وإلى عينيه المليئتين بالصدق والأمل. شعرت بأن قوتها تعود إليها. صحيحٌ أن الماضي كان مؤلماً، ولكنه أيضاً كان بدايةً لقصتهما.
"حسناً يا سالم،" قالت نور، بصوتٍ ثابتٍ أكثر. "لنواجه هذا معاً."
في تلك اللحظة، بدأت الأجواء في المكتبة تتغير. لم تعد مجرد مكانٍ لترتيب الكتب، بل أصبحت نقطة التقاءٍ بين الماضي والحاضر، بين الشكوك والآمال. لقد ألقى الماضي بظلاله، ولكنه أيضاً أضاء مساراً جديداً لهما.
كانت نور تعلم أن هذه ستكون رحلةً صعبة، وأن الحقيقة قد تكون مؤلمة. ولكنها كانت أيضاً تعرف أن حبها لسالم هو سلاحها، وأن ثقتهما ببعضهما البعض هي درعها.
وبينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، تاركةً وراءها خيوطاً ذهبيةً على جدران المكتبة، شعرت نور بأنها تقف على حافة عالمٍ جديد. عالمٌ يتطلب شجاعةً للتعامل مع الأسرار، وإيماناً قوياً ببناء مستقبلٍ لا تشوبه شائبة.