قلبي في يديك
مواجهة الماضي: حوارٌ يكشف المستور
بقلم ليلى الأحمد
في اليوم التالي، وقفت نور أمام باب منزلها، وقلبها يدق بعنفٍ كطبلٍ في ساحة معركة. كانت والدتها، السيدة فاطمة، قد استقبلت سالم بحرارةٍ، بعد أن أخبرها عن نيته التحدث معها ومع والدها. لم تكن السيدة فاطمة تعلم عن طبيعة الموضوع الدقيقة، لكنها شعرت بأن هناك أمراً مهماً.
"تفضل يا سالم، البيت بيتك،" قالت السيدة فاطمة، وهي ترشد سالم إلى غرفة المعيشة. كان الأستاذ فؤاد، والد نور، جالساً في مقعده المفضل، يقرأ جريدة الصباح. عندما رأى سالم، ابتسم ابتسامةً ودودة، لكنها لم تخفِ توتره.
"مساء الخير يا عمي، مساء الخير يا خالتي،" قال سالم، وبدأ يشعر بثقلٍ يزداد كلما اقترب من بدء الحديث.
"مساء النور يا ولدي، تفضل بالجلوس،" أجاب الأستاذ فؤاد.
جلست نور بجانب والدها، وأخذت يده. شعرت بأنها بحاجةٍ إلى هذا الدعم.
"أعلم أنني قد آتيكم بأمرٍ قد يكون مفاجئاً،" بدأ سالم، وهو ينظر إلى الأستاذ فؤاد مباشرةً، "ولكنه أمرٌ يتعلق بتاريخ عائلتنا، وأعتقد أنه قد يتعلق بعائلتكم أيضاً."
تردد الأستاذ فؤاد للحظة، ثم وضع الجريدة جانباً. "تفضل يا سالم، نحن نصغي."
"لقد علمتُ مؤخراً، من عمتي أمينة، أن والدي، رحمه الله، كان له زواجٌ سابق،" قال سالم، وهو يراقب ردود أفعالهم. "وأن هذا الزواج انتهى بسبب خلافاتٍ تتعلق بماضٍ قديمٍ للعائلتين. والأهم، أن والدي ترك وصيةً تتعلق بمنزلٍ وأرض، وأن هذه الوصية تحمل توقيعاً لشخصٍ آخر، وهو ما أثار لديّ الشكوك بأن هذا الشخص قد يكون… والدك يا عمي."
ساد صمتٌ ثقيلٌ في الغرفة. نظرت السيدة فاطمة إلى زوجها، بعينين تلمعان بالكثير من الأسئلة. أما الأستاذ فؤاد، فقد شحب وجهه للحظة، ثم استعاد رباطة جأشه.
"هذه… هذه قصةٌ قديمةٌ جداً يا سالم،" قال الأستاذ فؤاد، بصوتٍ بدا أضعف مما كان عليه. "قصةٌ لم أكن أود أن تعود للظهور."
"ولكن يا أبي،" قالت نور، بصوتٍ خفيض، "ما هي هذه القصة؟ لماذا لم تخبرني قط؟"
نظر الأستاذ فؤاد إلى ابنته، ثم إلى سالم. شعر بأن الحقيقة، مهما كانت قاسية، يجب أن تُقال.
"يا نور،" بدأ الأستاذ فؤاد، "عندما كنتُ شاباً، مرت حياتي ببعض التقلبات. زواجي الأول لم يكن موفقاً، وكان فيه الكثير من الضغوط. وبسبب بعض القضايا المالية المتعلقة بتركةٍ قديمةٍ جداً، حدثت مشاكلٌ كبيرةٌ بين عائلتي وعائلة… عائلة زوجتي الأولى."
"هل تقصد… عائلة السيد…؟" سأل سالم، متردداً.
"نعم،" أجاب الأستاذ فؤاد، "وكان والدي، رحمه الله، قد حاول إيجاد حلٍ لهذه المشاكل، وطلب المساعدة من بعض الأصدقاء المقربين، ومن بينهم والدك يا سالم. كانت هناك اتفاقياتٌ معقدةٌ، وكان والدك، بسماحٍ مني، قد ساهم في ترتيب بعض الأمور المالية، وأصبح له دورٌ في تلك الوصية التي تتحدث عنها."
"ولكن… لماذا لم تُخبرني عمتي أمينة بهذا؟" سأل سالم، بدهشة.
"لأن الأمر كان يتعلق بشيءٍ حساسٍ جداً،" قالت السيدة فاطمة، وهي تتحدث لأول مرةٍ منذ بدء الحديث. "كانت هناك سمعةٌ للعائلتين يجب الحفاظ عليها. وفي تلك الفترة، كانت المشاكل المالية تلاحق عائلة الأستاذ فؤاد، وكان هذا الصلح، وهذا الاتفاق، جزءاً من محاولةٍ لتجاوز تلك الأزمة. لكن مع مرور الوقت، وتحول هذه الأمور إلى مجرد ذكرى، قررنا أن نترك الماضي وراءنا."
"ولكن يا أبي،" قالت نور، وهي لا تزال في حالةٍ من الصدمة، "هل يعني هذا أن عائلة والدتكِ وعائلتنا كانتا على خلافٍ في الماضي؟"
"ليس خلافاً بالمعنى الدقيق،" أوضح الأستاذ فؤاد، "بل كان هناك سوء تفاهمٍ كبيرٍ، وتراكمٌ للمشاكل. ووالد زوجتي الأولى، السيد… كان رجلاً صعب المراس، ولم يكن يرغب في التنازل بسهولة. والدي، رحمه الله، كان يبحث عن حلٍ يرضي الجميع، وكان والدك يا سالم، سنداً عظيماً في تلك الفترة."
شعر سالم بأن كل شيءٍ بدأ يتضح. الاسم المألوف، التوقيع الغامض، كل ذلك أصبح له تفسير. لكنه كان تفسيراً مؤلماً، يتعلق بخلافاتٍ ماضيةٍ لم يكن يعرف عنها شيئاً.
"إذاً،" قال سالم، وهو يفكر بصوتٍ عالٍ، "هذه الوصية… هي جزءٌ من اتفاقٍ تم في تلك الفترة، لترتيب بعض الأمور المالية، وللمساهمة في الصلح العائلي؟"
"نعم يا سالم، هذا صحيح،" أكد الأستاذ فؤاد. "وقد كان والدي، رحمه الله، يعلم أن هذه الأمور قد تحتاج إلى ترتيبٍ مستقبلي، ولذلك ترك لك هذه الوصية. كان رجلاً حكيماً، يعلم أن الأجيال القادمة قد تحتاج إلى فهمٍ أعمق لتاريخها."
"ولكن… لماذا لم يذكر لي أبي شيئاً عن هذا؟" سألت نور، وعيناها تترقرق بالدموع.
"يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة، بحنان، "والدكِ مرّ بالكثير. كان لديه ما يكفي من الهموم. ولم يكن يريد أن يثقل كاهلكِ أو كاهل سالم بهذه الأمور القديمة. كان يريد أن تبدأوا حياتكم بناءً على الحب، وليس على ثقل الماضي."
نظر سالم إلى نور، ورأى الألم في عينيها. شعر برغبةٍ قويةٍ في احتضانها، ولكن في وجود والديها، كان يتحفظ.
"يا نور،" قال سالم، بهدوء، "هذا الماضي، رغم أنه مؤلم، إلا أنه جزءٌ من قصة عائلتنا. قصة والدي، وقصة والدك. والآن، أصبح جزءاً من قصتنا. ولا يمكننا أن نبدأ مستقبلنا إذا لم